شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

النظر من السماء

النظر من السماء

يارا الحايك ** من السماء، تبدو الحياة أسهل مما هي عليه، تبدو الغابات مساحات خضراء والبراري امتدادًا هادئًا، والمدن بقعًا من الحجر والضوء، والكائنات التي تتحرك تحت الأجنحة نقاطًا صغيرة تعرف طريقها. لا نرى خوف الغزال، ولا قلق الذئب، ولا ذاكرة الفيل، ولا الصراع الخفي داخل الإنسان. نرى الحركة، لكننا لا نرى ما يدفعها. ولهذا، وبينما كان سرب من الصقور يحلّق ذات صباح فوق الأرض، قال أحدها: نحن نرى العالم كله، لكن هل نفهمه؟ قال آخر: نحن نعرف كيف نعيش. نعرف متى ننفرد ومتى نعود إلى السرب. فأجابه: وهل نعرف لماذا يعيش الآخرون بالطريقة التي يعيشون بها؟ ساد الصمت. كان السؤال أبعد من حدود السماء. اقترح أحد الصقور أن يهبط واحد منهم إلى الأرض، لا ليحكم على ما يراه، بل ليعيش ما يراه؛ أن يشعر بما تشعر به الكائنات، ويختبر ما تختبره، ثم يعود إلى السرب بما لم تستطع السماء أن تخبرهم به. هبط الصقر. كانت حياته الأولى بين الذئاب. في يوم خرج القطيع للصيد، وكان أحد الذئاب أبطأ من الآخرين. توقع الصقر أن يتركوه؛ فالبقاء، كما بدا له من السماء، للأقوى. لكن القطيع تباطأ من أجله، وتراجع أحد الذئاب إليه، ثم تبعه آخر. تأخر الصيد، لكنهم لم يتركوه. هناك فهم الصقر أن الجماعة لا تكون قوية فقط عندما تتقدم، بل أحيانًا عندما تتوقف من أجل أحد أفرادها. وفهم أن الانتماء يمنح الأمان، لكنه يفرض في المقابل قواعده وواجباته. ثم صار غزالًا. هذه المرة لم يراقب الخوف؛ بل عاشه. كان يشعر بالخطر قبل أن يراه، وحين ظهر المفترس اندفع مع القطيع دون وقت للتفكير. وبعد أن نجا، فهم أن ما كان يسميه من السماء "هروبًا" لم يكن جبنًا، بل استجابة للبقاء، وأن الحكم على سلوك الآخرين دون معرفة ما يخشونه قد يجعلنا نظلمهم. ثم عاش بين الفيلة. رأى صغيرًا يبتعد عن القطيع، فتغير اتجاه الجميع حتى عاد. ورأى كبيرًا يضعف، فلم تسأل الجماعة عن فائدته، بل بقيت حوله. هناك فهم أن بعض الجماعات تقيس قوتها بقدرتها على حماية من لم يعد قادرًا على رد الجميل، وأن الذاكرة ليست ما نحتفظ به من الماضي فحسب، بل ما نحمله من مسؤولية تجاهه. ثم جاءت التجربة الأصعب: الإنسان. اختار أن يعيش حياة إنسان عادي؛ بلا سلطة ولا ثروة ولا مكانة تمنحه حصانة من الآخرين. اكتشف أن الإنسان يعيش داخل أسراب لا تُرى: أسرة، وأصدقاء، ومهنة، ومجتمع، ووطن، وأفكار، ومصالح. وأن الجماعة لا تحدد فقط ما يفعله الفرد، بل تؤثر أحيانًا في ما يراه صوابًا وخطأ. وفي يوم وجد نفسه أمام إنسان أضعف منه، يستطيع أن يستغل حاجته ليحقق منفعة لنفسه. لم يكن الأمر مخالفًا للقانون، وكانت الجماعة من حوله تراه فرصة طبيعية. تردد. كان يستطيع أن يفعل، وكان يستطيع أن يبرر لنفسه ما يفعل، لكنه تراجع. وللمرة الأولى فهم أن الأخلاق ليست غياب القدرة على الأذى، بل القدرة عليه ثم مقاومته. لكن الإنسان فاجأه مرة أخرى. في موقف آخر، وجد نفسه بين جماعة تعرف أن ما تفعله خطأ، لكنها استمرت فيه لأن الجميع يفعله. لم يكن أحد يجهل الحقيقة، لكن كل واحد كان ينتظر الآخر ليقولها أولًا. عندها اكتشف الصقر أن أخطر ما تفعله الجماعة ليس أن تجبر الفرد على الخطأ، بل أن تجعله يشعر بأن الخطأ طبيعي ما دام الجميع يفعله. وهنا فهم الإنسان. إنه يحمل شيئًا من الذئب حين يبحث عن القوة والانتماء، وشيئًا من الغزال حين يخاف، وشيئًا من الفيل حين يحمي أسرته وذاكرته، لكنه يمتلك فوق ذلك قدرة أخرى: أن يقف لحظة أمام نفسه ويسأل: هل ما أفعله هو ما أريد، أم ما يريد مني السرب أن أكونه؟ انتهت الرحلة، وعاد الصقر إلى السماء، التف السرب حوله وسأله: ماذا وجدت؟ قال: وجدت أننا كنا نخطئ حين نحكم على الأرض من فوقها. رأيت الضعف فوجدت وراءه خوفًا، ورأيت القوة فوجدت وراءها مسؤولية، ورأيت الجماعة فوجدت داخلها أمانًا وقيودًا في الوقت نفسه. ثم سكت قليلًا وقال: أما الإنسان، فوجدته أكثر الكائنات تعقيدًا؛ لأنه يستطيع أن يكون ابن سربه، وأن يصبح أسيره، وأن يختار، إذا امتلك الشجاعة، أن يراجعه. قال أحد الصقور: وهل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا سرب؟ أجاب: لا أظن. لكنني تعلمت أن المشكلة ليست في أن يكون للإنسان سرب، وإنما في أن يفقد نفسه داخله. ارتفع السرب. كانت المدن تحتهم كما كانت؛ آلاف البشر يتحركون في طرقاتهم، وكل واحد منهم يحمل داخله حكاية لا تستطيع عين من السماء أن تراها. لكن الصقر لم يعد يرى الأرض بالطريقة نفسها، لقد عاد إلى السماء، لكنه لم يعد يملك رفاهية النظر إليها من علٍ. فقد اكتشف أن المسافة تمنحنا الصورة، لكنها لا تمنحنا الحقيقة، وأن أسهل الأحكام هي تلك التي نصدرها على حياة لم نعشها. ومنذ ذلك اليوم، كلما حلق فوق مدينة، لم يعد يسأل: كيف يعيش البشر؟ بل صار يسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: حين ننظر إلى الآخرين من السماء، هل نراهم كما هم، أم كما تسمح لنا مسافتنا أن نراهم؟ وربما كان ذلك هو الدرس الذي لم يتعلمه الصقر إلا بعد أن هبط: أن بعض الحقائق لا تُرى من السماء؛ لأن فهم الحياة لا يبدأ حين نراها من الأعلى، بل حين نمتلك الشجاعة لنعيشها من الداخل. ** كاتبة سورية

المصدر: الرؤية