شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كيف تُهدر ميزانيات المؤتمرات بينما يئنّ المواطن تحت أزمة الغلاء؟

كيف تُهدر ميزانيات المؤتمرات بينما يئنّ المواطن تحت أزمة الغلاء؟

في ظل الجدل المتصاعد بشأن أولويات الإنفاق العام في ليبيا، وما يُثار حول عجز النقد الأجنبي والضغوط المالية، يطرح الإنفاق على استضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية والوفود في طرابلس تساؤلات بشأن جدواه الاقتصادية، ومصادر تمويله، ومدى تأثيره في قدرة الدولة على تلبية احتياجات القطاعات الأخرى، خصوصًا في ظل المطالب بتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وفي المقابل، يبرز النقاش حول ما إذا كانت هذه الفعاليات تمثل أعباءً إضافية على المال العام، أم أنها تتيح فرصًا لتعزيز العلاقات الدولية وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتجارية، لا سيما مع الدول الأفريقية. كما يثير هذا الملف تساؤلات بشأن دقة الأرقام المتداولة حول العجز، وآليات احتساب مصادر النقد الأجنبي واستخداماته، والضوابط التي ينبغي أن تحكم الإنفاق العام.

وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، لشبكة «عين ليبيا»، إن المشاركة في المؤتمرات والفعاليات لا تمثل استنزافًا للموارد، بل تنمية بشرية واستثمارًا في الإنسان وفتحًا لآفاق جديدة لبناء العلاقات مع مختلف الدول، مشددًا على ضرورة أن يتم تمويل هذه الأنشطة وفق معايير واضحة ومحددة ومدروسة، وبما يحقق أهدافًا وفوائد للدولة.

كما شكك درميش في دقة الأرقام المتداولة بشأن العجز المالي والنقد الأجنبي، معتبرًا أن تحديد الوضع المالي الحقيقي يتطلب الاستناد إلى أدوات الإدارة المالية والميزانيات المقفلة والمراجعة خارجيًا، ومؤكدًا أن ليبيا تمتلك، وفق تقديره، الموارد والإمكانات التي تتيح لها الإنفاق على مختلف المجالات متى أُديرت بكفاءة.

قنوات الإنفاق ومصادر تمويل المؤتمرات

وأوضح درميش أن السلطة التنفيذية لديها قنوات متعددة للإنفاق، تشمل الموازنة السنوية والترتيبات المالية، وما أشار إليه بعبارة «واحد اطناش»، إلى جانب المؤسسات المالية والاستثمارية المملوكة للدولة التي تمتلك إيراداتها الخاصة، فضلًا عن المؤسسات الدولية المانحة.

وأضاف أن الدولة قد تستعين بهذه القنوات في إقامة بعض المعارض والمؤتمرات والأنشطة المختلفة، مشيرًا إلى أن تمويل هذه الفعاليات يمكن أن يرتبط بأكثر من مصدر، وليس بالضرورة أن يُنظر إليه من خلال بند واحد فقط.

وفيما يتعلق بعجز الميزانية، قال درميش إن إثباته لا يتم، بحسب رأيه، إلا من خلال أدوات الإدارة المالية، وفي إطار ميزانية مقفلة تخضع للمراجعة من مكتب مراجعة خارجي مشهود له بالمصداقية، بما يعبر عن المركز المالي الحقيقي للدولة.

وانتقد الأرقام التي تُنشر من مصادر مختلفة دون الاستناد، وفق قوله، إلى أدوات الإدارة المالية التي توضح الوضع الفعلي، معتبرًا أن ما يُتداول من أرقام هنا وهناك لا يمت إلى الواقع بصلة إذا لم يعكس المركز المالي الحقيقي للدولة.

وشدد على أن الموقف المالي لا يمكن تحديده بدقة إلا بالرجوع إلى أدوات الإدارة المالية والبيانات التي تتيح تقييم الإيرادات والمصروفات بصورة متكاملة.

درميش: بيانات النقد الأجنبي لا تشمل جميع المصادر

وفي ما يتعلق بالعجز في العملة الأجنبية، قال درميش إن ما نشره مصرف ليبيا المركزي لا يعبر عن إجمالي مصادر النقد الأجنبي، وإنما يحتسب جزءًا منها، يتمثل في الإيرادات النفطية التي تدخل عبر ما ورد في إجابته باسم «البنك العربي الخارجي الليبي».

وأوضح أن ليبيا لديها إيرادات أخرى بالعملة الصعبة، تشمل إيرادات الموانئ والنقل البحري والوكالات الملاحية والاستثمارات والمساهمات ورأس المال العامل، إلى جانب ما يقوم به القطاع الخاص من تصدير لبعض السلع بالعملة الأجنبية.

وأضاف أن القطاع العام يسهم كذلك في تصدير السلع التي تحقق إيرادات بالعملة الصعبة، مستشهدًا بالحديد والصلب، فضلًا عن مصادر أخرى أشار إليها ضمن حديثه عن تعدد الإيرادات الأجنبية.

وانتقد درميش ما وصفه بعدم التنسيق مع أدوات السياسات الاقتصادية والتجارية والمالية قبل نشر بيانات وأرقام مصادر النقد الأجنبي واستخداماته، معتبرًا أن نشر هذه البيانات دون التنسيق المطلوب قد يؤدي إلى تقديم صورة غير مكتملة عن الوضع المالي.

ولخص موقفه بالقول إن المصرف المركزي يحتسب جميع الاستخدامات، لكنه لا يحتسب جميع المصادر، وفق قراءته للبيانات المنشورة.

المشاركة في الفعاليات تنمية بشرية واستثمار في الإنسان

وأكد درميش أن المشاركة في المؤتمرات والفعاليات لا تعبر عن استنزاف للموارد، بل تمثل تنمية بشرية واستثمارًا في البشر، إلى جانب فتح آفاق جديدة تساعد على بناء علاقات مع جميع الدول.

وأوضح أن تمويل هذه الأنشطة ينبغي أن يتم وفق معايير واضحة ومحددة ومدروسة، وأن يكون مرتبطًا بتحقيق أهداف وفوائد للدولة، بما يجعل الإنفاق وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة بدلًا من أن يكون مجرد إنفاق على إقامة الفعاليات.

وأضاف أن ضخ الأموال قد يكون مطلوبًا لكسب ولاءات بعض الدول وتحقيق مكاسب لصالح ليبيا، معتبرًا أن ذلك لا بأس به، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الاهتمام بالاستثمار في البنية التحتية، وألا يكون الاهتمام أحادي الجانب.

وقال إن على متخذي القرار الاهتمام بجميع المجالات، وألا يقتصر الإنفاق على جانب دون آخر، مشيرًا إلى أهمية الاستثمار في البشر بكل الوسائل، إلى جانب الإنفاق على البنية التحتية وتعزيز العلاقات الخارجية.

كما أكد أنه لا بأس بالإنفاق الخارجي من أجل تحقيق مكاسب وتعزيز مكانة ليبيا الإقليمية والدولية، لافتًا إلى أن البلاد تمتلك موارد وأموالًا وإمكانات تستطيع من خلالها الإنفاق في المجالات كافة، وأن ما تحتاج إليه هو حسن الإدارة.

انتقاد سياسات الانكماش والضرائب وخفض قيمة الدينار

وانتقد درميش ما وصفهم بمحدودي الإدراك، معتبرًا أنهم يضللون الحقائق ويدفعون ليبيا إلى اتباع سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار، بحجة الاستدامة ومراعاة الأجيال القادمة، والقول إن الوعاء المالي لا يحتمل المزيد من الإنفاق.

وأشار إلى أن هذه المبررات، بحسب رأيه، تستند إلى مصطلحات عفا عنها الزمن وتجاوزتها مراحل تطور الفكر الاقتصادي، معتبرًا أن السياسات المرتبطة بها تسببت في كوارث للمجتمع الليبي.

وربط درميش هذه السياسات بما قال إنه يعاني منه المجتمع الليبي حاليًا، ومنه تضخم أرقام الميزانية العامة وتكدس العاملين، إلا أن النص الأصلي لإجابته انتهى في هذه النقطة بعبارة «وتكدس العاملين في ال…»، دون اكتمالها، ولذلك لا يمكن تحديد الجهة أو القطاع الذي كان يقصده.

وشدد على أن التعامل مع التحديات الاقتصادية لا ينبغي أن يقوم على افتراض أن تقليص الإنفاق وفرض الضرائب وخفض قيمة الدينار هي حلول حتمية، بل يجب أن يستند إلى إدارة الموارد والإمكانات المتاحة بصورة تسمح للدولة بالإنفاق على مختلف المجالات.

تمويل الأنشطة الخارجية بشرط عدم الإضرار بالقطاعات الأخرى

وفيما يتعلق بتمويل المؤتمرات والأنشطة الخارجية في ظل الحديث عن العجز، قال درميش إن تمويل هذه الأنشطة مطلوب، بشرط ألا يكون على حساب المتغيرات الأخرى.

وجدد تأكيده أن العجز لا ينبغي الاعتداد به، وفق موقفه، ما لم يثبت من خلال ميزانية مقفلة تخضع لمراجعة مكتب مراجعة خارجي مشهود له بالمصداقية.

وأضاف أن ليبيا دولة لا تعاني، بحسب تقديره، من شح الموارد، وتستطيع تغطية جميع التكاليف والإنفاق على المجالات كافة.

وأشار إلى أنه مع زيادة أسعار النفط، تحصل ليبيا، وفق قوله، على وفرة كبيرة ومضاعفة في الإيرادات، معتبرًا أن ذلك يعزز قدرة الدولة على تمويل التزاماتها ومجالات الإنفاق المختلفة.

وقارن درميش بين ما يراه من إمكانات مالية متاحة للدولة وما وصفه بترويج بعض الأطراف لمعلومات مضللة وقلب الحقائق بهدف تضليل الرأي العام، مشددًا على أن حسن إدارة الموارد يمكن أن يتيح للدولة تغطية التكاليف والإنفاق على مختلف المجالات.

الميزانية السنوية والميزانية المقفلة والرقابة المالية

وأكد درميش أن الإنفاق يجب أن يكون وفق موازنة سنوية تعتمدها الجهة التشريعية في بداية السنة، إلى جانب إعداد ميزانية مقفلة في نهاية العام.

وأوضح أن الانقسامات السياسية تؤثر سلبًا في هذه الإجراءات، وتنعكس على انتظام المسارات المالية المرتبطة بإقرار الموازنة وإقفال الميزانية ومراجعة الحسابات.

ومع ذلك، وصف درميش المركز المالي لليبيا بأنه جيد جدًا، والاقتصاد بأنه ممتاز، وفق تقديره، معتبرًا أن ذلك يخالف ما يروجه بعض الأطراف بشأن الوضع المالي والاقتصادي للبلاد.

وأضاف أن الدولة تستطيع الإنفاق في الخارج والقضاء على الاختلالات الداخلية في الوقت نفسه، شريطة حسن إدارة الموارد والأموال، بما يضمن الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتوجيهها نحو مختلف الالتزامات والأهداف.

مقارنة نفقات الدولة بالدولار بين الأعوام المختلفة

وبشأن تكاليف الإقامة والمصروفات والأعباء التي تتحملها الميزانية العامة نتيجة استضافة المؤتمرات والوفود، دعا درميش إلى مقارنة مصروفات الدولة خلال الأعوام 2025 و2024 و2023 بمصروفاتها خلال الأعوام 2010 و2013 و2014.

وشدد على أن المقارنة ينبغي أن تتم بالدولار، معتبرًا أن ذلك يساعد على معرفة الحقيقة الكاملة بشأن حجم النفقات، ويتيح تقييم المصروفات بعيدًا عما وصفه بالتضليل وقلب الحقائق.

ولم يقدم درميش أرقامًا محددة لتكاليف الإقامة أو المصروفات المرتبطة باستضافة الوفود، كما لم يورد بيانات رقمية تفصيلية للمقارنة بين الأعوام التي حددها، وإنما دعا إلى إجراء المقارنة بين مصروفات الدولة خلال تلك السنوات وبالعملة نفسها للوصول إلى صورة أوضح عن حجم الإنفاق.

التوجه نحو أفريقيا وفرص تعزيز الاقتصاد الليبي

وفي ما يتعلق بالفرص الاقتصادية والمزايا التجارية المباشرة التي يمكن أن تجنيها ليبيا من التوجه نحو أفريقيا، قال درميش إن ليبيا تقع في قلب العالم وفي قلب الساحل الأفريقي، وتمثل مركزًا تجاريًا مهمًا منذ القدم، وليس في الوقت الراهن فقط.

وأوضح أن ليبيا تربط وسط وغرب أفريقيا بشمال القارة عبر منطقة مرزق، التي وصفها بأنها ملتقى للقوافل التجارية، مشيرًا إلى أن هذه الطرق تربط بين الجبل الأخضر، الذي قال إنه يمثل شرق شمال أفريقيا، وطرابلس وتونس، وصولًا إلى الساقية الحمراء ووادي الذهب، اللتين وصفهما بأنهما تمثلان شمال غرب أفريقيا.

وأكد أن تاريخ ليبيا التجاري ليس حديثًا، بل إنها كانت رائدة في هذا المجال، معتبرًا أن التوجه نحو أفريقيا قرار صائب من شأنه زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الليبي، وتعزيز الدخل القومي، وفتح فرص عمل جديدة.

وشدد على أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب حسن إدارة التوجه نحو القارة الأفريقية، بما يضمن تحويل الموقع الجغرافي والتاريخ التجاري لليبيا إلى مكاسب اقتصادية وتجارية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة ورفع الدخل القومي وخلق فرص عمل.

واختتم درميش بالتأكيد على أن ما تحتاج إليه ليبيا هو حسن إدارة هذا التوجه، منتقدًا ما وصفهم بمحدودي الإدراك وقليلي المعرفة والخبرة ممن يشككون في جدواه.

وبذلك ربط درميش بين دفاعه عن الإنفاق على المؤتمرات والفعاليات باعتباره استثمارًا في البشر والعلاقات الدولية، وبين رؤيته للوضع المالي الليبي، التي تقوم على أن البلاد تمتلك موارد وإمكانات تمكّنها من الإنفاق على مختلف المجالات، مع ضرورة اعتماد الموازنات ومراجعة الحسابات، وعدم تحميل قطاع مسؤولية الإنفاق على حساب القطاعات الأخرى، وحسن إدارة الموارد والأموال لتحقيق المصالح الداخلية والخارجية للدولة.

The post كيف تُهدر ميزانيات المؤتمرات بينما يئنّ المواطن تحت أزمة الغلاء؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

المصدر: عين ليبيا