متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس القديمة يجاور "الفنون الإسلامية"
في فاس القديمة، يتجاور متحفان يحكيان قصّة معيشٍ مغربي، “متحف البطحاء للفنون الإسلامية” و”متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس”. هذا الأخير فتح بابه مساء الإثنين، 11 أكتوبر الجاري، بعد شهور من افتتاح سابقه، ووصفهما الأمين العام للطوائف اليهودية المغربية سيرج بيرديغو بـ”المتحفين التوأمين”.
ويعود تاريخ افتتاح أول متحف مخصص للثقافة المغربية اليهودية، في المشهد المتحفي للمملكة، إلى سنة 1997، وكان المتحف الأول من نوعه في بلد ذي أغلبية مسلمة، ويستمر في استقبال الزوار بمدينة الدار البيضاء.

افتتاح رسمي
شهد حفل افتتاح هذا المتحف حضور أسماء بارزة في الطائفة المغربية اليهودية، من بينها الأمين العام لمجلس طوائفها، وحضره والي جهة فاس مكناس، والمسؤولون عن المؤسسة الوطنية للمتاحف الوصية على تدبير الشأن المتحفي بالمملكة، فضلا عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الذي صرح بأن الملك كلفه بحضور حفل افتتاح المتحف الجديد.
وقال وزير الشؤون الإسلامية أحمد التوفيق إن مدينة فاس “متحف بأكملها”، مردفا: “هذا المتحف المفتتح دلالة على أننا في المغرب نتمسك بقيمنا المشتركة، حتى في أزمنة عدم اليقين”، وأن متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس يحفظ تاريخا مغربيا لحماية الأقليات، مع حفظ تنوع اليهودية المغربية، بتركيز هذا الفضاء الجديد في اسمه على الثقافة اليهودية بفاس خاصة، علما أن المغاربة اليهود متنوعو الألسنة، والموروثات، مقدما مثالا بيهود منطقة عيشه طفلا، الأطلس الكبير الغربي، الذين لم يكونوا يتحدثون إلا الأمازيغية.

وذكّر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، المؤرخ أحمد التوفيق، بعناية السلاطين العلويين بحماية “أهل الذمة”، شارحا أن هذا المفهوم يعني من هم تحت حماية الإسلام، من كل “عدم عدالة”، وقدّم أمثلة تاريخية بسلاطين مغاربة قالوا إنه “يدخل في الظلمِ ظلمُ أهل الذمة، ويجب حفظهم وحفظ دمائهم ومالهم”.
سيرج بيرديغو، أمين عام مجلس الطوائف اليهودية المغربية، ذكر من جهته أن “هذا المتحف ليس فقط ذاكرة طائفة، بل هو مكان للمعرفة ونقل الحوار، والتعريف بالحضارة المغربية المبنية في التنوع”، مضيفا أن “الثقافة توجد في قلب المشروع المجتمعي لجلالة الملك محمد السادس”.

وتابع بيرديغو متحدثا عما يفوح به هذا المتحف من “قيم الذاكرة المشتركة، ونقل قيم السلام والتنوع”، وما يشي به من “حفظ المكونات التي تغني الثقافة المغربية لكل المغاربة دون استثناء”، وواصل: “في إطار النهضة المتحفية المغربية، التي تعرفها البلاد منذ تأسيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، افتتح متحفان توأمان، هما: متحف البطحاء للفنون الإسلامية، ومتحف الثقافة المغربية اليهودية بفاس”، وكلاهما يعرّف بثقافة تهم جميع المغاربة، وبـ”القيم الأساسية لحضارةٍ مغربية، هي حضارة استثنائية”.
ومع تذكير المتحدث بجهود ترميم المقابر اليهودية للمغاربة، وأماكن التراث والذاكرة، وبالمستجدات القانونية التي تهم تنظيم الشأن المغربي اليهودي، رأى في افتتاح المتحف الجديد توفيرا لـ”مكان متجذر في تاريخ مشترك، للحوار والعيش المشترك”؛ واستمرار التعريف بـ”تاريخ المغرب الذي يشكل غنى لكل المغاربة”، أملا في أن يجعل الشباب “التنوع قوة للوحدة”.

أما مهدي القطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، فقال إن افتتاح المتحف الجديد بـ”العاصمة الروحية للمملكة: فاس”، احتفاء وصيانة لـ”مكون أساسي لمغرب فخور بهويته المركبة، وقرون عريقة من تاريخه، وثقافات مشتركة تغذي مستقبله”، مستحضرا دستور سنة 2011 وتعريفه للثقافات الوطنية المغربية، ودور إمارة المؤمنين في صيانة “التعدد المغربي”.
ثم استرسل القطبي قائلا إن “افتتاح فضاء خاص بصيانة الذاكرة المغربية اليهودية رسالة للسلام والأخوة والعيش المشترك ترسلها مدينة فاس للعالم”، ومجاورته لمتحف فنون الإسلام بالمغرب “حوار بين غنى التراث الوطني”، وحفظ لـ”ذاكرة أمة؛ بوصفها أفضل بوصلة لمستقبلها، تترك للأجيال المقبلة”.

رسائل ملكية
في حي الملّاح بفاس، المعروف تاريخيا بالمغرب بأنه الحي الذي كان يضم حياة المغاربة الذين يدينون باليهودية بمعظم مدن وقرى البلاد، يقع هذا المتحف الجديد الذي كتبت لافتته باللغات العربية والأمازيغية والعبرية والفرنسية، وتنطق لوحات التعريف بتحفه ومضامينه داخل أروقته باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.
ومن أول ما يستقبل زوار المتحف الجديد مقتطفات من رسائل للملك محمد السادس، من بينها رسالة تعود إلى مارس من سنة 2009، يقول ختامها: “نظرا لما ينطوي عليه واجب الذاكرة (…) فإنه يملي علينا بقوة ما ينبغي أن تكون عليه الملامح المعنوية والأخلاقية والسياسية لعالم الغد، وكلها عناصر ستشكل الضمانات الحقيقية لإقرار السلم القائم على العدل والكرامة، باعتبارهما قيمتين يتم تقاسمهما على قدم المساواة، ذلكم السلم الذي يتطلع إليه السواد الأعظم من الفلسطينيين والإسرائيليين”.

ومن بين الرسائل المعروضة رسالة ملكية مناسبتها إعادة افتتاح بيعة “صلاة الفاسيين” التي تعود للقرن السابع عشر، بعد ترميمها، تُليت عند فتح أبوابها في فبراير من سنة 2013، مشيدة بـ”هذه المبادرة الحميدة” وبكل المؤسسات التي “ساهمت في الحفاظ عليها وتجديدها، باعتبارها معلمة تاريخية”، ومردفة بأن هذا يدل على “غنى وتنوع المكونات الروحية والتراث الأصيل للمملكة المغربية؛ هذا التراث الذي انصهرت في بوتقته الخصوصية اليهودية المغربية، التي يمتد تاريخها المتجذر بالمغرب وعبر طقوسه وخصوصياته إلى أكثر من ثلاثمائة عام”.
ومن بين ما تقوله هذه الرسالة إن “التقاليد الحضارية المتأصلة للمغاربة تستمد روحها من تشبعهم العميق بقيم التعايش والتسامح والوئام، بين مختلف مكونات الأمة، في ظل القيادة الحكيمة للعرش العلوي”.

ولا تقتصر النماذج المعروضة من رسائل السلاطين على العهد الراهن، بل تمتد إلى قرون خلت، مقدمة نماذج من أوامر السلاطين التي تصون حقوق مغاربةٍ باختلاف انتماءاتهم العقدية، عبر القرون.
تاريخٌ وحاضر
يستعين “متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس” باقتباسات، ووثائق، عابرة للقرون، من بينها كتابات مؤرخين ورحالة وعلماء اجتماع إنساني مثل ابن خلدون الذي كتب: “وصار من البربر من دان بدين اليهودية التي أخذوها عن جيرانهم يهود الشام”، فضلا عن اقتباسات عن غنى الحياة العلمية اليهودية بالمغرب، وعلاقاتها المتبادلة مع الحياة العلمية المسلمة بالبلاد.

ولا يقتصر المتحف على الروايات المسطورة، بل يقدم نماذج من وثائق قانونية، مصدرها مديرية الوثائق الملكية، توضح الحياة القانونية، والظهائر، والحياة العامة، ومراعاة خصوصيات الفئات المغربية واعتقادتها، مثل مراسلة للسلطان المولى عبد الرحمان تأمر باحترام يوم السبت بالنسبة للمغاربة اليهود، وعدم إسناد مهمات لهم خلاله.
في المتحف ذي الطابقين المطل على المقبرة اليهودية بفاس، وعلى مشهد عام للمدينة بشقيها العتيق والحديث، وقفة عند تصدير الدستور المغربية الذي يتحدث عن الغنى الثقافي للبلاد بقوله: “لقد صيغت وحدتها، بانصهار كل مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، وتغذت وتفتحت بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”، لتقول بعد ذلك كلمة المتحف إنه “ليس مجرد فضاء للعرض، بل هو شهادة حية ومادية على تنوع الهوية المغربية، ودعوة للاحتفاء بكل مكونات تراثها وغنى روافدها الثقافية”.

وعبر شواهد مادية، من الحياة الدينية والدنيوية لمغاربةٍ يهود، يقترح المتحف الجديد سفرا في جوانب من الحياة المغربية اليهودية، في التدبير القانوني، والمقدّس، والاعتقاد الشعبي، والدراسة، والاحتفال، والطقس الجنائزي، والتأليف، وبعض ما يميز الصناعات اليدوية، مع توثيق للمعيش الراهن، وفي العقود السالفة.
ويقترح المتحف على زواره التعرف على أشياء مادية مثل باب ملاح ونقوشه، وشواهد قبور، وشمعدانات و”ميزوزات” وما يزينها، وألبسة وتطريزها، ونصوص دينية وقانونية لمغاربة يهود وترصيعها وتذهيبها الشبيه بترصيع نصوص دينية وقانونية لمغاربة مسلمين، مع تقديم كتابات تاريخية لقضاة وحاخامات مغاربة، وتوثيق لأبرزهم أثرا، علما أن الأبحاث وثقت من البارزين “652 حاخاما وصالحا، من بينهم 25 امرأة”.

في هذا المتحف إطلالة أيضا على الحياة الشعبية لمغاربةٍ يهود، لا تقتصر على التدين الرسمي، بل تقدّم أمثلة تمائم، ووثائق بصرية حول زيارة “صدّيقين”، أي أولياء صالحين يهود، في مدافنهم بالمملكة.
ويعرف المتحف الجديد عبر أشياء ملموسة وأخرى بصرية رقمية بالحياة اليومية الدينية والاحتفالية والجنائزية، مع تفصيل في أصولها ومعانيها وطقوسها، مثل “البارمصواه”، أو حفل بلوغ سن الرشد الديني.

ويقف المعرض عند الحياة التعليمية للمغاربة اليهود، والحياة الموسيقية، والمهن، والمهارات الخاصة بالطوائف التي دانت بهذه الديانة بالمملكة، مثل تصميم الأدوات الدينية، من قبيل كساء التوراة، والأخرى المرتبطة بالأعياد اليهودية، فضلا عن إشارات حول فترات صعبة في المعيش الجماعي، وفترات أكثر رفاها.
ومن عقود ماضية تحفظ عدسة معرضٍ مؤقت ملامح من الحياة اليومية الدينية والتعليمية والاحتفالية، لمغاربةٍ يهود، وهو معرض مؤقت معار من متحف التراث الثقافي اليهودي المغربي بالدار البيضاء، الذي كانت مديرته زهور رحيحيل من بين من أشرفوا على إعداد المتحف الجديد بفاس، إلى جانب عبد العزيز الإدريسي، مدير المتاحف بالمؤسسة الوطنية للمتاحف، والمهندسة المتخصصة في السينوغرافيا المتحفية إيزابيل تيمسيت التي أشرفت على تصميم مسار عرضه الداخلي.
The post متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس القديمة يجاور "الفنون الإسلامية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس