إبادة جماعية لأسرة آل دايل بالجوف.. هكذا يوغل العدو السعودي في دماء اليمنيين
أسرة آل دايل، من البدو الرحل، تسكن في ثلاث خيام تضم عوائلها وأطفالها، تنتقل حيث الماء والمرعى لرعاية مواشيها. وفي منطقة "خب والشعف" بمحافظة الجوف، تجمع أفراد أسرة مبارك آل دايل التي تضم 3 عوائل لثلاثة إخوة، بصغارهم وكبارهم نساءً وأطفالاً، كانوا يستظلون وقت الظهيرة وحرارة الشمس تحت طرابيل وخرق خيامهم، علها تقيهم سخونة الأرض والهواء، لكن طيران العدو السعودي وجد فيهم هدفه الثمين وقربانه الغالي لأسياده المجرمين. فتعرضت هذه الأسر لإبادة جماعية من قبل طائرات العدو السعودي، حولت خيامهم إلى عدم، وحياتهم إلى أشلاء متطايرة وجثث محترقة، ودماء مسفوكة وأرواح تستغيث من وسط النار والبارود والدمار، وطفلان ناجيان من بين الأنقاض. طائرات العدوان لم تمهل هذه العوائل الآمنة لحظات للخروج والبحث عن طوق نجاة، إذ أقدمت على شن ثلاث غارات جوية متتالية: الأولى على الخيمة الجامعة لرب الأسرة، والثانية للأسرة الثانية من هذه العائلة بالجوار، والثالثة على المسجد الخاص بهم. وتتحول لحظات تواجد الأسرة بصغارها بعد تناول الغداء إلى كابوس وجزء من عذاب أصحاب الأخدود، حين تفحمت جثث الصغار والكبار وتمزقت الأجساد وتناثرت الأشلاء مع الحجارة وقطع وخيوط الخيام وعمدانها وأعواد سقوفها في كل اتجاه. تصعد أعمدة الغبار والنار والدخان ومعها الأرواح البريئة، والصرخات المستغيثة، فيما مجرم الحرب وسائق الطائرة يمعنان النظر إلى شاشة المراقبة ويبتسمان أمام الجريمة المنجزة، وكأنهما أكملا المهمة وسددا الضربة القاضية بحق شعب الإيمان والحكمة. تواصل طائرة العدو السعودي تحليقها على ارتفاع فوق سماء المنطقة، لتمنع قدوم المسعفين نحو المكان، وبعد دقائق من انقشاع الغبار تعود أدراجها ويعجز أهالي المنطقة عن الاقتراب من المكان، خشية العودة لاستهدافهم، كما هي عادة المجرم السعودي وتعمده في استهداف المسعفين، فيما أسرة مبارك دائل كانت هنا قبل لحظات. وما إن يقترب المسعفون من مكان المجزرة والمحرقة الجماعية لأسرة دائل حتى يسمعون من تحت أقدامهم صرخات أطفال، فيبادرون وبسرعة لرفع الأنقاض ورفع الجثث، وتجميع الأشلاء وإنقاذ من يمكن إنقاذه. أول ما وصل إليه المسعفون طفل بعمر العامين فارق الحياة، ورأسه مكسور ووجهه فقد ملامحه ودماؤه على قميصه، ومن المكان نفسه ترفع الجثة الهامدة بين يدي أحد القوم وهو يوجه عبارات اللوم والملامة إلى مجرم الحرب بن سلمان وأعوانه المجرمين، ويتساءل الجمع: ما ذنب هذا الطفل يا عالم؟ ويلعنون سائق الطائرة، ويضعون الطفل في بطانية حمراء. تتواصل عمليات البحث مع استمرار تصاعد الدخان من خرق الخيمة، ويتفرق القوم كلٌّ من جهته يرفع ما يستطيع عله ينقذ نفساً. ومن مكان الغارة الثانيةيشرح أحد الأهالي أن مكان الغارة المحفورة في الأرض كان مكان خيمة أسرة محمد بن مبارك آل دائل، وعلى بعد أمتار كانت هناك خيمة عائلة أخيه فايز مبارك دائل واستهدفها العدو السعودي بغارة، وآخَرُ منزل صالح مبارك دائل، ومكان هذه الخيمة كان يسكن 6 من عائلة محمد مبارك ، امرأة وأطفالها، استشهدوا بالكامل. ومن مكان الغارة الثالثة التي يتصاعد منها الدخان يقول مواطن آخر: "استهدفوا مكان الخيمة التي تأوي حرمة و4 أطفال لأسرة فايز مبارك، ولم يبقَ منهم أحد وتم وضعهم قطعاً وأشلاءً في بطانية واحدة، وهذه.. حسبنا الله ونعم الوكيل". جثث النساء تحولت إلى قطع ممزقة، في مشهد يعكس وصول الغارة مباشرة على رأس الأمهات وأطفالهن، فاختلطت العظام واللحوم البشرية بتراب الأرض اليمنية وأشواك الشجر الشوكية، لتكون بقايا أناس وأسر كانت تعيش على اليمن قبل لحظات من استهداف العدو السعودي لها. هنا جسد محترق متفحم لأم كانت بعيدة عن مكان الصاروخ لبضعة أمتار، ولكن قماش الخيمة ولهب النار من الصاروخ أحرقها بالكامل وأزهقت روحها، وهي تحتضن صغارها علها تقيهم من النار فيحترقون سوياً. وكما هو حال جثمان الشهيد مبارك حسن دائل الذي لم يبقَ منه غير الرأس والصدر والذراع بعد أن احترق بالكامل وتحول إلى هيكل فاقد لملامحه، وغُطي جثته ببطانية على صندوق سيارة بعد أن تم رفعه من بين النيران والدمار، في مشهد آخر يعكس بشاعة الإبادة. يروي أحد المسعفين تفاصيل الجريمة بقوله: "العدو السعودي استهدف خيام الأسرة ومنزلها الصغير والجامع بـ3 غارات، وكان في هذا المنزل 8 أفراد، وفي الآخر البقية، والغنم، هؤلاء ليسوا قادة، ولا من الجيش، ولا علاقة لهم بالحرب، إنهم بدو رحل يبحثون عن ما يقدمونه لمواشيهم وأطفالهم". مواطن آخر من فوق الأنقاض يتوعد العدو السعودي بالانتقام، قائلاً: "إن شاء الله سنأخذ بدماءهم ولو لم يبقَ منا ولا رجل، سنقاتل آل سعود حتى نأخذ بثأر أبنائنا ونسائنا وأهلنا، بإذن الله، إذا هو رجل فليواجه في الميدان والجبهات، مجال الحرب مفتوح، ما قدرته غير على الأطفال والنساء؟ الله المستعان يا شعبنا". هنا رجل طفل وجوارها جمجمة أم، وجزء من ذراع لجدة كان عمرها فوق الـ70 عاماً، الأشلاء تختلط مع بعضها، وتُجمع إلى مكان حسب مكان الخيمة، وظنون المسعفين وتقييماتهم لما بقي من الملامح. نداء مكلوم: "من بين الركام، ظهر الحاج مبارك دائل كبير الأسرة والناجي المكلوم، ليوجه رسالة استغاثة صارخة تدمي القلوب، قائلاً بحرقة: "هذا حرام.. وأين الإسلام يا نداء الإسلام والمسلمين؟ قتل سلمان هؤلاء الأطفال والنساء، من عمر سنة إلى 4 سنين إلى 5 سنين، وشباباً في الـ20، وكبار سن بعمر 60 و70 و120 سنة! خافوا الله يا مسلمين يرحمكم الله". ثم أطلق ندائه بلسان العروبة والقبيلة والإنسانية إلى العلماء والمتعلمين، وكل قبائل الجزيرة العربية، وبمختلف الأسلاف والأعراف والنكف القبلي، ونجدة الشهامة والرجولة، مستنكراً هذا الصمت والتغاضي عن جرائم العدوان السعودي. وعلى مرأى ومسمع العالم المنافق، هؤلاء لا بواكي لهم إلا من أهليهم وأبناء شعبهم، لا مواقف أممية، لا إدانات دولية، لا شجب وتنديد ولا استنكار، لا نكف قبلي لفدغم وأمثال فدغم ومحركي فدغم، فأين تبخرت الأسلاف والأعراف وأين ذهبت التجمعات والمطارح يا ترى؟ هذا بنظر ولي عهد إبستين عمل عسكري مشروع. هنا جثة محترقة يظهر منها ملامح الذراع والرأس وقد تفحمت لتعيد إلى الذاكرة أصحاب الأخدود وما فُعل بهم من قبل طواغيت عصرهم. هذا أحد المسعفين يهب إلى المكان ويرفع جثث أطفال من بين الدمار وهو يقول: "العدوان السعودي استهدف خيمة مواطن كان يرعى غنمه، ما لهم أي ذنب، متسائلاً: يا بن سلمان يا عليمي ما ذنب هؤلاء الأطفال؟". وبجوار الخيمة التي لم يبقَ منها غير الأثر تظهر غارة أخرى كانت بجوار منزل مكون من غرفة واحدة وسط حائطين من البلك، نسفته الغارة وحفرت بجواره حفرة في الأرض بعمق 5 أمتار، وعرض 8 أمتار، تعكس نوعية السلاح المتفجر. مسعف آخر من أحد الأهالي المجاورين يقول: "هنا كانت تسكن 3 أسر في شبوك خيام، استهدفهم العدو السعودي وحول حياتهم إلى مجزرة وجريمة حرب، تعكس العلاقة الإجرامية بين الكيانين المجرمين السعودي والصهيوني وأنهما على ذات النهج من غزة إلى اليمن. بلا قيود أخلاقية ولا إنسانية ناهيك عن الديانة التي يبعد عنها المجرم بن سلمان كل البعد". ومن داخل مستشفى الحزم يقول أحد الأطباء: "استقبلنا 3 نساء إحداهن شهيدة فارقت الحياة، واثنتين في حالة خطرة، منهن أم كانت على سرير المشفى وقد أفقدها الطيران السعودي أطفالها وزوجها، وإحدى قدميها، لتظهر بقدم واحدة". ومن رسائل الأهالي المجاورين يؤكد أحدهم بقوله: "لن نترك العدو السعودي يقتل أبناء شعبنا ويحتل أرضنا ونحن نتفرج، هؤلاء بدو ما لهم دخل في الحرب وبعد حالهم، يرعون أغنامهم، وجاء الطيران واستهدفهم نساءً وأطفالاً حتى مسجد بيت الله ما سلم". "هذا هو يوم الثأر" بهذه العبارة يبتدئ أحد المواطنين -المشاركين في رفع الأنقاض وتجميع الأشلاء ورفع الجثث من بين الأنقاض- كلامه وهو محتزم بندقيته وجعبته يصدح بصوت صادق: "هذا هو يوم الثأر، هذا هو العار، هذا هو يوم الكرامة، هذا هو يوم الغيرة والشرف والقبيلة، يا شعبنا اليمني ويا قبائل اليمن، فهذا هو يوم العار الصدق تحت الأنقاض لمن يتحدثون عن العار، ويخرجون وقفات ومطارح، ويصيحون: ها هذا هو العار! متسائلاً: أين أدهم؟ أين الشرف؟ وأين الغيرة؟ وأين القبيلة؟ وأين الشهامة يا قبائل أدهم؟ الثأر اليوم تحت الأنقاض نساء وأطفال استهدفهم العدو السعودي". وحسب وزارة الصحة والبيئة ومصادر محلية، أدت الجريمة في حصيلتها الدامية إلى استشهاد وإصابة 16 مواطناً، بين مجزرة أودت بحياة 9 شهداء منهم طفلان وامرأة و4 جرحى من أسرة المواطن مبارك دائل، إلى جانب نفوق مواشيهم وتدمير كل ما يملكون. وتأتي هذه الجريمة النكراء كجزء من سلسلة جرائم الحرب والإبادة الجماعية بحق الإنسانية في اليمن، يستمر العدو السعودي في ارتكابها، منذ أكثر من 11 عاماً ضد المدنيين في تحداً صارخة للقانون الدولي الإنساني ومع استمرار القصف المتواصل واستهداف الأحياء السكنية في مختلف المحافظات، تقف المنظمات الدولية والأممية موقف "العالم المنافق"؛ فلا مواقف جادة، ولا إدانات دولية، ولا شجب أو استنكار لشهداء لا بواكي لهم إلا أهلهم وأبناء شعبهم، في وقت يُشرعن فيه "ولي عهد إبستين" هذه المجازر بحق الطفولة، ويعدها عملاً عسكرياً مشروعاً.
المصدر: 26 سبتمبر