شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل نحتاج إلى جامعات جديدة .. أم إلى جامعة بعقل جديد

هل نحتاج إلى جامعات جديدة .. أم إلى جامعة بعقل جديد

د. هيفاء ابوغزالة ماذا لو اكتشفنا أن الجامعات التي نواصل التوسع في إنشائها، وإضافة التخصصات إليها، تُعدّ أبناءنا لعالم لم يعد موجوداً؟ وأن الطالب الذي يدخل الجامعة اليوم قد يتخرج بعد أربع سنوات ليجد أن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة المهنة التي أمضى سنوات يستعد لها؟لم يعد السؤال المطروح هو كم جامعة لدينا، أو كم طالباً يتخرج سنوياً، بل ماذا يتعلم هؤلاء الطلبة، وما قدرتهم على المنافسة في عالم تتغير فيه المعرفة والمهارات والوظائف بسرعة غير مسبوقة؟ وهل جامعاتنا مستعدة لهذا التحول، أم أنها ما زالت تُدرّس المستقبل بأدوات الماضي؟لقد أسهم انتشار الجامعات في الأردن والعالم العربي في توسيع فرص التعليم العالي وإعداد أجيال من الكفاءات، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته. لكن التوسع العددي لم يعد وحده مؤشراً كافياً على التقدم، خصوصاً في مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء مهام كانت حتى وقت قريب تتطلب سنوات من الدراسة والتخصص.فالذكاء الاصطناعي لا يغير فقط الطريقة التي يحصل بها الطالب على المعلومات، بل يعيد تشكيل طبيعة العمل في مجالات الطب والهندسة والقانون والإعلام والإدارة والاقتصاد، ويفرض على الجامعات إعادة النظر في مضمون التعليم وأساليب التدريس ومعايير تقييم الطلبة.وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: إذا كان الطالب يستطيع الحصول خلال ثوانٍ على معلومات وتحليلات وإجابات كانت تتطلب ساعات من البحث، فما القيمة الإضافية التي ينبغي أن تقدمها الجامعة؟ وهل يكفي أن نواصل امتحانه في قدرته على حفظ المعلومات، بينما أصبحت التكنولوجيا قادرة على استرجاعها وتحليلها بسرعة هائلة؟إن الجامعة التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تتنافس في إدخال أكبر عدد من التطبيقات الذكية إلى قاعاتها، بل التي تعيد تعريف دور الأستاذ والطالب والعملية التعليمية بأكملها. فالأستاذ لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، وإنما أصبح دوره أكثر أهمية في توجيه التفكير النقدي، وتعليم الطالب كيفية التحقق من المعلومات، وطرح الأسئلة الصحيحة، والتمييز بين ما تنتجه الآلة وما يتطلب حكماً إنسانياً وأخلاقياً.أما الطالب، فلا ينبغي أن يخرج من الجامعة حاملاً شهادة تثبت ما حفظه، بل مؤهلاً لاستخدام المعرفة وإنتاجها وتطويرها، وقادراً على التعلم المستمر والتكيف مع مهن قد تتغير أكثر من مرة خلال حياته العملية.لكن التحول المطلوب لا يقتصر على المناهج. فهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تصبح جامعاتنا مراكز وطنية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعالج مشكلاتنا الفعلية؟في الأردن، على سبيل المثال، يمكن للجامعات أن تقود أبحاثاً وتطبيقات في إدارة الموارد المائية، والزراعة الذكية، والطاقة، والرعاية الصحية، والتعليم، وتحسين الخدمات العامة. ويمكن للجامعات العربية أن تتعاون في تطوير أدوات للذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وحماية تراثنا المعرفي، وبناء قواعد بيانات بحثية تخدم احتياجات المنطقة.وهنا نصل إلى قضية البحث العلمي. فكم من رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه أُنجزت بجهود كبيرة، ثم بقيت نتائجها بعيدة عن المؤسسات التي يمكن أن تستفيد منها؟ ولماذا لا تُربط نسبة من المشروعات البحثية الجامعية بالتحديات الوطنية، بالشراكة مع القطاعين العام والخاص، مع الحفاظ على أهمية البحوث الأساسية والإنسانية؟لقد أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين في تحليل كميات هائلة من البيانات، وتسريع بعض مراحل البحث، واكتشاف أنماط يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية. لكنه لا يغني عن المنهج العلمي، ولا عن مسؤولية الباحث في التحقق من النتائج ودقتها وأخلاقيات استخدامها.والأهم أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الجامعات يفرض إعادة التفكير في التخصصات نفسها. فلم يعد منطقياً التعامل مع المعرفة باعتبارها جزراً منفصلة؛ فالطبيب يحتاج إلى فهم التطبيقات الرقمية، والمهندس إلى إدراك الأبعاد البيئية والاقتصادية، والإعلامي إلى مهارات التحقق من المحتوى الاصطناعي، ورجل القانون إلى فهم قضايا الخصوصية والمسؤولية الرقمية.ولذلك فإن المطلوب ليس افتتاح تخصصات جديدة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما دمج مهاراته وتطبيقاته وأبعاده الأخلاقية في مختلف البرامج الأكاديمية، وإعادة تأهيل أعضاء الهيئات التدريسية، وتطوير أساليب الامتحانات بما يقيس قدرة الطالب على التفكير والتحليل والإبداع، لا مجرد إنتاج إجابات يمكن الحصول عليها بضغطة زر.وفي المقابل، يجب ألا يتحول الاندفاع نحو التكنولوجيا إلى تهميش العلوم الإنسانية والاجتماعية. فكلما ازدادت قدرات الآلات، ازدادت حاجتنا إلى الفلسفة والأخلاق وعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون، لفهم آثار هذه التحولات في الإنسان والمجتمع، وضمان أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس.إننا بحاجة إلى جامعات تقاس مكانتها ليس فقط بتصنيفاتها الدولية، وأعداد طلبتها، وأبحاثها المنشورة، وإنما أيضاً بقدرتها على إعداد خريجين يمتلكون مهارات المستقبل، وتحويل البحث العلمي إلى ابتكارات نافعة، والمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.وهذا يتطلب رؤية وطنية للتعليم العالي، تقوم على مراجعة البرامج والتخصصات بصورة مستمرة، وتعزيز استقلالية الجامعات ومساءلتها عن النتائج، وتوسيع الشراكات مع القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص التعلم المستمر لمن يحتاجون إلى تحديث مهاراتهم بعد التخرج.ولعل التحدي الأكبر أن سرعة التحول التكنولوجي لم تعد تسمح لنا بانتظار سنوات طويلة لإصلاح التعليم. فالجامعات التي لا تواكب التغيير اليوم قد تجد نفسها غداً تمنح شهادات في مهارات تراجعت الحاجة إليها، بينما يبحث الاقتصاد عن كفاءات لم تعمل على إعدادها.إن السؤال لم يعد ما إذا كنا بحاجة إلى مزيد من الجامعات، بل ما إذا كانت جامعاتنا قادرة على إعادة ابتكار نفسها قبل أن يعيد الذكاء الاصطناعي رسم العالم من حولها.فالمستقبل لن يكون بالضرورة لمن يمتلك أكبر عدد من الجامعات، وإنما لمن يمتلك جامعات قادرة على إنتاج المعرفة، وتوظيف التكنولوجيا، وبناء الإنسان الذي يستطيع التفكير والإبداع واتخاذ القرار.وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد أصبح قادراً على تقديم الإجابات، فإن قيمة الجامعة في المستقبل ستتحدد بقدرتها على تعليم أبنائنا كيف يطرحون الأسئلة التي تستحق أن تُطرح، وكيف يحوّلون إجاباتها إلى إنجازات تخدم أوطانهم

المصدر: عمون