قراءة في فكر السلطان هيثم بن طارق (2-2)
د. صالح بن سعيد مسن نستكمل في هذا المقال ما بدأناه في المقال السابق حول ملامح وسمات منهج حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، في إدارة الدولة، وتحديد أولويات المرحلة، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فقراءة المنهج القيادي لا تقتصر على متابعة الأحداث والقرارات، بل تتجاوز ذلك إلى استنباط المرتكزات الفكرية التي توجه عملية صنع القرار، وترسم مسارات العمل الوطني، وتحدد أولويات التنمية والتطوير. وقد تناولنا في المقال السابق ثلاثة من الملامح التي يمكن من خلالها قراءة المدرسة الهيثمية، تمثلت في إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية، والمحافظة على ثوابت السياسة الخارجية العُمانية مع مواكبة المتغيرات الدولية، والتفاعل الإيجابي مع التحولات الاجتماعية ومتطلبات المجتمع. ونواصل في هذا المقال قراءة ملامح هذا المنهج من خلال محورين إضافيين؛ يرتبط أولهما بالتطوير المؤسسي وتعزيز الحوكمة، فيما يتناول الثاني رفع كفاءة الإدارة العامة وتطوير أساليب العمل الحكومي. وهما محوران يكتسبان أهمية خاصة في ظل ما تفرضه المرحلة الراهنة من متطلبات تتعلق بتعزيز فاعلية المؤسسات، وترشيد استخدام الموارد، وتحسين جودة الخدمات، وتحقيق التكامل بين السياسات العامة وأهداف التنمية المستدامة. إن المتابع لمسيرة السنوات الأولى من عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله، يلحظ اهتمامًا بإعادة تنظيم المؤسسات الحكومية، ومراجعة الاختصاصات، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، بما يدعم ربط المسؤولية بالأداء والنتائج. وهنا تبرز إحدى الأفكار الجوهرية التي يمكن استنباطها من مسار التطوير الإداري، وهي الانتقال من معالجة المشكلات بصورة منفردة إلى بناء منظومات مؤسسية قادرة على الحد من تكرارها، ومعالجة أسبابها من جذورها؛ فقد تنجح المعالجة الآنية في تجاوز مشكلة إدارية أو ظرف طارئ، لكن الحل الأكثر استدامة هو الذي يعيد النظر في آليات العمل، ويحدد المسؤوليات بوضوح، ويحد من تداخل الاختصاصات، ويعزز المساءلة، ويقيس الأداء وفق مؤشرات قابلة للتقييم. وهذا هو جوهر الحوكمة؛ أن تصبح المؤسسات أكثر وضوحًا في أدوارها، وأكثر كفاءة في استخدام مواردها، وأكثر قدرة على تحويل الخطط والسياسات إلى نتائج ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية. غير أن إعادة تنظيم المؤسسات، على أهميتها، لا تمثل الغاية النهائية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لبناء جهاز إداري أكثر فاعلية واستجابة لمتطلبات التنمية. فنجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بمدى ترجمة مبادئ الحوكمة إلى ممارسات فعلية، وترسيخ ثقافة الإنجاز والمساءلة، وتقييم النتائج، وتصحيح المسار عند الحاجة. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة رسم الهياكل التنظيمية فحسب، بل في إحداث تحول مستدام في ثقافة العمل الحكومي، بحيث تصبح الكفاءة معيارًا للأداء، والنتائج أساسًا للتقييم، والمصلحة العامة بوصلة لاتخاذ القرار. ومن الملامح التي تستحق التأمل في أسلوب القيادة ما يمكن ملاحظته من هدوء في إدارة المشهد، وتركيز على العمل المؤسسي، وابتعاد عن المبالغة في الخطاب، مع إبراز أهمية القرارات والإجراءات التي تنعكس على واقع الدولة ومسارات تطورها؛ فالهدوء لا يعني غياب الحزم، كما أن الحزم لا يستلزم رفع نبرة الحديث. وقد يكون القرار الهادئ، حين يستند إلى رؤية واضحة وتخطيط مدروس وإرادة للتنفيذ، أكثر أثرًا من خطاب واسع لا تصاحبه نتائج عملية. وفي إدارة الدول، لا تُقاس القيادة بكثرة الظهور وحدها، ولا بحجم الخطاب المصاحب للقرارات، وإنما بوضوح الاتجاه، واستمرارية العمل، والقدرة على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤولياتها، ومتابعة تنفيذها، وتقييم ما تحققه من نتائج. كما أن كفاءة الإدارة العامة لا تتحقق بمجرد إصدار القرارات أو تحديث الهياكل، بل تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين وضوح الأهداف، وكفاءة القيادات، وتأهيل الكوادر الوطنية، وسرعة إنجاز المعاملات، ومرونة الإجراءات، والقدرة على الاستجابة للمتغيرات دون الإخلال بالضوابط المؤسسية. ولعل من الأفكار التي تستحق الوقوف عندها في التجربة الحالية أهمية الجمع بين هدوء الأسلوب ووضوح القرار، وبين استقرار التوجهات والقدرة على مراجعة الأدوات، حين تقتضي المصلحة العامة ذلك. فاستقرار النهج لا يعني الجمود، كما أن التطوير لا يعني التخلي عن الثوابت؛ وإنما يكمن النجاح في القدرة على الموازنة بينهما وفق متطلبات كل مرحلة. وإذا كانت إعادة التنظيم تمثل أحد مداخل الإصلاح الإداري، فإن المعيار الأهم لنجاحها يبقى في قدرتها على تحسين الأداء الحكومي، ورفع إنتاجية المؤسسات، وتعزيز ثقة المجتمع في فاعلية الجهاز الإداري، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار والعمل والإبداع. ومع كل هذه الملامح، يبقى من المهم التعامل مع مفهوم «المدرسة الهيثمية» باعتباره إطارًا تحليليًا قابلًا للنقاش والتطور، لا وصفًا نهائيًا لتجربة لا تزال تتشكل ملامحها عبر القرارات والممارسات والنتائج؛ فالمدارس القيادية لا تُبنى على الانطباعات وحدها، ولا تُحسم ملامحها في سنواتها الأولى، وإنما تتضح مع تراكم التجارب، وقياس آثار السياسات، وما تتركه من تحولات في بنية المؤسسات والاقتصاد والمجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن الحكم على اكتمال هذه المدرسة يظل مرتبطًا بما تحققه توجهاتها من نتائج ملموسة، وبقدرتها على بناء مؤسسات راسخة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتوسيع فرص المواطنين، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وترسيخ استدامة التنمية. وربما لا يكون السؤال الأهم في المستقبل هو: ما سمات المدرسة الهيثمية؟ فقد بدأت بعض هذه السمات تتضح من خلال مسار العمل والقرارات والتوجهات. وإنما قد يصبح السؤال الأهم: ما الإضافات النوعية التي ستقدمها هذه المدرسة إلى رصيد الخبرة العُمانية في الحكم والإدارة؟ وما المبادئ والممارسات المؤسسية التي ستتركها للأجيال القادمة لتبني عليها وتطورها؟ إن القيمة التاريخية لأي تجربة قيادية لا تتحدد بما تحققه في سنواتها الأولى فحسب، بل بما تؤسسه من قواعد، وما ترسخه من مؤسسات، وما تتيحه من فرص، وما تمنحه للدولة من قدرة على مواصلة مسيرتها بثبات وكفاءة في مواجهة تحديات المستقبل. ومن هنا، فإن مسؤولية الكُتّاب والباحثين والمحللين لا تقتصر على رصد القرارات ووصف الأحداث، بل تمتد إلى قراءتها في سياقاتها، وتحليل آثارها، واستشراف ما يمكن أن تفضي إليه، بعيدًا عن الأحكام المتعجلة أو الانطباعات المسبقة. فالتجربة القيادية، بما تحمله من تحولات وتحديات، تظل مجالًا مفتوحًا للتأمل والنقد البنّاء واستخلاص الدروس. وما تناولناه في هذا المقال وما سبقه ليس إلا شذرات من قراءة شخصية في تجربة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- قراءة تنطلق من الاهتمام بالشأن الوطني، والرغبة في فهم المنهج الذي تتشكل من خلاله ملامح المرحلة، واستكشاف ما يمكن أن تحمله من فرص وآفاق لمستقبل عُمان. وفي ذكرى ميلاد جلالته، تتجدد أمنياتنا بأن تمضي عُمان بثبات نحو مزيد من التنمية والازدهار، وأن تواصل مؤسساتها مسيرة التطوير والإنجاز، وأن تتسع أمام أبنائها فرص العمل والإبداع والمشاركة الفاعلة في بناء المستقبل. حفظ الله جلالة السلطان المفدى، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وأدام على عُمان نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.
المصدر: الرؤية