الدفع الإلكتروني في سورية.. 7 شروط لنجاح التحول الرقمي
يرتبط نجاح التحول إلى الدفع الإلكتروني في سورية بأكثر من إصدار التشريعات وإتاحة البطاقات والمحافظ الرقمية، إذ يحتاج إلى منظومة متكاملة تضمن سهولة الاستخدام، وانتشار نقاط القبول، وحماية أموال المتعاملين، وتوفير خدمات تتناسب مع واقع البنية التحتية والقدرة الشرائية للمواطن. الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم يحدد في حديثه للوطن مجموعة من الشروط التي يرى أنها أساسية لنجاح هذا التحول، مؤكداً أن قياس النتائج يتطلب مؤشرات واضحة ومعلنة، بدلاً من الاكتفاء بإصدار القرارات والتشريعات. الربط بين مقدمي خدمات الدفع يأتي التشغيل البيني في مقدمة الشروط، ويعني أن تعمل كل بطاقة أو محفظة إلكترونية لدى مختلف التجار والمصارف، من خلال شبكة وطنية موحدة للمدفوعات. ويشير عبد الكريم إلى أن النظام حدد أنظمة الدفع الوطنية باعتبارها بنية تحتية مملوكة للمركزي أو لجهة وطنية تعمل تحت إشرافه، مع مسؤولية المصرف المركزي عن أنظمة الدفع والتسوية والمقاصة الوطنية. ومن دون وجود شبكة تربط مقدمي الخدمات بعضهم ببعض، قد تتحول المنظومة إلى جزر منفصلة، ويجد المستخدم نفسه مضطراً إلى العودة للنقد عندما لا تعمل وسيلة الدفع التي يحملها لدى التاجر. ويطرح عبد الكريم هدفاً يتمثل في تجاوز نسبة 60% للمعاملات التي تتم بين المؤسسات المختلفة خلال ثلاث سنوات. توسيع نقاط الدفع الإلكتروني أما الشرط الثاني، فيتمثل في زيادة كثافة نقاط قبول الدفع لدى التجار. ووفق الأرقام التي يعرضها عبد الكريم، تبلغ المرحلة الأولى ألف جهاز لنقاط البيع، مع توقع إضافة ألفي جهاز، بالتوازي مع ربط أربعة مصارف خاصة وتوسيع العدد إلى نحو 12 مصرفاً، ثم إشراك المصارف العامة. وباحتساب 15 مليون بالغ، فإن ألف نقطة قبول تعادل نحو 6.7 نقاط لكل 100 ألف بالغ، مقابل 2000 إلى 4000 نقطة لكل 100 ألف بالغ في المنطقة وحتى الوصول إلى ثلاثة آلاف جهاز لا يرفع النسبة إلا إلى 20 نقطة لكل 100 ألف بالغ، ما يعكس حجم الفجوة. ويرى عبد الكريم أن البطاقة التي لا يستطيع حاملها استخدامها لدى البقال والصيدلي وفي وسائل النقل تصبح أداة لسحب النقد أكثر منها وسيلة للدفع. ولذلك يطرح هدف الوصول إلى 100 ألف نقطة قبول خلال ثلاث سنوات، مع الاستفادة من رموز الاستجابة السريعة «QR» التي لا تتطلب سوى كلفة طباعة، مقارنة بأجهزة نقاط البيع التي تتراوح كلفتها بين 150 و300 دولار للجهاز الواحد. رقمنة الرواتب ولا يكفي، بحسب عبد الكريم، تحويل الرواتب إلى حسابات مصرفية إذا كان الموظف يسحب راتبه كاملاً في اليوم نفسه فحد السحب اليومي يبلغ 20 ألف ليرة جديدة عبر الصراف الآلي و10 آلاف ليرة عبر نقاط البيع، وفي المقابل، يبلغ الحد الأدنى للأجور 12,560 ليرة شهرياً، أي نحو 103 دولارات، فيما يتراوح متوسط راتب العامل في القطاع العام بين 80 و100 دولار حتى بعد زيادة بنسبة 50%، مع زيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 30%. ويشير ذلك إلى أن الموظف قد يستخدم حد السحب اليومي للحصول على راتبه الشهري، ثم يعود إلى الإنفاق النقدي. لذلك فإن المؤشر الحقيقي للنجاح ليس عدد الحسابات التي تُحوّل إليها الرواتب، بل نسبة الراتب التي ينفقها صاحبه إلكترونياً، وهي قريبة من الصفر حالياً وفق طرح عبد الكريم، الذي يقترح استهداف نسبة 30% خلال ثلاث سنوات. حلول ويشدد عبد الكريم على ضرورة تصميم حلول الدفع بما يتناسب مع واقع الاتصالات والكهرباء في سورية، فنسبة انتشار اشتراكات الهاتف المحمول تبلغ 77.7 بالمئة، مقابل 35.8 بالمئة لمستخدمي الإنترنت. ورغم ارتفاع متوسط ساعات التغذية الكهربائية من نحو ثماني ساعات إلى قرابة 20 ساعة يومياً، فإن فاتورة الكهرباء لا تزال تشكل عبئاً على المواطنين. ومن هنا، ينبغي أن تعمل حلول الدفع عبر الرسائل النصية القصيرة، ورموز الاستجابة السريعة، وأن تتيح الدفع من دون اتصال بالإنترنت مع مزامنة العملية لاحقاً. أما التطبيقات التي تتطلب اتصالاً دائماً بالإنترنت وتغذية كهربائية مستقرة، فقد تفشل في بيئة لا تتوافر فيها هذه الشروط باستمرار. ويحذر عبد الكريم من أن تعطل أول عملية دفع قد يهدم الثقة بالمنظومة، وهي ثقة لا يمكن تعويضها ولو بلغت كلفة المشروع أضعافاً. رسوم لا تنفّر المواطن والتاجر ويمثل تسعير خدمات الدفع شرطاً أساسياً آخر حيث يرى عبد الكريم أن النموذج الأنسب لاقتصاد يعيش فيه 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر هو عدم تحميل المستهلك أي رسوم، مع وضع سقف لعمولة التاجر لا يتجاوز 1 بالمئة خلال مرحلة التأسيس. ويوضح أن هامش ربح البقال في السلع الأساسية يتراوح بين 3 بالمئة و7 بالمئة، وبالتالي فإن عمولة تتجاوز 1.5 بالمئة قد تستهلك ربع ربحه، ما قد يدفعه إلى رفض الدفع الإلكتروني أو تحميل كلفته للمستهلك. بيئة تنظيمية واضحة لحلول مبتكرة ويؤكد عبد الكريم أهمية إنشاء بيئة اختبار تنظيمية لدى المركزي، تتيح تجربة المنتجات والخدمات المالية المبتكرة قبل التوسع في تطبيقها. ويرى أن النجاح ينبغي أن يُقاس بقدرة الشركات على دخول هذه البيئة والخروج منها بترخيص خلال 12 شهراً، إلى جانب إصدار التعليمات التنفيذية ومتطلبات رأس المال وفق جدول زمني معلن، لأن الغموض التنظيمي قد يكون أكثر كلفة من التشدد نفسه. حماية المستخدم وضمان أمواله أما الشرط السابع، فيتمثل في حماية المستخدم، من خلال وجود غاية مستقلة لحمايته، وفرض حساب ضمان إلزامي تُفصل فيه أموال العملاء عن أموال الشركة وموجوداتها ويضاف إلى ذلك تحديد مهلة للرد على الشكاوى لا تتجاوز 15 يوماً، ووضع قاعدة واضحة تجعل مقدم الخدمة مسؤولاً عن العملية غير المصرح بها، ما لم تثبت إهمالات العميل. ويشير عبد الكريم إلى أن السؤال الذي يشغل المستخدم قبل فتح المحفظة ليس كيفية الدفع، بل من سيعوّضه إذا فقد أمواله. ثلاثة مؤشرات لقياس النجاح ويرى عبد الكريم أن نجاح التحول الرقمي يتطلب نشر مؤشرات ربع سنوية واضحة، في مقدمتها عدد المعاملات الإلكترونية للفرد سنوياً، مع استهداف ارتفاعها من أقل من معاملة واحدة حالياً إلى خمس معاملات خلال ثلاث سنوات. ويتمثل المؤشر الثاني في قيمة المدفوعات غير النقدية كنسبة من إجمالي إنفاق المستهلكين، مع استهداف تجاوز 20 بالمئة خلال خمس سنوات. أما المؤشر الثالث فهو نسبة النقد المتداول خارج المصارف إلى إجمالي المعروض النقدي، مع استهداف خفضها من نحو 100 بالمئة حالياً إلى أقل من 60 بالمئة. ويخلص عبد الكريم إلى أن القرار يبقى نصاً تنظيمياً ما لم تقترن به أرقام منشورة يمكن متابعة تطورها ومساءلة الجهات المعنية عن تحقيقها، بينما يتحول إلى مشروع اقتصادي قابل للتقييم عندما تصبح أهدافه ومؤشراته واضحة ومعلنة.
المصدر: الوطن