شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

اقتصاد الوحدة .. هل أصبح غياب العلاقات الإنسانية مشكلة تنموية

اقتصاد الوحدة .. هل أصبح غياب العلاقات الإنسانية مشكلة تنموية

د. هيفاء ابوغزالة كم واحداً منا يعرف اليوم أسماء جيرانه؟ وكم واحداً يعرف من يسكن في الشقة المقابلة أو في الطابق الذي يعلوه؟ قد نمضي سنوات في المبنى نفسه دون أن نعرف عن بعضنا أكثر من ملامح الوجوه، وربما لا نعرف حتى تلك الملامح!لم يكن الأمر كذلك في الماضي. فعندما كانت أسرة جديدة تنتقل إلى الحي، كان الجيران يتسابقون للترحيب بها، وكانت موائد الطعام تصل إلى منزلها أياماً متتالية، انطلاقاً من عادة جميلة تقوم على أن الجار الجديد مشغول بترتيب منزله، ولا وقت لديه لإعداد الطعام. ولم تكن المسألة مجرد طبق يُرسل، بل رسالة محبة تقول للقادمين الجدد: أنتم لستم غرباء، فقد أصبح لكم أهل وجيران.كانت الأبواب تُفتح دون مواعيد، والأفراح تجمع الحي، والأحزان يتقاسمها الجميع. أما اليوم، فقد أصبحنا نعرف أخبار أشخاص يقيمون على بعد آلاف الكيلومترات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما قد نجهل اسم الجار الذي تفصلنا عنه بضعة أمتار!فماذا حدث لنا؟ وهل فقدنا، وسط انشغالنا بالحياة الحديثة، شيئاً أهم مما نتصور؟قد يبدو الحديث مجرد حنين إلى زمن مضى، لكنه يفتح الباب أمام قضية تنموية بدأت تستحوذ على اهتمام الحكومات والمؤسسات الدولية، وهي ما يمكن تسميته «اقتصاد الوحدة»؛ أي التكلفة الاجتماعية والصحية والاقتصادية الناجمة عن العزلة وتراجع العلاقات الإنسانية.فالوحدة لم تعد حكراً على كبار السن أو من يعيشون بمفردهم، بل أصبحت تطال الشباب والموظفين والطلاب، وحتى أفراد الأسرة الواحدة الذين قد يجلسون حول مائدة واحدة، بينما ينشغل كل منهم بهاتفه، وكأنهم يعيشون في عوالم منفصلة.والمفارقة أننا لم نكن يوماً أكثر اتصالاً بالعالم مما نحن عليه الآن، لكن سهولة الاتصال لم تضمن لنا علاقات أكثر عمقاً. فقد أصبح ممكناً أن يمتلك الإنسان مئات الأصدقاء على المنصات الرقمية، دون أن يجد من يجلس معه عندما يحتاج إلى من يسمعه.لكن ما علاقة كل ذلك بالاقتصاد والتنمية؟تشير الدراسات الصحية إلى أن ضعف الروابط الاجتماعية يرتبط بارتفاع مخاطر عدد من الأمراض الجسدية والنفسية، وما قد يترتب على ذلك من زيادة الإنفاق الصحي، والتغيب عن العمل، وتراجع الإنتاجية. وهكذا تتحول الوحدة من تجربة شخصية إلى تكلفة تتحملها الأسر والمؤسسات والدول، دون أن تظهر بالضرورة في الموازنات العامة.فالموظف الذي يعاني عزلة مستمرة قد يصبح أقل اندماجاً في عمله، والمسن الذي يفتقد التواصل الاجتماعي قد يحتاج إلى رعاية إضافية، والشاب الذي يشعر بانقطاعه عن محيطه قد تتراجع مشاركته في الحياة العامة. إنها خسائر يصعب قياسها بدقة، لكنها تستحق أن تؤخذ في الحسبان عند وضع السياسات التنموية.وقد بدأت بعض الدول بالفعل التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية تتطلب تدخلاً مؤسسياً. فقد استحدثت بريطانيا عام 2018 منصباً وزارياً لمتابعة ملف الوحدة، واتخذت اليابان خطوات حكومية لمواجهة العزلة الاجتماعية، فيما أنشأت منظمة الصحة العالمية عام 2023 لجنة معنية بالتواصل الاجتماعي، إدراكاً لأهمية العلاقات الإنسانية في الصحة وجودة الحياة.أما في مجتمعاتنا العربية، التي عُرفت بقوة الروابط الأسرية وثقافة الجيرة والتكافل الاجتماعي، فإن التحولات المتسارعة في أنماط الحياة تستحق وقفة جادة. فارتفاع تكاليف المعيشة، وطول ساعات العمل، والازدحام المروري، والهجرة، والتوسع في استخدام التكنولوجيا، كلها عوامل قد تقلص فرص اللقاء والتواصل المباشر.ولعل التخطيط العمراني نفسه أصبح جزءاً من القضية. فنحن نتوسع في بناء العمارات والمجمعات التجارية والطرق، لكننا لا نولي دائماً الاهتمام الكافي للحدائق العامة والمراكز المجتمعية والمساحات التي تسمح للناس بالتعارف والتفاعل. وكأننا نخطط للمباني أكثر مما نخطط للحياة داخلها.وهنا تبرز أهمية النظر إلى العلاقات الإنسانية باعتبارها جزءاً من رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه المجتمعات. فالثقة المتبادلة، والتعاون بين الجيران، والمشاركة التطوعية، والتواصل بين الأجيال، ليست مجرد مظاهر اجتماعية جميلة، بل عناصر تعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، وتخفف بعض الأعباء عن مؤسسات الرعاية والخدمات العامة.ولذلك، فإن مواجهة العزلة لا تتطلب بالضرورة إنشاء مؤسسات حكومية جديدة أو تخصيص موازنات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى إدماج البعد الاجتماعي في التخطيط للمدن والأحياء، وتشجيع المبادرات المجتمعية، وتوفير مساحات تجمع الناس، وإعادة الاعتبار للأنشطة الثقافية والتطوعية التي تعزز التواصل والانتماء.كما أن من المهم أن تبدأ المؤسسات المعنية بقياس مستوى العزلة الاجتماعية وآثارها، إلى جانب مؤشرات جودة الحياة الأخرى، حتى لا تبقى هذه الظاهرة خارج حسابات التنمية.فالتقدم لا يُقاس فقط بارتفاع الدخل، وتوسع الاستثمارات، وعدد المشروعات المنجزة، بل أيضاً بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، وبمدى شعور الإنسان بأنه ينتمي إلى محيط يهتم به.ولا يعني ذلك أن نستعيد الماضي بكل تفاصيله، أو أن نرفض التكنولوجيا التي أصبحت جزءاً أساسياً من حياتنا، وإنما أن نحافظ على ما كان يمنح تلك الحياة معناها الإنساني.ولعلنا نحتاج اليوم إلى إعادة اكتشاف حقيقة بسيطة: أن العلاقات الإنسانية ليست من كماليات الحياة التي يمكن الاستغناء عنها، بل من مقومات المجتمع القادر على النمو والاستمرار.وأعود إلى ذلك الجار الجديد الذي كانت تصله موائد الطعام قبل أن ينتهي من ترتيب منزله. لم تكن قيمة تلك المائدة فيما تحمله من طعام، بل فيما تحمله من اهتمام وطمأنينة وشعور بالانتماء.فإذا كنا قد نجحنا في بناء مدن ذكية، ومنازل ذكية، وهواتف أكثر ذكاءً، فهل نستطيع أن نحافظ على مجتمعات لا يفقد فيها الإنسان دفء الإنسان؟وربما يبدأ الجواب بخطوة صغيرة لا تحتاج إلى استراتيجية وطنية ولا إلى موازنة حكومية… أن نطرق باب جارنا، لا لنسأله عن شيء، بل لنعرف من هو.

المصدر: عمون