تطبَّعَ بطبعِ العمانيين
د. صالح الفهدي صافَحَنا أحد الوافدين الآسيويين بيدين اثنتين بعد الصلاة، فقلت لمن كان بجواري، عبارة قالها لي أحد مستشاري علم النفس السعوديين: "تطبَّع الوافد بطبعِ العُمانيين فصارَ منهم". وتذكرتُ موقفًا رواهُ لي أحد الخطباءِ قائلًا: لقد تذكرتُك وأنتَ تتحدث عن "آداب المجالس عند العُمانيين" حين روى لي -والكلام على لسان الخطيب- أحد الإخوة المصريين أنَّه التقى بمصريٍّ آخر في مصر، فصافحه الأخير بيدين اثنتين، فقال الأول: لقد ذكَّرتني بمُصافحة العُمانيين. فردَّ الثاني: هذا لأنني أيضًا عشتُ في عُمان. هكذا نصدِّرُ آداب سَمْتِنا، وقيمنا الأخلاقية للآخرين، فتصبحَ جزءاً من شخصيةِ الذي خالطنا في حياتنا الاجتماعية، وهذا تصديرٌ للقوةِ الناعمة التي تُحدثُ التغيير الثقافي في الآخر دون ضجيج. وليست أهميةُ الأمر في ظاهرِ السلوك وحسب وإنما هناك ما هو أعظمُ؛ فالقيمة التي تكمنُ وراءَ المصافحةِ بيدين اثنتين هي "التواضع"، والقيمة التي تكمنُ وراءَ الحرص على تقديم الأكبر هي "التبجيل"، والقيمة التي تكمن وراءَ المناشدة هي "التقدير". لقد رأيتُ من يدخلُ مجالس العزاء وهو يلبسُ الكمَّة، وهذا وإن كان له عذرٌ معيَّنٌ إلا أنَّه لا يتوافقُ مع السمتِ العُماني، فالكمَّة ليست للمجالس، ولا للرجالِ فيها، ورأيتُ من يدخلُ مجلس العزاءِ وهو يصافحُ الناس بيدٍ واحدةٍ والأُخرى مسبلة دون عصا، كأنما هو داخلٌ يتسوَّق من أحد المحلَّات التجارية!. إن دخولًا مثل هذا لا يروقُ للعمانيين الذين يفهمون الأُصول الخاصَّةِ بالسَّمتِ العُماني. منذ يومين جالستُ بعض الإخوةِ من دولةٍ خليجية، فقلتُ لهم: لقد ضربتُ بتمسككم باللباس الرسمي في المناسبات المختلفة التي تظهرون فيها، وذلك في محاضرتي عن الهُويَّة، وهو أمرٌ حميدٌ يعكسُ الهويَّة الحيَّة للشعب. ولقد احتجَّ أحدهم على ما يقومُ به البعض من العُمانيين في أسفارهم من تصرفاتٍ تُعمم في الأخير على شعبٍ بأكمله، وهو يحسبُ أن ذلك تصرفٌ فردي، يُعزى إلى حريته الشخصية. ولقد عقَّبتُ على تذمرهِ ذاك بالقول أنَّ ذلك الفرد المسيءُ للسلوك لا يُدرك أن شعبا بحاله، ووطنًا بأسره، يتضرَّران من جراءِ ذلك السلوك الذي يُبديه، كما أن الجهات التي توجِّه الدعوة لمثلهِ في تمثيل وطنهِ خلال المناسبات المختلفة تكون هي المسؤولة عن الاختيار الأمثل لمن يمثِّل وطنه، علاوةً على أنها المسؤولة عن أيَّة سلوكيات تظهر ممن يمثِّل وطنه دون مراعاةٍ لأخلاقه، وقيمه. إن بناء السمعة الوطنية هي مشروعٌ مشتركٌ للجميع، ولقد أبلى أسلافنا بلاءً حسنًا فيما نحنُ عليه اليوم من حسن سمعةٍ، وطيبِ ذكرٍ، بين الناس، وما نفتأ نذكر الحديث الشريفَ المأثور "لو أنك أتيتَ أهل عُمان ما سبُّوك وما ضربوك"، ولقد توَّج الإمبراطور الصيني من عائلة "سونغ" الشيخ التاجر عبدالله الصحاري في القرن السادس الهجري، الحادي عشر الميلادي بلقبٍ عظيم هو "جنرال الأخلاق الطيبة" وعينه رئيسًا لحيِّ الأجانب في الصين، ومنحه بعض السلطات الإدارية، والقضائية. ولقد سبقهُ إلى الصين أبوعبيدة عبدالله بن القاسم في القرن الثاني الهجري، وقد أبوعبيدة عُرفَ بأمانته وصدقه وحسن خُلقه، إذ يورد أبو العباس أحمد بن أبي عثمان الشماخي في "كتاب السير" رواية شراء العود وموقف أبو عبيدة عبدالله بن القاسم من ذلك؛ إذ اشترى قوم عودا، وسألهم أن يُشركوه، ففعلوا، قال: فاقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه، عمـا كانوا قد اشتروا به، فظَّن أبو عبيدة أنهم صادقون فيمـا قالوا، قال: فلما خرجوا من عنده وكانوا قد نقـدوا الثمن، ونقد أبو عبيدة معهم عشرين دينارا، فأقبلوا يمدحـون العود، ويقولون ما رأينا مثله. فقال لهم أبوعبيدة: سبحان الله! تعيبون عود الرجل بلا عيب فيه، ردَّوا عـلي رأس مالي، ولا حاجة لي في مشاركتكم. قال: فردوا عليه ماله. هذه أخلاق أَسلافنا التي بنوا بها سمعة العمانيين عبر العصور، وهي اليوم أمانةٌ في أعناقِ كلِّ عمانيٍّ أكانَ في وطنه، أم في خارجه، قولًا وفعلًا. وإنني لأؤكدِ هنا أن فعلاً واحدًا يضرُّ أمَّةً بحالها وفي ذلك كتبَ محرِّرٌ لمجلة "ناشيونال جوجرافيك" مقالًا عن مرافقٍ عُماني له خلال رحلتهِ في عُمان سأله عن أجرِ أتعابه في بداية الرحلة، فأظهر له المرافق أنه لا يريدُ منه شيئاً، ثم حين انتهت الرحلة، فاجأهُ المرافق العُماني بطلبِ ألفا دولار كأجرةٍ لهُ، فصعقَ المحرر الذي اعتمدَ على قول المرافق في بداية الرحلة، فتفاقم الخلاف بينهم حتى انتهى بصلحٍ على يدِ أحد المشايخ بأن يدفع له ألف دولار، فكتب القصَّة في أحد أعداد المجلة المشهورة!. في المقابل فإنَّ تصرفًا رفيعًا من فردٍ واحدٍ يُسعد شعبًا بحاله فقد التقى مسافرٌ استرالي في مطار مسقط أثناء تحويل رحلته إلى مكة المكرمة في رحلته لأداء العُمرة بضابط من الشرطة، فعاملهُ معاملةً راقيةً جدًا، مما أشعرهُ أنَّ هذه الأخلاق هي أخلاقُ شعبٍ ولا تقتصرُ على فردٍ واحد، وحين عودته إلى استراليا اهتمَّ بُعمان وقرأ عنها وتابع إعلامها، ثم جاءها زائراً وهو يشعرُ بالامتنان والتقدير والمحبة للعمانيين، ولقد روى لي أحد الذين زارهم الأسترالي هذه القصة. الشاهد أنَّ على كل فردٍ منَّا أن يستشعر بالمسؤولية والأمانة التي يحملها من أسلافه، فهو ليس مسؤولا عن نفسه وحسب، بل ومسؤولٌ عن سمعةِ شعبٍ بأكمله، وهويةٍ أصيلةٍ برفيع آدابها، وعظيم أخلاقها.
المصدر: الرؤية