شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

"التقنيات العصبية".. هل تصبح أفكار الإنسان عارية؟

"التقنيات العصبية".. هل تصبح أفكار الإنسان عارية؟

قال شاعر عربي قديماً «إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سرِّ نفسِه.. فصدرُ الذي يُستودَعُ السرَّ أضيقُ». السرّ أمانة محفوظة لا ينبغي أن تفشى؛ وما لم يَبُح به المرء بقي في مأمن داخل رأسه، لا تبلغه يد ولا عين، هذه المُسلّمة التي عاشت عليها البشرية آلاف السنين بدأت تتصدّع، والتحذير جاء هذه المرة من أعلى منبر دولي.ففي تقرير خُصّص لحقوق الإنسان في إدارة العدالة في ضوء "التقنيات العصبية"، نبّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى أن خروج هذه التقنيات من العيادة إلى سياقات التحقيق والقضاء والسجون يحمل مخاطر كبيرة إلى جانب فوائد محتملة، وأن سوء استخدامها قد يقود إلى الاحتجاز التعسفي وتغيير الحالات الذهنية وانتهاك الخصوصية. ودعا التقرير إلى تنظيم يتّسق مع القانون الدولي، وإلى عدّ الأفكار بيانات شخصية شديدة الحساسية، واشتراط الموافقة الصريحة لاستخدام هذه التقنيات في العدالة الجنائية.جدل علميلنتخيّل محققاً يعرض على متهم صوراً متتابعة لمسرح جريمة، ويراقب على شاشة أمامه استجابة دماغه لكل صورة، ليستنتج منها ما يعرفه وما يجهله، دون أن ينطق المتهم بكلمة. مشهد كهذا هو ما يجعل التوقيت حاسماً؛ ولهذا رأى مكتب حقوق الإنسان الأممي في التقرير فرصة لوضع قواعد واضحة قبل أن تصبح هذه التقنيات روتيناً في التحقيقات والمحاكم والسجون.لكن هذا المشهد لا يعني أن العلماء باتوا قادرين على قراءة الأفكار كما تُقرأ صفحة مكتوبة. فالتقنيات المتاحة اليوم تلتقط أنماطاً وإشارات في ظروف محددة، ودقتها وتفسير نتائجها لا يزالان موضع جدل علمي، ولا سيما حين تنتقل من المختبر إلى غرفة التحقيق. والدماغ يستجيب للتعرّف والخوف، لكن التعرّف قد يأتي من صورة شاهدها المتهم في نشرة أخبار، والخوف قد يكون رهبة من التحقيق نفسه أو إثر صدمة قديمة. وهنا يكمن الخطر الجنائي الأكبر؛ حيث إشارة ملتبسة يقرؤها محقق واثق بجهازه، فتُعامَل معاملة الاعتراف وهي لا تثبت شيئاً. وهذه الفجوة بين ما تستطيع التقنية ادعاءه وما تستطيع إثباته هي في ذاتها أحد أسباب التحذير الأممي.وحتى لو بلغت التقنية يوماً دقة تامة، يبقى سؤال قانوني أشد حساسية من الخصوصية نفسها؛ إذا رفض المتهم الإجابة، فهل يجوز أن تبحث جهة التحقيق عن الإجابة في نشاط دماغه؟ فالحق في الصمت، وفي ألا يُجبر الإنسان على الشهادة ضد نفسه، يفقد جانباً كبيراً من معناه إذا أمكن تجاوز اللسان والوصول إلى المعلومة من طريق عصبي.تقنية استهلاكيةالتقنيات العصبية مصطلح واسع يشمل الأجهزة التي تتصل بالجهاز العصبي، وقد ظلت في معظمها أدوات علاجية لاستعادة الحركة أو التواصل أو البصر أو السمع. غير أن اقترانها بالذكاء الاصطناعي غيّر قواعد اللعبة، حتى شبّهته ماريا غراتسيا سكويتشاريني، الاقتصادية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في «اليونسكو»، بإمداد التقنية العصبية «بالمنشّطات». والخطر لا يأتي من الدولة وحدها؛ فقد حلّلت مؤسسة الحقوق العصبية عام 2024 سياسات الخصوصية لثلاثين شركة تقنية عصبية استهلاكية، فوجدت أن أغلبها لا يضع حدوداً لاستخدام بيانات أدمغة عملائها.ومن هنا تكتسب الوثيقة الأممية وزنها الفكري؛ فهي تنقل حرية الفكر من حق بدا طويلاً عصيّاً بطبيعته على الاقتحام، يحميه العهد الدولي حمايةً مطلقة لا تقبل التقييد ولو في الطوارئ، إلى حق يحتاج لأول مرة إلى ضمانات عملية تصون المجال الداخلي للعقل من الوصول غير المشروع إليه. كانت القوانين تحمي ما يقوله الإنسان، وصار عليها اليوم أن تحمي ما لا يقوله.أخلاقيات التقنيةوأمام هذا الواقع تحرّك المشرّعون متفرّقين، فكانت تشيلي أول دولة تُدخل في دستورها عام 2021 حماية صريحة للنشاط الدماغي والمعلومات المستمدة منه، ووسّعت ولايات أمريكية، بينها كولورادو وكاليفورنيا ومونتانا وكونيتيكت، قوانين الخصوصية لتشمل البيانات العصبية بتعريفات ودرجات حماية متفاوتة، في غياب أي إطار فيدرالي. وعلى المستوى الدولي، اعتمدت «اليونسكو» في نوفمبر 2025 أول إطار عالمي لأخلاقيات التقنية العصبية، يعدّ البيانات العصبية شديدة الخصوصية، ويحظر استخدامها بصورة تلاعبية أو خادعة في الحملات السياسية والسياقات الطبية والتجارية، وإن ظل توصية لا تُنشئ التزامات ملزمة. وفي مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، أطلق الإنتربول ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة مبادرة لوضع إرشادات للاستخدام الأخلاقي لهذه التقنيات في إنفاذ القانون.مع انتقال التقنية من الاستخدام الطبي إلى الأجهزة الاستهلاكية، يبرز سؤال قانوني جديد؛ هل تكفي التعريفات القائمة حين تستخرج أجهزة تجارية من إشارة الدماغ استنتاجات عن الانتباه أو الانفعال أو الحالة الذهنية، أم أن هذه الإشارة وما يُستنتج منها تحتاج إلى وضع قانوني خاص؟ وقد وفرت الدول التي سبقت التقنية بالتشريع على نفسها كلفة الاستدراك، ومنحت المستثمرين وضوحاً يطمئنهم.فوائد محتملةلا يعني ذلك أن نرى في هذه التقنيات خطراً خالصاً، فغوتيريش نفسه نبّه، حين بدأ النقاش الأممي حولها، إلى ما تحمله من أمل لملايين المرضى الذين يواجهون الزهايمر والتصلّب المتعدد، والتقرير الجديد يقرّ بفوائدها المحتملة. المعادلة المطلوبة أن تُفتح هذه الأبواب أمام المرضى، وتبقى موصدة أمام من يريد التلصّص على العقول.قبل قرون، كان كتمان السرّ فضيلة يملكها صاحبها وحده؛ يكفيه أن يُمسك لسانه ليحفظ ما في صدره. أما اليوم، فقد يحتاج الإنسان إلى نصّ قانوني يحمي سرّه من جهاز يقرؤه دون استئذان. وبين قول الشاعر القديم والتقرير الأممي الجديد، يبقى الإنسان عرضة لانتهاك ما في دماغه.التقنيات العصبيةغوتيريشالأمم المتحدة

المصدر: البيان