شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

تحول اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع موسكو لتوفير الديزل إلى أزمة تتجاوز أسعار الوقود، وتجمع بين حسابات انتخابات التجديد النصفي ومستقبل الحرب الروسية على أوكرانيا. فبينما يدافع البيت الأبيض عن تخفيف العقوبات بعدّه استجابة لمعاناة الأميركيين، تتصاعد اعتراضات ديمقراطية وجمهورية ترى فيه إنقاذاً للاقتصاد الحربي الروسي، مقابل مكاسب سعرية محدودة. ويتعمق الخلاف مع ضغط واشنطن لوقف الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، فيما تستمر ضربات موسكو للبنية التحتية الأوكرانية، كاشفة هشاشة «هدنة الطاقة» التي أعلنتها ترمب من دون تأكيد اتفاق الطرفين عليها. وقبل ثلاثة أسابيع من انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام مفارقة: الإجراء الذي يُفترض أن يخفف أعباءهم الانتخابية يفتح مواجهة داخلية بشأن روسيا، ويضع صدقية السياسة الأميركية تجاه حلفائها موضع اختبار. لم تعد الاعتراضات محصورة بالديمقراطيين، فقد طالب سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، بينهم أربعة جمهوريين، الإدارة بالتراجع، معتبرين أن السماح بواردات الطاقة الروسية يتعارض مع حظر أقرّه الكونغرس عام 2022 لمنع تمويل حرب موسكو. واعترضوا أيضاً على عدم التشاور مع المشرعين وتقديم التفسير المطلوب للقرار. في المقابل، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإدارة تملك الصلاحيات القانونية لتنفيذه، ما يجعل قانونية الاتفاق موضع نزاع سياسي وتشريعي، لا مسألة محسومة قضائياً. واتسعت جبهة الانتقاد لتشمل السيناتور الجمهوري جيري موران، الذي دعا إلى تشديد العقوبات، والنائب دون بيكون، الذي اتهم ترمب بالضعف تجاه بوتين، فيما تعهد النائب برايان فيتزباتريك بطرح تشريع يمنع مشتريات النفط الروسي. ووصف نائب الرئيس السابق مايك بنس رفع العقوبات بأنه طوق نجاة لآلة الحرب الروسية. لكن الحزب لم يتوحد ضد الرئيس، إذ دافع السيناتور جون بارسو عن موازنته بين خفض تكاليف الطاقة وإنهاء الحرب، وأيدت النائبة آنا بولينا لونا الاتفاق. أما ترمب، فرفض انتقادات الجمهوريين وشدد على منفعة المزارعين ومربي الماشية. وتكمن المعضلة الانتخابية في أن هؤلاء يشكلون جزءاً مهماً من القاعدة الجمهورية، بينما تنتقل كلفة الديزل عبر النقل والزراعة إلى أسعار الغذاء والسلع. وبحسب «وول ستريت جورنال»، بلغ متوسط سعر الغالون نحو 6.27 دولار الاثنين، بزيادة 71 في المائة على أساس سنوي. غير أن محللين نقلت عنهم الصحيفة، شككوا في قدرة الكميات المعلنة على إحداث انخفاض ملموس. وهنا يكمن الخطر على مرشحي الحزب، فالدفاع عن تقارب مثير للجدل مع بوتين، لا يضمن وصول منفعة اقتصادية إلى الناخبين قبل الاقتراع. ولا يعني ذلك أن الاتفاق سيحسم الانتخابات، لكنه يضيف عبئاً إلى الدفاع عن تداعيات حرب إيران، ويمنح الديمقراطيين مادة تربط الغلاء بتناقضات السياسة الخارجية. في صلب الأزمة خلاف على أسباب ارتفاع الأسعار وعلى توزيع كلفة معالجتها. فترمب يحمّل ضربات المصافي الروسية مسؤولية كبيرة، بينما تشير التقارير الاقتصادية إلى أن حرب إيران واضطراب إمدادات الشرق الأوسط وملاحة مضيق هرمز، يمثلان العامل الأساسي، مع مساهمة الهجمات الأوكرانية في تقليص المعروض. وأعلن ترمب الأحد بدء «هدنة للطاقة» فوراً، لكن موسكو وكييف لم تؤكدا التوصل إلى اتفاق. وتبادل الجانبان الاتهامات عن خرق الاتفاق غير المؤكد. لذلك فإن وصف ما حدث بأنه انهيار لاتفاق مكتمل، يتجاوز الوقائع المتاحة. ويتضاعف الإشكال مع تقارير تفيد بأن المقصود أميركياً ربما وقف ضرب المصافي تحديداً، بينما تطالب كييف بحماية منظومتها الأوسع للطاقة والبنية التحتية. وهذا الفارق أثار انتقادات عَبّرت عنها صحف أميركية، متهمة ترمب بأنه «يضغط على الطرف الخطأ» بحسب «واشنطن بوست»، عبر مطالبة أوكرانيا بتعطيل أداة ردع، بينما تحصل روسيا على تخفيف للعقوبات. وزادت دعوة ترمب إلى تغيير الرئيس الأوكراني التوتر، حيث رد زيلينسكي بأن اختيار الرئيس شأن أوكراني، وعرض تنظيم انتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل للنار لمدة 60 يوماً. وتظهر ازدواجية الرسالة الأميركية في موقف القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكس غرينكويتش. ففي خطاب بوارسو، تعهد بإحباط أي هجوم روسي على دول «الناتو»، مستعرضاً تصوراً يقوم على صد الهجوم وإضعاف اندفاعه، ثم تحطيم القوات المهاجمة إذا واصلت عدوانها. لكنه نقل أيضاً مطالب أميركية إلى كييف بوقف ضرب المصافي. ووفق مصادر أوكرانية وغربية، اقترنت الرسائل بتذكير بأهمية السلاح والمعلومات الاستخباراتية الأميركية. وفيما نفى مسؤول أميركي رواية «نيويورك تايمز» عن التلويح بحجب المساعدة الاستخباراتية، أكدت مصادر أوكرانية وقف تلقيها خلال هجمات على كييف أخيراً. وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، هددت إدارة ترمب منذ ذلك الحين بتعليق برنامج يتيح للأوروبيين شراء الأسلحة ثم نقلها إلى أوكرانيا. وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش منتدى وارسو للأمن الاثنين، قال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي ماثيو ويتاكر إنه لا يريد التعليق على «تقارير غير مؤكدة». لكنه أضاف: «لا أعتقد أن ذلك يتوافق مع ما أعرفه اليوم، وهو أن الولايات المتحدة تواصل بيع معداتنا وذخائرنا إلى حلفائنا الأوروبيين والكنديين الذين يقدمونها بدورهم إلى أوكرانيا». وتابع: «لا علم لي بأي تغيير في هذا البرنامج». في المقابل، أكد «الناتو» استمرار تدفق السلاح عبر البرنامج الذي تموله الدول الأوروبية. وتوضح «نيويورك تايمز» أن هذا يظهر تناقضاً سياسياً واستراتيجياً. فواشنطن تستعد لردع موسكو عن مهاجمة الحلف، لكنها تضغط لتقييد وسيلة تستخدمها أوكرانيا لرفع كلفة الحرب على روسيا. فاستهداف المصافي اكتسب أهمية مع تحول النزاع إلى حرب استنزاف اقتصادي. وبذلك، قد تتجاوز قيمة وقف الهجمات بالنسبة إلى الكرملين عائدات شحنات الديزل نفسها. وهذه هي حجة المنتقدين: الجمع بين تخفيف العقوبات وحماية المصافي يمنح بوتين أفضلية في حرب الاقتصاد، من دون انتزاع تنازل روسي مقابل يمكن التحقق منه. ومع ذلك، لا يعني التصعيد أن المسار الدبلوماسي انتهى. فقد كشفت «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤول أميركي، عن بحث حزمة أميركية أوروبية أوسع خلال اجتماعات فلوريدا بين ستيف ويتكون وجاريد كوشنر مع ممثلين أوكرانيين وأوروبيين. وتشمل الأفكار إعادة إعمار أوكرانيا، وضمانات أمنية أميركية وأوروبية، وترتيبات للطاقة وإعادة دمج روسيا اقتصادياً مقابل تسوية، وصولاً إلى وقف للنار على خطوط السيطرة. لكنها تظل مقترحات منقولة عن مسؤول، وليست اتفاقاً أقرّه الأطراف، خصوصاً في قضايا الأراضي والضمانات ورفع العقوبات. وبحسب الصحيفة، منطق المبادرة هو توسيع مكاسب السلام لتعويض تنازلات مؤلمة للطرفين. لكن منح موسكو فوائد مسبقة قد يضعف الحافز الذي يُفترض أن يدفعها إلى التسوية، فيما يصعب إقناع كييف بالتخلي عن ورقة المصافي إذا بقيت مدنها واقتصادها عرضة للقصف. وتشير المعطيات إلى ثلاثة مسارات: هدنة متبادلة قابلة للمراقبة تمهد لمفاوضات أوسع؛ أو استمرار استنزاف البنى الاقتصادية خلال الشتاء؛ أو اتساع الخلاف الأميركي الأوكراني بما يضعف موقف كييف. ويتوقف الترجيح بينها على استعداد موسكو لتقديم التزامات فعلية، وقدرة واشنطن وأوروبا على ربط الحوافز بتنفيذها. أما انتخابياً، فالوقت أضيق من تعقيدات التسوية، وإذا لم تنخفض الأسعار ولم تتوقف الهجمات الروسية، فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام اتفاق لم يمنح ناخبيهم الإغاثة الموعودة، لكنه منح خصومهم ورقة ضغط أكبر.

المصدر: الشرق الأوسط