من الرياض إلى باب المندب… المواجهة تتّسع والمنطقة على مفترق طرق
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} د. مهى محمّد مراد لم تعد المواجهة السعودية ـ الحوثية مجرّد صراع عسكري على الأراضي اليمنية، بل أخذت تتجاوز حدودها لتلامس أمن المنطقة واستقرارها، وتعيد رسم طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية. فاستهداف المنشآت الحيوية السعودية، من مطار الملك خالد في الرياض إلى مطار الملك فهد في الدمام، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية والاقتصادية. ولا تكمن خطورة هذه الهجمات في أضرارها المباشرة فحسب، بل في الرسائل التي تحملها، فالمساس بالمطارات والمنشآت المدنية يضع الأمن السعودي أمام اختبار حقيقي، ويطرح تساؤلات حول حدود المواجهة والأهداف التي يسعى الحوثيون إلى تحقيقها… وإذا اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت النفط والممرات البحرية، فإن ّالتداعيات لن تبقى محصورة في حدود الصراع اليمني، بل ستمتد إلى حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة وكلفة النقل والتأمين. ويكتسب باب المندب أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى موقعه الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكّل أحد الممرات الأساسية للتجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وبالتالي، إنّ أيّ اضطراب في الملاحة، بالتزامن مع التوتر في مضيق هرمز، قد يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات إضافية، ويحوّل الجغرافيا البحرية إلى ورقة ضغط في صراع تتجاوز حساباته أطرافه المباشرين. في المقابل، لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن الحراك السياسي الذي تشهده المنطقة، فقد جاء التنسيق السعودي ـ التركي ـ الباكستاني ـ المصري، الذي تجلّى في بيان مشترك أدان الهجمات الحوثية، ليعكس تقاطعاً في المصالح حول ضرورة حماية أمن المملكة ومنع اتساع المواجهة. غير أنّ السؤال يبقى حول ما إذا كان هذا التنسيق سيترجم إلى منظومة ردع فعلية، أم سيظل في إطار التشاور وتوحيد المواقف السياسية، فقيام تحالفات متينة لا يُقاس بالبيانات وحدها، بل بوضوح الالتزامات والاستعداد لتحمّل تبعات أي مواجهة. وفي موازاة ذلك، يبرز التقارب السعودي ـ القطري، الذي تعكسه خطوات تعاون في قطاع الطاقة، بوصفه مؤشراً إلى أهمية المصالح المشتركة في هذه المرحلة. وقد يفتح هذا التقارب المجال أمام تنسيق أوسع في ملفات المنطقة، لكن من المبكر اعتبار التعاون الاقتصادي دليلاً على قيام اصطفاف سياسي أو عسكري متكامل. أما الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره السعودي، عارضاً مساعدة طهران في تسهيل المفاوضات مع الحوثيين، فيطرح مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها، فكيف يمكن لإيران أن تعرض الوساطة في وقت تتواصل فيه الهجمات التي ينفذها الحوثيون؟ فيرى بعض المراقبين في هذه المبادرة محاولة لاستعادة الدور الإيراني في أي تسوية مقبلة، فيما يذهب آخرون إلى اعتبارها خطوة استفزازية قد تُفهم على أنها محاولة للضغط على الرياض. ومع ذلك، فإنّ الحكم على المبادرة لا ينبغي أن يستند إلى توقيتها وحده، بل إلى نتائجها المحتملة. فإذا استطاعت طهران توظيف علاقاتها لدفع الحوثيين نحو وقف الهجمات والانخراط في مفاوضات جدية، فقد تفتح نافذة لخفض التصعيد، أما إذا بقيت الوساطة مجرّد إعلان سياسي، فيما تستمر التهديدات، فإن الشكوك حول أهدافها ستبقى قائمة. وتتجاوز المسألة، في جوهرها، طبيعة التحالفات الجديدة لتصل إلى سؤال الاصطفافات الإقليمية، فهل تتجه المنطقة نحو ترتيبات أمنية تتخطى الانقسامات التقليدية، أم تعود إلى استقطاب مذهبي يضع الدول في مواجهات مفتوحة؟ وبالتالي، فإن اختزال الصراع في البعد السنّي ـ الشيعي لا يفسّر وحده سلوك الدول، التي تتحرك أيضاً وفق مصالحها وأمنها القومي وحساباتها الاستراتيجية. وتقف المنطقة اليوم أمام خِيارين: إما استمرار التصعيد بما يحمله من مخاطر على أمن الدول والممرات البحرية والاقتصاد العالمي، وإما فتح مسار سياسي يعالج جذور النزاع ويضع حداً لاستهداف المنشآت المدنية، فمن الرياض إلى باب المندب، لا تكمن المسألة في القدرة على الردّ وحدها، بل في منع تحوّل المواجهة إلى حرب إقليمية يصعب احتواء نتائجها، ويصبح الخروج منها أكثر كلفة من تجنّبها. المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
المصدر: النهار