قراءة في أداء اقتصادات الشرق الأوسط بالنصف الأول من 2026
أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ترتيب الأولويات الاقتصادية في الشرق الأوسط خلال النصف الأول من 2026؛ فأصبح تأمين الطاقة واستمرار التجارة وحماية القدرة الشرائية أكثر إلحاحاً. ومنذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير، انتقلت تداعياتها من ميادين القتال إلى كلفة الإنتاج والتمويل وقرارات الاستثمار.
ووصف جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، المشهد في 16 نيسان/أبريل بأنه "صدمة واسعة وعميقة لا تزال تتكشف". وتبيّن المؤشرات تفاوت النتائج بحسب تنوع الاقتصاد، ومسارات إمداده، وقدرته المالية على الاستجابة.
صدمة الطاقة
كانت الطاقة أسرع قنوات انتقال الصدمة. فوفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفع متوسط سعر برنت من 70.89 دولاراً للبرميل في شباط إلى 117.29 دولاراً في نيسان، بزيادة تقارب 65.5%، ثم تراجع إلى 85.40 دولاراً في حزيران/يونيو. وهذا يعني أن انحسار موجة الأسعار لم يُعد المتوسط إلى مستوى ما قبل الحرب؛ إذ ظل أعلى بنحو 20.5% من شباط.
وربطت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر في تموز/يوليو المنصرم هبوط الأسعار في حزيران باستئناف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. اقتصادياً، زادت هذه التقلبات صعوبة تسعير العقود وإعداد الموازنات وتقدير كلفة النقل.

في الاقتصادات المستوردة للطاقة، تحولت الصدمة إلى ضغط مباشر على الإنفاق العام والطلب على الدولار. ففي مصر، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 28 آذار/مارس ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في كانون الثاني/يناير 2026 إلى 2.5 مليار في آذار، أي أكثر من الضعف، قائلاً: "في مارس بسبب الحرب ارتفعت إلى 2.5 مليار دولار". وتوضح هذه القفزة المعضلة المالية: تحمل الدولة الزيادة يضغط على الموازنة، وتمريرها إلى المستهلك يرفع كلفة المعيشة، بينما يخفف ترشيد الاستهلاك جزءاً من العبء.
التمويل يتقهقر
في إيران، عمّقت الحرب أزمة أسعار سبقتها العقوبات واختلالات الاقتصاد. وبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ ارتفاع أسعار المستهلك على أساس سنوي 88.6% بين 22 آيار/مايو إلى 21 حزيران. وهو مؤشر لتآكل القدرة الشرائية، مع تداخل آثار الحرب والعوامل السابقة لها.
وفي إسرائيل، قدرت وزارة المالية في 12 نيسان الإنفاق الإضافي الناجم عن الحرب بنحو 35 مليار شيكل، تعادل حينها 11.52 مليار دولار؛ منها 22 مليار شيكل للدفاع. وهذا تقدير أولي معلن أثناء النصف الأول، وليس حصيلة الأشهر الستة.
وامتدت الآثار إلى التمويل، إذ أفاد صندوق النقد الدولي بارتفاع فروق العائد على الديون السيادية في عدد من الدول المستوردة للنفط بمقدار 50 إلى 100 نقطة أساس خلال آذار، قبل عودتها إلى مستويات ما قبل الحرب بعد إعلان وقف إطلاق النار في نيسان. وتوضح هذه الحركة سرعة انتقال المخاطر الجيوسياسية إلى كلفة الاقتراض، حتى في الاقتصادات البعيدة عن القتال، كما تؤكد أن أثرها يتغير مع تطورات التهدئة.
#Quote#
في الخليج، برزت قيمة الاستثمارات السابقة في البنية التحتية وإدارة السيولة: ساعد استخدام السعودية خط أنابيب "شرق – غرب" وموانئ البحر الأحمر على إعادة توجيه الشحنات، وأشاد صندوق النقد في حزيران بمتانة الأسس الاقتصادية وتنوع البنية النفطية واللوجستية. والدلالة الاقتصادية أن امتلاك منافذ بديلة ومؤسسات قادرة على التحرك السريع أصبح عنصراً أساسياً في استمرارية الأعمال وأمن الإمدادات.
وتبرز البيانات الإماراتية دور التنويع في دعم النشاط. فقد بلغ الناتج المحلي الحقيقي 961.9 مليار درهم في النصف الأول، بزيادة سنوية 0.4%، وفق التقديرات الأولية للمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر. ونما الناتج غير النفطي 1.8%، وبلغت حصته 79.2% من الاقتصاد. وسجلت الأنشطة المالية والتأمين نمواً 14.8%، والمعلومات والاتصالات 7.3%، والتشييد والبناء 5.1%. وتشير هذه النتائج إلى أهمية تعدد محركات النمو في توفير مصادر للنشاط خلال الاضطرابات، وفقاً لوكالة الأنباء الإماراتية.

وعلى صعيد السياسات، اعتمد المصرف المركزي الإماراتي في 17 آذار حزمة استباقية لتعزيز مرونة المؤسسات المالية، شملت تسهيلات سيولة بالدرهم والدولار وإتاحة استخدام ما يصل إلى 30% من متطلبات الاحتياطي النقدي. وأكد المحافظ خالد محمد بالعمى في 10 نيسان: "نلتزم في المصرف المركزي حماية واستقرار المنظومة المالية للدولة وتعزيز مرونتها وتنافسيتها وريادتها العالمية". وتكمن أهمية هذه الأدوات في دعم استمرار الائتمان والمدفوعات وقدرة الشركات على تمويل نشاطها.
وتشير حصيلة النصف الأول إلى ارتفاع القيمة الاقتصادية للتنويع، والمخزونات، والمسارات التجارية البديلة، والدعم الموجه للأسر. وفي 8 نيسان، شددت روبرتا غاتي، كبيرة اقتصاديي المنطقة في البنك الدولي، على ضرورة "عدم إغفال العمل اللازم لتحقيق سلام وازدهار دائمين". فالاستجابة الفعالة تتطلب ربط احتواء الصدمة بحماية الاستثمار المنتج؛ وتبقى استدامة التهدئة شرطاً لتحويل القدرة على الصمود إلى نمو مستقر.
المصدر: النهار