12 أكتوبر الإسباني: حين يضع مجد الأمس تناقضات الحاضر تحت المجهر
بين الاحتفال بالعيد الوطني واستحضار الإرث الإمبراطوري واستعادة الذاكرة الاستعمارية، يفتح الثاني عشر من أكتوبر في إسبانيا نقاشاً يتجاوز حدود شبه الجزيرة الإيبيرية. ومن الضفة المغربية، يطرح هذا التاريخ سؤالاً تاريخياً وسياسياً في آن واحد: هل يمكن لأمة أن تحتفي بأمجاد ماضيها دون أن تواجه صفحاته المظلمة؟ في الثاني عشر من أكتوبر من كل سنة، تُخرج إسبانيا أعلامها وأزياءها العسكرية الأنيقة وذكريات مجدها القديم. في مدريد، تشق الطائرات العسكرية السماء، ويسير الجنود بخطوات منتظمة، ويترأس الملك فيليبي السادس مراسم عيد وطني تمتد جذوره الرمزية إلى سنة 1492. كل شيء يبدو مضبوطاً بدقة الساعة؛ الأعلام، والموسيقى العسكرية، والخطابات التي تتحدث عن الوحدة والاستمرارية التاريخية والاعتزاز بالانتماء الوطني. غير أن وراء هذا المشهد الاحتفالي المنظم سؤالاً لا تستطيع العروض العسكرية الإجابة عنه: ما الذي تحتفل به إسبانيا تحديداً عندما تحتفل بالثاني عشر من أكتوبر؟ رسمياً، يحيل هذا التاريخ إلى وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأمريكية، وهو الحدث الذي مهّد للتوسع الإسباني عبر المحيط الأطلسي. وقد كرّس قانون سنة 1987 هذا اليوم عيداً وطنياً، مستحضراً الامتداد اللغوي والثقافي لإسبانيا خارج حدودها الأوروبية. إنها صياغة أنيقة، تكاد تكون شاعرية، لكنها تترك في الظل وجهاً آخر أقل إشراقاً: الغزو، والهيمنة الاستعمارية، واستغلال السكان الأصليين، والتحولات العنيفة التي فرضتها القوى الأوروبية على المجتمعات الأمريكية. 1492: سنة بوجهين لفهم التناقضات التي يحملها الثاني عشر من أكتوبر، لا بد من العودة إلى سنة 1492، إحدى السنوات المفصلية في التاريخ الإسباني. ففي يناير، استولى الملكان الكاثوليكيان على غرناطة، منهِيَين بذلك حكم آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية. وفي مارس، صدر مرسوم طرد اليهود الذين رفضوا اعتناق المسيحية. أما في أكتوبر، فقد وصل كولومبوس إلى جزر الكاريبي، فاتحاً الطريق أمام التوسع الاستعماري الإسباني في العالم الجديد. ثلاثة أحداث كبرى في سنة واحدة، أسهمت في إعادة تشكيل الهوية السياسية والدينية لإسبانيا. فقد تعززت سلطة الملكية، وتقدمت سياسة التوحيد الديني على حساب تعددية تاريخية عريقة، بينما شرعت إسبانيا في بناء إمبراطورية ستقوم قوتها على التبادل الثقافي والتجاري، ولكن أيضاً على الغزو والاستغلال والإخضاع. ومن المغرب، تكتسب هذه المحطات التاريخية دلالات خاصة. فالتاريخ الإسباني لم يبدأ مع كولومبوس، كما أن الهوية الإسبانية لا يمكن فصلها عن قرون من الحضور الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. فالأندلس جزء من هذا التاريخ المشترك، بصراعاته وإنجازاته الفكرية وأشكال تعايشه غير المثالية ومآسيه الإنسانية. وقد جعل الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو من نقد هذه الذاكرة الانتقائية أحد المحاور الأساسية في مشروعه الأدبي والفكري. ففي روايته Reivindicación del conde don Julián، لجأ إلى الاستفزاز الأدبي لتفكيك الأساطير المؤسسة لهوية إسبانية سعت، في بعض تمثلاتها، إلى التنكر لجزء من موروثها العربي الإسلامي. وكان سؤاله الضمني بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالاته: كيف يمكن لأمة أن تفهم نفسها إذا كانت تنكر بعض المكونات التي صنعت تاريخها؟ عيد وطني وذاكرات متعددة سيكون من الظلم الاعتقاد بأن جميع الإسبان يحتفلون بالثاني عشر من أكتوبر بدافع الحنين إلى الماضي الإمبراطوري. فبالنسبة إلى كثيرين، لا يتجاوز الأمر التعبير عن الارتباط بالوطن ومؤسساته والانتماء إلى جماعة وطنية ديمقراطية. كما أن للعيد بعداً مدنياً ودستورياً معاصراً لا يجوز اختزاله في تمجيد الفتوحات الاستعمارية. ثم إن إسبانيا نفسها لا تقيم علاقة موحدة مع تاريخها الإمبراطوري. ففي الأندلس، تتجاور ذاكرة الحضارة الأندلسية مع ذاكرة التوسع الأطلسي الذي كانت إشبيلية أحد أبرز مراكزه. وفي كتالونيا، تعترض تيارات قومية واستقلالية على السردية الوطنية المركزية التي يرمز إليها هذا العيد، رغم أن مصالح اقتصادية كتالونية شاركت بدورها في المشروع الاستعماري الإسباني. أما في بلاد الباسك، فإن التقاليد الاستقلالية والحكم الذاتي وتاريخ الصراع مع السلطة المركزية تغذي حساسيات مختلفة تجاه الرموز الوطنية، دون أن يلغي ذلك مشاركة شخصيات باسكية عديدة في تاريخ الإمبراطورية. وتساعد أعمال المؤرخ الكتالوني جوزيب فونتانا، ولا سيما كتابه La formació d’una identitat، على فهم هذه التعددية، من خلال إبراز أن الهويات الجماعية ليست معطيات ثابتة خارج التاريخ، بل تتشكل عبر صراعات وتحولات وعلاقات قوة متشابكة. وهكذا، خلف المشهد الاحتفالي الذي يبدو موحداً في مدريد، تظهر إسبانيا متعددة الذاكرات، لا تسير جميع مكوناتها بالخطوة نفسها عندما يتعلق الأمر باستحضار الماضي. لكن المسألة لا تتوقف عند اختلاف الذاكرات، بل تمتد إلى كيفية صناعتها وتداولها. فقد أظهرت الباحثة كريستن هينزه، في دراسة تناولت معالجة الصحافة الناطقة بالإسبانية في نيويورك لاحتفالات الثاني عشر من أكتوبر سنة 1989، كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تسهم في بناء هوية جماعية انطلاقاً من صورة منتقاة وممجدة للماضي الإسباني. وهكذا يتحول الاحتفال من مجرد استعادة لحدث تاريخي إلى أداة لإنتاج الشعور بالانتماء، أحياناً على حساب الاختلافات والذاكرات المتعارضة. فالأمم، شأنها شأن الجماعات البشرية، لا ترث تاريخها فحسب، بل تتعلم أيضاً كيف ترويه لنفسها وللآخرين. ولذلك، لا يكون أي عيد وطني محايداً تماماً من الناحية التاريخية. فهو ينتقي بعض الذكريات ويمنحها مكانة مركزية في بناء الرواية الجماعية. وليس من قبيل المصادفة أن عدداً من بلدان أمريكا اللاتينية اختار منح الثاني عشر من أكتوبر دلالات مختلفة، ترتبط بالتنوع الثقافي أو بمقاومة الشعوب الأصلية. وليس المقصود محو الإرث الإسباني، وإنما التذكير بأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، وأن للمهزومين أيضاً حقاً في رواية ما حدث. النظرة المغربية وتناقضات الذاكرة من الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، يثير العيد الوطني الإسباني أسئلة إضافية. فالمغرب يحتفظ بذاكرة حساسة تجاه الوجود الاستعماري الإسباني في شمال البلاد وفي الأقاليم الصحراوية. وهي ذاكرة لا تختزل في المعارك العسكرية أو اتفاقيات الحماية، بل تمتد إلى العائلات واللغات والهجرات والمدن. ففي تطوان والناظور والحسيمة، ما تزال آثار هذا التاريخ حاضرة في العمران والذاكرة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية. إنه تاريخ من الجوار والتأثير المتبادل، ولكنه أيضاً تاريخ من الهيمنة والمقاومة. وقد خصصت المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا جانباً مهماً من أبحاثها لهذا الماضي الذي ظل طويلاً على هامش السرديات الوطنية الكبرى. ففي كتابها España y el Rif. Crónica de una historia casi olvidada، أعادت قراءة الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية للوجود الإسباني بالمغرب، مبرزة أن الريف لم يكن مجرد ساحة للعمليات العسكرية، بل فضاءً للمقاومة وصناعة تاريخ لا يمكن فصله عن الذاكرة المشتركة للبلدين. وتجد هذه المقاربة امتداداً لها في أعمال المؤرخ المغربي محمد كنبيب، ولا سيما كتابه Les protégés. Contribution à l’histoire contemporaine du Maroc، الذي درس فيه الآليات التي مكنت القوى الأوروبية من توسيع نفوذها داخل المجتمع المغربي خلال القرن التاسع عشر، عبر الضغوط الدبلوماسية والامتيازات القانونية والتحولات التي مست علاقات السلطة. إننا أمام مقاربتين متكاملتين: إحداهما إسبانية والأخرى مغربية، تذكران بأن التاريخ المشترك لا يمكن أن يُروى من ضفة واحدة، ولا أن يُختزل في رواية المنتصر أو ذاكرة المتضرر وحدها. وتضيف قضية سبتة ومليلية بعداً معاصراً إلى هذه الإشكالية. فالمدينتان الخاضعتان للسيادة الإسبانية، واللتان يطالب المغرب باسترجاعهما، تجسدان استمرار خلاف ترابي تتبنى بشأنه الرباط ومدريد قراءتين تاريخيتين وقانونيتين مختلفتين. غير أنه سيكون من الضعف المنهجي وضع غزو أمريكا، والحماية الإسبانية بالمغرب، والوضع الحالي لسبتة ومليلية في مستوى تاريخي وقانوني واحد. فالسياقات مختلفة، والأسس القانونية ليست متطابقة. ومع ذلك، فإن استحضار هذه القضايا يكشف ميلاً متكرراً لدى الدول إلى توظيف التاريخ عندما يدعم مواقفها، وإبداء قدر أقل من الحماس عندما يفرض عليها مساءلة تناقضاتها. ما وراء الأعلام: شجاعة مواجهة التاريخ من البديهي أن إسبانيا المعاصرة ليست مسؤولة، بصورة جماعية أو فردية، عن القرارات التي اتخذها ملوك القرن الخامس عشر. وليس مطلوباً منها التخلي عن عيدها الوطني حتى تعترف بما رافق توسعها الإمبراطوري من عنف ومآسٍ. فالنضج الديمقراطي يتجلى، على العكس، في القدرة على الاحتفاء بالوطن دون تحويل تاريخه إلى أسطورة معصومة من النقد. وهذا المبدأ ينطبق على المغرب أيضاً. فلا شعب يحتكر الذاكرة المجروحة، ولا أمة تستفيد من تحويل ماضيها إلى مجال مقدس لا يجوز الاقتراب منه. والعلاقات المغربية الإسبانية تستحق ما هو أفضل من منافسة دائمة حول الجراح التاريخية والحساسيات الوطنية. يمكن للثاني عشر من أكتوبر، من هذا المنظور، أن يصبح أكثر من مجرد استعراض للقوة العسكرية أو استحضار حنيني لأمجاد إمبراطورية غابرة. يمكن أن يشكل مناسبة للاعتراف بأن عظمة الحضارات لا تقاس فقط بالأراضي التي أخضعتها، وإنما أيضاً بقدرتها على النظر بوضوح وشجاعة إلى نتائج فتوحاتها وغزواتها. ولعل المفارقة الأكثر دلالة تكمن في المشهد نفسه: جنود يسيرون بخطوات موحدة لتمثيل أمة لا تتحرك ذاكراتها التاريخية دائماً بالإيقاع ذاته. فالوحدة الوطنية لا تعني بالضرورة وحدة الذاكرة، كما أن الاعتراف بتعدد الروايات لا يعني إنكار التاريخ المشترك. فالإمبراطوريات تزول، والحدود تتغير، والتيجان تنتقل من جيل إلى آخر. أما الشعوب وذاكراتها فتبقى. وربما يأتي يوم ندرك فيه، على ضفتي المضيق، أن اقتسام تاريخ معقد، بكل ما يحمله من أمجاد وجراح وتناقضات، يتطلب شجاعة أكبر بكثير من الاستمرار في الدفاع، كل من موقعه، عن تاريخ مريح لا يزعج أحداً من أصحابه.
المصدر: اليوم 24