ترامب بين أوكرانيا وإيران.. صفقة الديزل مقابل الأرض
رابط مختصر بقلم: الدكتورة جمالات عبد الرحيم باحثة في الشؤون الاستراتيجية في 10 أكتوبر 2026، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن ما كان يهمس به منذ شهور: «حان الوقت لأن تحصل أوكرانيا على رئيس جديد؛ فزيلينسكي رئيس فاشل خسر 30% من بلاده، وقُتل مليونا شخص». التصريح ليس زلة لسان، بل هو إعلان عن صفقة كبرى تُحضَّر في الكواليس، صفقة تربط بين حربين، أوكرانيا وإيران، وبين زعيمين، بوتين وترامب. أولاً: لماذا زيلينسكي فاشل الآن؟ السبب ليس عسكرياً، بل اقتصادي. فأمريكا تعيش أزمة ديزل خانقة، إذ بلغ سعر الجالون 6.28 دولار بسبب الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز. والمزارع الأمريكي، الذي يشكل قاعدة ترامب الانتخابية، على وشك الإفلاس قبل انتخابات الكونجرس في نوفمبر. الحل الذي وجده ترامب هو استيراد مليون طن من الديزل الروسي مقابل رفع العقوبات عن قطاع النفط الروسي. لكن زيلينسكي يفسد الصفقة كل يوم بقصف مصافي النفط الروسية بالطائرات المسيّرة. حذّر ترامب زيلينسكي قائلاً: «لا تضرب المصافي، فهذه مشكلة عالمية»، لكنه لم يستجب. فكان الرد: يجب تغييره. فهل تخلّت أمريكا ودول الناتو عن دعم أوكرانيا ولو لثانية واحدة؟ لا. فكيف يحمّلون زيلينسكي مسؤولية هزيمتهم، رغم أنهم هم المنهزمون، وليس بينهم زعماء منتصرون؟ لأنهم أرادوا ضم أوكرانيا إلى الولايات المتحدة والناتو، بينما يرفض بوتين ذلك. ثانياً: هل فشل الناتو؟ وهل سيعيد بوتين الأرض؟ ساعد الناتو أوكرانيا على الصمود، لكنه لم يمنحها ما يمكّنها من تحقيق النصر؛ فلم يفرض حظراً جوياً، ولم يرسل جنوداً، خوفاً من اندلاع حرب نووية. وكانت النتيجة أن خسرت أوكرانيا 30% من أراضيها. وبوتين لن يعيد هذه الأراضي أبداً. فقد أدرجها في الدستور الروسي باعتبارها أراضي روسية، وأصبحت عودتها تعني سقوطه. وأي اتفاق سلام يطرحه ترامب يعني أن تتنازل أوكرانيا، لا أن تتراجع روسيا. ولم يعد التهديد موجهاً إلى أوكرانيا وحدها؛ فقد أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: «إن مصانع السلاح في بريطانيا وأوروبا التي تسلّح أوكرانيا أهداف عسكرية مشروعة». وعندما سُئل بوتين عمّا إذا كانت روسيا ستضرب بريطانيا، أجاب: «هذا سر عسكري». كما نشرت موسكو خريطة تضم 34 قاعدة بريطانية على قائمة الاستهداف. ثالثاً: خطة العصفورين بحجر واحد ما يريده ترامب هو تكرار سيناريو عامي 1972 و1973. فكما نجح نيكسون في التقارب مع الصين وإبعادها عن الاتحاد السوفيتي، وكما اتجهت مصر في عهد السادات إلى التقارب مع الولايات المتحدة بعد حرب أكتوبر، ضمن مسار انتهى باستعادة سيناء مقابل السلام، يريد ترامب اليوم استمالة بوتين وإبعاده عن إيران. تدعم إيران بوتين بالطائرات المسيّرة لضرب أوكرانيا، ولذلك أراد ترامب فرض حظر جوي على إيران وتهديد أي دولة تتعامل معها. وبذلك، ستخسر روسيا حليفاً مهماً مثل إيران، ما يؤدي إلى إضعافها. ووراء هذا الحظر دول كثيرة كانت تستفيد من إيران، وقد جمعها ترامب لتكون حليفة له، مثل دول الناتو ودول الخليج وإسرائيل واليابان وكوريا والصين ودول أفريقية أخرى. ومن يفهم فخ السياسة الصهيونية الماكرة، فقد يستطيع تفسير كثير مما يجري حول العالم، قديماً وحديثاً. فهل تتمثل خطة ترامب في ترك الأراضي الأوكرانية التي استولى عليها بوتين مقابل السلام معه، أم أنه سيحاول استعادة تلك الأراضي من روسيا؟ لقد وصف بوتين بأنه زعيم روسي منتصر، وربما يمنحه ترامب الأموال، ويحصل في المقابل على الديزل، ويعيده إلى نادي الكبار، مقابل أن يترك إيران وحدها، ويتوقف عن تزويدها بالمعلومات الاستخباراتية عن الأسطول الأمريكي، ويسلّمه اليورانيوم المخصب الإيراني للاحتفاظ به في روسيا. كما يريد ترامب أن يشارك بوتين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تماماً كما حدث مع دول أخرى خلال محاصرة الزعيم الليبي معمر القذافي، التي انتهت بسقوط ليبيا، وكما حدث مع نظام الأسد، الذي سقطت سوريا في عهده في قبضة الصهاينة وأمريكا، وكما سقط العراق في عهد صدام حسين. فترامب رجل مخادع وله مخالب كثيرة. وبذلك، يقول ترامب إنه أنهى حربين قبل الانتخابات، ويعلن نفسه «صانع السلام»، طامحاً إلى الفوز بجائزة نوبل، مثل الطفل الذي يفرح بلعبة من ألعاب الأطفال. رابعاً: لماذا لن تنجح خطة خداع بوتين؟ لأن بوتين ليس السادات في عام 1973. فالسادات كان بحاجة إلى أمريكا لاستعادة أرضه، أما بوتين فهو الذي استولى على الأرض، ويمتلك، وفق التقديرات المتداولة، نحو 6000 رأس نووي، ويبيع نفطه للصين والهند، ويحظى بدعم دول مجموعة بريكس، كما يحصل على طائرات «شاهد» المسيّرة من إيران لاستخدامها ضد أوكرانيا. وهو ليس بحاجة إلى أمريكا كي يعيش. فأمريكا هي التي أرادت استمالة بوتين، كما فعلت مع رؤساء كثيرين؛ لأن ترامب رجل عجوز يحب الصفقات واللعب مع الكبار، هو وعائلته وصهره. ثم إن فكرة أن سقوط إيران سيؤدي إلى سقوط روسيا ومحاصرتها واحتلالها من جانب أمريكا تثير التساؤل: هل نسيت أمريكا هزيمتها في فيتنام، وفرار قواتها من فوق سطح السفارة، وما حدث لها في لبنان والصومال وأفغانستان، بعد 20 عاماً من الحرب وإنفاق تريليوني دولار؟ إن روسيا، التي تبلغ مساحتها نحو 17 مليون كيلومتر مربع، وتصل درجات الحرارة في بعض مناطقها إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر، لا يمكن احتلالها بسهولة. كما تنص عقيدتها النووية على أن أي تهديد لوجود الدولة قد يقابل بضربة نووية. فكيف لا يخجل قادة أمريكا والناتو من التلويح بالحرب على روسيا، بينما يتفرغون لإعلان حرب دامية على إيران بذريعة ضمان أمن إسرائيل؟ خامساً: الدرس المصري ما حدث مع مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد يفسر، من وجهة نظر الكاتب، ما يحدث اليوم. فقد أعادت أمريكا سيناء إلى مصر، لكنها أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي لفترة، وجعلتها، بحسب هذا الطرح، دولة تعتمد على المعونة الأمريكية. ولذلك، عندما أراد ترامب استفزاز المرشح عبد الرحمن السيد، قال له، وفق ما يورده الكاتب: «أنتم أتيتم من بلاد فاشلة، وها أنتم تعلّموننا السياسة». أليس هذا ما نطق به لسان ترامب لمرشح من أب مصري هاجر إلى أمريكا؟ واليوم، يلعب ترامب اللعبة نفسها؛ فهو يبيع السلاح لدول الخليج بحجة حمايتها من إيران، كما اعترف بأن أمريكا هي التي دعمت سد النهضة. فهل غيّرت أمريكا اسمها إلى اسم دولة أخرى لا يعرفها أحد؟ أم أن ترامب أراد أن يؤلف لها اسماً جديداً، كما أراد إقامة شرق أوسط جديد ملطخ بدماء الفلسطينيين، واحتلال غزة، وادعاء السلام، وتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الجولان، وإقامة نظام جديد للتقسيم؟ وكيف تتوسع إسرائيل في أفريقيا؟ ليس حباً في أحد، بل لإبقاء الجميع ضعفاء ومحتاجين إلى الوسيط الأمريكي. لو كان ترامب واثقاً من النصر، كما يدّعي بعد مقتل المرشد الإيراني، لترك إسرائيل وحدها في مواجهة إيران، وسحب قواعده من الخليج. لكنه لا يفعل ذلك؛ لأنه يعلم أن الهيمنة الأمريكية لا تقوم على الانتصار وحده، بل على إدارة الحروب وبيع الحماية. فترامب يريد أن يخدع بوتين، لكن بوتين هو من يحصل على ثمن الخداع مقدماً: الأرض، والديزل، وبقاء إيران ورقة في يده.
المصدر: الرؤية