شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عون وسلام: اختلاف المدارس لا يعني افتراقاً في السلطة

عون وسلام: اختلاف المدارس لا يعني افتراقاً في السلطة

في العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ثمة ما يستحق القراءة أبعد من الروايات التي تتحدث عن أزمة مفتوحة بين بعبدا والسرايا، أو عن مراجعة نقدية يجريها سلام لعلاقته برئيس الجمهورية، وصولاً إلى تصوير زيارته الجنوب بالتنسيق مع الرئيس نبيه بري وإطلالته عبر شاشة "أن بي أن" على أنهما رسالتان سياسيتان إلى بعبدا. فالتباينات موجودة، لكن تحويلها إلى مشروع افتراق يتجاوز ما تسمح به الوقائع المتاحة.

منذ البداية، لم تكن العلاقة بين عون وسلام مبنية على معرفة شخصية عميقة أو تجربة عمل مشتركة طويلة. فالرجلان ينتميان إلى مدرستين مختلفتين في السياسة والاقتصاد والإدارة، ولم تجمعهما شراكة سابقة تسمح بافتراض وجود انسجام تلقائي بينهما. وكان متداولاً في الكواليس السياسية، خلال الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة، أن عون كان يميل إلى خيار نجيب ميقاتي، بحكم المعرفة والتجربة المشتركة معه، قبل أن تفضي الاستشارات إلى تسمية سلام. وهذه الخلفية تفسّر جانباً من طبيعة العلاقة، لكنها لا تكفي وحدها للاستنتاج بأن التباعد كان قدراً محتوماً منذ ولادتها.

اختلاف المقاربات لا يلغي التنسيق

ظهرت التباينات بين الرجلين في أكثر من ملف، من التعيينات مروراً بالسياسة الخارجية وليس انتهاء بالطعن بقانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، وما أثاره من تساؤلات عن مستوى التشاور بين الرئاستين، إلى مقاربة اتفاق الإطار مع إسرائيل، حيث يتقدم دور رئيس الجمهورية في المسار التفاوضي، فيما يحاول رئيس الحكومة تثبيت موقع مجلس الوزراء في تحديد الأولويات والضمانات والمهل التنفيذية. ويضاف إلى ذلك اختلاف الخلفيات في إدارة الملفات الاقتصادية والإصلاحية، وتحديد حدود الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار.

لكن هذه التباينات لا تعني أن العلاقة دخلت مرحلة الجفاء او احتمال القطيعة. وتجزم مصادر مقربة من الرئاسة الأولى أن التواصل بين عون وسلام مستمر، والتنسيق في الملفات الأساسية قائم، فيما تفرض طبيعة النظام اللبناني أن تكون العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة محكومة بالتعاون، حتى عندما تتباين وجهات النظر. كما أن الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بالوضع اللبناني، ولا سيما الجنوب وحصر السلاح بيد الدولة ومسار التفاوض، تضيق هامش المناورة أمام أي محاولة لتحويل الخلافات إلى مواجهة مفتوحة.

بري وسلام: تقاطع مصالح لا تحالف سياسي

في هذا السياق، تكتسب العلاقة بين سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري دلالتها الفعلية. فسلام يدرك أن أي قرار حكومي كبير يحتاج إلى مراعاة التوازنات النيابية والسياسية، وأن التعاون مع بري عنصر أساسي في تمرير القرارات وتوفير الغطاء اللازم لها. أما بري، فيدرك بدوره أن الحفاظ على علاقته برئيس الحكومة يكتسب أهمية إضافية في المرحلة الراهنة، إذ إن أي إجراءات تتصل بالجنوب وإعادة الإعمار وتثبيت حضور الدولة تحتاج إلى قرارات حكومية ومتابعة تنفيذية.

من هنا، لا تبدو زيارة سلام الجنوب، وإطلالته على "أن بي أن"، ولقاءاته مع بري دليلاً كافياً على تشكّل محور سياسي جديد في مواجهة عون. الأصح أنها تعكس تقاطع مصالح بين الرجلين، يستطيع كل منهما توظيفه في تعزيز موقعه داخل السلطة. وقد يتيح هذا التقاطع لبري وسلام هامشاً أوسع في مواجهة أي قرار لا ينسجم مع حساباتهما، لكن ذلك لا يعني أن أحدهما بات تابعاً للآخر، أو أن التنسيق بينهما يستهدف حكماً رئيس الجمهورية.

أما تصوير هذه التحركات على أنها مراجعة من سلام لعلاقته بعون، فيخدم رواية سياسية تسعى إلى تضخيم التباينات وتحويلها إلى شرخ داخل السلطة. ولا يمكن استبعاد أن تكون بعض الجهات معنية بتوسيع المسافة بين بعبدا والسراي، لكن إثبات وجود محاولة منظمة للإيقاع بينهما يحتاج إلى معطيات تتجاوز التأويل الإعلامي.

في المحصلة، العلاقة بين عون وسلام ليست بالضرورة علاقة انسجام شخصي أو تطابق في المدارس، لكنها لا تبدو أيضاً علاقة افتراق سياسي. فالتنسيق لا يزال قائماً، والتباينات تُدار ضمن المؤسسات، فيما يشكل العاملان الإقليمي والدولي الداعم لسلام وعون ضابط إيقاع أساسياً لحركة السلطة، ولا سيما في الملفات الأمنية والتفاوضية. لذلك، فإن ما يجري أقرب إلى إعادة تنظيم هوامش الحركة وتوزيع الأدوار داخل الحكم منه إلى انقلاب في التحالفات أو قطيعة بين الرئاستين.

المصدر: النهار