الكرملين يناقش «هدنة الطاقة» مع واشنطن... وزيلينسكي يوقف الهجمات على مصافي النفط
تمسكت موسكو بمواقفها حيال عملية التسوية في أوكرانيا، مستفيدة من تصاعد الضغوط الأميركية على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأعلن الأخير التزامه المبادرة الأميركية لوقف استهداف منشآت الطاقة، لكنه اشتكى من استمرار الهجمات الروسية على البنى التحتية في بلاده، وتراجع مستوى الدعم الاستخباراتي الغربي، فيما أعلن الكرملين أنه «يبحث موضوع الهدنة مع الشركاء الأميركيين». وتواصلت تداعيات «صفقة الديزل» التي توصل إليها الرئيسان؛ الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام، مع ما تبعها من تباعد جديد في العلاقة الأميركية بالرئيس الأوكراني، ومسعى ترمب لفرض هدنة في مجال الطاقة لتسهيل إمدادات الديزل من روسيا إلى الولايات المتحدة. وبدا أن الكرملين يسعى سريعاً لتوظيف اتساع الهوة بين ترمب وزيلينسكي، وأعلن الناطق الرئاسي الروسي؛ ديمتري بيسكوف، الثلاثاء، تمسك بلاده بشروطها لدفع عملية سلام، مجدداً التشديد على ضرورة أن تلتزم كييف جدياً إجراء انتخابات رئاسية لتجديد شرعية قيادتها. وقال الناطق في إفادة يومية إن «موقف موسكو من إمكانية عقد اجتماع بين بوتين وزيلينسكي وضرورة إجراء انتخابات في أوكرانيا معروفٌ جيداً». وجاء الحديث رداً على سؤال عما إذا كانت فكرة ترتيب لقاء يجمع الرئيسين الروسي والأوكراني قد نوقشت مع ترمب خلال المكالمة الهاتفية التي أسفرت عن «اتفاق الديزل». وأعلن ترمب بعد المكالمة عن ضرورة عقد اجتماع مباشر بين بوتين وزيلينسكي لإنهاء الصراع في أوكرانيا. وكان الرئيس الروسي قد صرح سابقاً بأن زيلينسكي يمكنه القدوم إلى موسكو إذا كان منفتحاً على الحوار، وأنه ستوفَّر ضمانات أمنية له. لكن الموقف الروسي تشدد أكثر، كما أظهرت التصريحات الرسمية في اليومين الماضيين، بعدما أعلن ترمب، الأحد، أن على زيلينسكي إجراء انتخابات في أوكرانيا. ورأى أن أوكرانيا بحاجة إلى زعيم جديد قادر على التفاوض مع روسيا. من جانبه، وفي مقابل دعوة الرئيس الأوكراني إلى هدنة شاملة لمدة شهرين لترتيب إجراء الانتخابات، أعلن الكرملين استعداده لوقف النار ليوم واحد لتسهيل عمليات التصويت في حال أبدت كييف جدية في إجراء انتخابات. وقال بيسكوف إنه «من الواضح تماماً أن كييف لا ترغب في إجراء انتخابات، وأنها تحتاج إلى وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً ليس لإجراء الانتخابات، بل لإعادة بناء قوتها، ومعالجة جراحها، ومواصلة الحرب». إلى ذلك، أعلنت موسكو أنها تبحث مع واشنطن تفاصيل تنفيذ «صفقة الديزل»، وقال نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، إن وزارتَي الطاقة في روسيا والولايات المتحدة، وكذلك شركات، تُجري مفاوضات بشأن تصدير وقود الديزل. وأوضح نوفاك، في مقابلة مع وكالة «فيستي»: «تجري اليوم بالفعل مفاوضات بين شركاتنا ومشتري المواد الخام الروسية، وكذلك بين وزارة الطاقة الروسية ووزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية». لكن عنصراً جديداً دخل الثلاثاء على خط تداعيات «صفقة الديزل» ودعوة ترمب إلى هدنة في قطاع الطاقة؛ اذ حملت تصريحات زيلينسكي وقادة جيشه؛ بشأن عدم تلقي كييف معلومات استخباراتية غربية عن الضربات الصاروخية الروسية في الأيام الأخيرة، بُعداً لافتاً، بعدما كانت معطيات إعلامية قد تحدثت سابقاً عن تهديد واشنطن بوقف الدعم الاستخباراتي لكييف لحملها على الرضوخ لخطط ترمب. وقد قال وزير الخارجية الأوكراني آندريه سيبيها، الثلاثاء، إن بلاده لا تزال تتلقى معلومات استخباراتية من الولايات المتحدة؛ في محاولة منه لتهدئة المخاوف بعدما لم تتلقَّ بلاده أي تحذيرات قبل أن تطلق روسيا صواريخ باليستية على كييف. وفي كلمة ألقاها خلال «منتدى وارسو للأمن»، قال سيبيها إن كييف وواشنطن تواصلان تعاونهما. وكرر دعوته إلى توفير مزيد من أنظمة الدفاع الجوي وإمدادات معدات الطاقة، في الوقت الذي تستعد فيه أوكرانيا لشتاء جديد في ظل الحرب التي تشنها روسيا على البلاد. وأعلن سلاح الجو الأوكراني، الثلاثاء، أنه لم يتلقَّ أي إشعار مسبق بعمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة، وأنه رصدها فوق كييف مباشرة. وكانت شبكة «سي إن إن» أفادت في اليوم السابق بأن البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية وجّها تحذيرات إلى أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن استعداد واشنطن لوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف وتعليق مشاركتها في برنامج شراء الأسلحة لكييف. إلا إنه لم يَصدر أي تأكيد رسمي لهذه المعلومات. وقال بيسكوف إن الكرملين «لا علم له» بخطط الرئيس الأميركي لإنهاء تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. في حين قال زيلينسكي إن الرادارات الأوكرانية رصدت أهدافاً فوق مدينة كييف مباشرة، في إشارة إلى أنه لم يتلقَّ أي تحذير مسبق بوقف الدعم الاستخباراتي. ونقل عنه موقع «سترانا رو» قوله: «فيما يتعلق بهذه الضربات؛ للأسف، لم نتلقَّ أي تحذير من شركائنا». وقال الرئيس الأوكراني إن أوكرانيا أوقفت هجماتها بالفعل على مصافي النفط الروسية وبنيتها التحتية الأخرى في مجال الطاقة منذ يومين. لكنه أشار إلى أن روسيا لم تمتنع عن شن الهجمات. وأضاف زيلينسكي عبر منصة «إكس»: «خلال هذه الفترة، هاجم الروس منشآتنا في قطاع الطاقة وبنيتنا التحتية الحيوية؛ مما أرسل إشارات واضحة تماماً بأنهم لا ينوون الكف عن شن هجمات على أوكرانيا». على صعيد متصل، علق الكرملين على قرار «الاتحاد الاوروبي» فرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا رداً على «صفقة الديزل»، وقال بيسكوف إن «نية (الاتحاد الأوروبي) فرض عقوبات على روسيا؛ رداً على قرار الولايات المتحدة بشأن وقود الديزل، قد تعرقل تنفيذ الاتفاق بين البلدين». وبدا أن مواقف موسكو وواشنطن متطابقة حيال النية الأوروبية المعلنة. وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد وصف الانتقادات الأوروبية للاتفاق بين موسكو وواشنطن بشأن إمدادات وقود الديزل الروسي بأنها «نفاق». وفي انتظار استئناف المحادثات الأميركية - الأوروبية؛ التي عُلّقت الأسبوع الماضي بعد إعلان «صفقة الديزل»، أكد الكرملين أن موسكو لم تطلع إلا على «بعض التقارير الإعلامية المتعلقة بخطة سلام أميركية - أوروبية يجري نقاشها لتسوية النزاع في أوكرانيا». وكان الطرفان عقدا جولة مباحثات في ميامي قبل أيام، هدفت إلى بلورة خطة مشتركة للسلام، ورجحت أوساطٌ استئنافَ المحادثات قريباً، وعَلّق مبعوثا الرئيس الأميركي؛ ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، زيارة منتظرة إلى موسكو؛ في انتظار ما قد تسفر عنه المباحثات الأميركية - الأوروبية. وكانت صحيفة «واشنطن بوست» نقلت عن مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة وأوروبا تعملان على خطة جديدة لحل النزاع في أوكرانيا، تتضمن رفع العقوبات المفروضة على روسيا، والاستثمار في إعادة إعمار أوكرانيا، ووقف إطلاق النار على طول خط التماس. لكن الإعلان عن «صفقة الديزل» وما تبعها من تداعيات أوقفا مؤقتاً هذه النقاشات. وفي هذا السياق، أكد الكرملين أنه «لا يرى أي صلة مباشرة بين قرار الولايات المتحدة بشأن وقود الديزل الروسي وموقف روسيا من المفاوضات». وقال بيسكوف للصحافيين، الثلاثاء، رداً على سؤال عمّا إذا كانت صادرات وقود الديزل قد تدفع روسيا إلى اتخاذ موقف أعلى مرونة في مفاوضات تسوية الأزمة الأوكرانية: «لا أرى أي صلة مباشرة هنا». وأكد الناطق أن الاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة بشأن إمدادات وقود الديزل يصب في مصلحة البلدين وأسواق الطاقة العالمية. وأضاف: «هذا في الواقع جانبٌ ذو منفعة متبادلة للغاية في التعاون الروسي - الأميركي. فهو يلبي مصالح الولايات المتحدة، ومصالح أسواق الطاقة العالمية، ومصالح روسيا الاتحادية، ولذلك تم إبرامه». على صعيد آخر، تصاعدت حدة السجالات الروسية - الغربية مجدداً بشأن الوضع في البحر الأسود، وأقرّ الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، مارك روته، بتعزيز إجراءات الردع والدفاع لـ«الحلف» في البحر الأسود. وأفادت السلطات البلغارية، الثلاثاء، بوقوع هجوم بطائرة مسيّرة على سفينتين تجاريتين قبالة سواحل البلاد على البحر الأسود؛ مما أدى إلى غرق إحداهما. وقال رئيس الوزراء البلغاري، رومين راديف، الثلاثاء، إن سفينتين تعرضتا لضربات بالطيران المسيّر قبالة السواحل البلغارية. وقال راديف، خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن البلغاري، إن سلطات صوفيا تلقت إشارة استغاثة أولى من إحدى السفينتين، مشيراً إلى أن أفراد الطاقم الذين أمكن إنقاذهم جميعاً أفادوا بأن السفينة التي ترفع العلم المالطي والمملوكة لأوكرانيا «تعرّضت لضربات بـ3 طائرات مسيّرة». وأضاف أن «سفينة أخرى تعرضت للإصابة» و«غرقت» بعد ذلك بقليل، و«أمكنَ إنقاذ أحد أفراد طاقمها». في المقابل، قال بيسكوف إن البحر الأسود غير صالح حالياً للملاحة الآمنة بسبب «أنشطة كييف الإرهابية».
المصدر: الشرق الأوسط