الراعي الوحيد
إسماعيل بن شهاب البلوشي كثيرًا ما نفكر في الحياة، ونتطلع إلى أجمل ما فيها، ونحلم لأنفسنا وأوطاننا ومجتمعاتنا بمستقبل أكثر ازدهارًا وأمنًا واستقرارًا. ننشغل بما يُمكن أن نحققه من إنجازات، وما نستطيع أن نوفره من أسباب الراحة والرفاهية، ونقيس تقدمنا بما نمتلكه من وسائل حديثة، وما نبلغه من تطور في شتى مجالات الحياة. وتظل عقولنا مشغولة بالغد، وكأنَّ السعادة تقف دائمًا في مكان بعيد، تنتظر منَّا أن نصل إليه. ولكن الإنسان، مهما اتسعت آفاق طموحاته وتعددت مشاغله، يحتاج أحيانًا إلى أن يبتعد بفكره عن عالمه المزدحم، وأن يمنح روحه شيئًا من الهدوء، ليستعيد إحساسًا قديمًا بجمال الحياة وبساطتها، ذلك الإحساس الذي ربما غاب عنَّا ونحن نسابق الزمن بحثًا عن حياة أجمل. وحين يجد الكاتب أو الشاعر لحظة صفاء، فيقرأ قصيدة أو يستمع إلى معزوفة موسيقية، قد تفتح أمامه نافذة لم يكن يتوقعها، وتُعيد إليه صورًا من عالم بعيد، لم يعشه بالضرورة، ولكنه يشعر وكأنَّه يعرفه منذ زمن طويل. وهكذا وجدت نفسي أمام معزوفة موسيقية تحمل عنوانًا عجيبًا في بساطته، عميقًا في معناه: «الراعي الوحيد». معزوفة ألّفها الموسيقار الألماني جيمس لاست، واشتهرت بصوت الناي الساحر الذي عزفه الموسيقار الروماني جورج زامفير. غير أن ما استوقفني لم يكن جمال اللحن وحده، وإنما ذلك العنوان الذي أخذ بخيالي إلى حياة أخرى، بعيدة كل البُعد عن عالمنا الذي نعيشه اليوم. تخيلتُ راعيًا يعيش في زمن لم تكن فيه اتصالات ولا هواتف، ولا سيارات ولا وسائل نقل حديثة، ولا شاشات تنقل إليه أخبار العالم وأحداثه. إنسانًا يبدأ نهاره مع أول خيوط الفجر، ويسير خلف أغنامه في رحاب الطبيعة، تتقدمه الهضاب وتمتد أمامه الجبال، وتحيط به سهول ووديان لا يسمع فيها إلا أصوات الرياح، وتغريد العصافير، وثغاء الأغنام، وحفيف الأشجار. يتنقل من مكان إلى آخر، يبحث عن العشب والماء، ويعرف من تضاريس الأرض ما لا يعرفه غيره، ويقرأ في السماء علامات المطر، وفي حركة الرياح تبدل الفصول، وفي سكون الطبيعة أو اضطرابها ما يخبره عن يومه القادم. إنه وحيد في نظر من يراه من بعيد، لكنه ربما لم يكن يشعر بالوحدة كما نتصورها نحن اليوم. فقد كانت الطبيعة عالمه، وكانت أغنامه رفقاء رحلته، وكانت الجبال التي يراها كل صباح جزءًا من ذاكرته، وكانت الأرض التي تطأها قدماه موطنًا للألفة والطمأنينة. ولعل أجمل ما في تلك الصورة أن الراعي لم يكن يحمل هموم العالم كله، ولم تكن الأخبار تتزاحم في رأسه، ولا الأحداث تتعاقب أمام عينيه كما يحدث معنا اليوم. كانت له همومه الخاصة، يخشى على أغنامه من الضياع والذئاب، ويتطلع إلى المطر إذا أجدبت الأرض، ويفرح إذا وجد مرعى خصبًا، ويطمئن حين يجمع قطيعه عند المساء. كانت مخاوفه قريبة من حياته، وكانت أفراحه تولد من أشياء تبدو لنا اليوم صغيرة، لكنها في عالمه كانت تعني الكثير. وحين نتأمل تلك الحياة، لا بد أن نسأل أنفسنا: هل كان ذلك الراعي أقل سعادة منا لأنه لم يمتلك ما نمتلكه؟ وهل كانت الحياة أقل جمالًا يوم لم يعرف الإنسان هذه الوسائل التي أصبحت اليوم ضرورة لا نستطيع الاستغناء عنها؟ ليس بالضرورة؛ فقد يكون ذلك الراعي، وهو يجلس على صخرة عند سفح جبل، يستمع إلى الرياح وهي تعبر الوادي، أكثر صفاءً من إنسان يعيش وسط كل أسباب الرفاهية، لكنه لا يجد لحظة يطمئن فيها إلى نفسه. وربما كانت ساعات صمته الطويلة عالمًا واسعًا من التفكير والتأمل، يتذكر فيها أهله وأحبته، ويستعيد أحداث أيامه، ويتأمل ما حوله من خلق الله، دون أن يزاحمه ضجيج أو تقاطعه رسالة أو يشغله خبر بعيد. هنالك تولد القيثارة اللحن حين يمطي الفكر والإبداع من خلال مزماره الصغير فيجلب السامع غير المشاهد أصلًا ويحضر جلسة التأمل يشاركه اللامحسوس من البشر تلك المقطوعة المنسية المنتهية بصمته ليس أكثر. وليس معنى ذلك أن حياة الماضي كانت خالية من الشقاء، أو أن حياة الراعي كانت سهلة كما يرسمها الخيال. فقد عرف الإنسان في تلك الأزمنة قسوة الطبيعة وشدة الحاجة والخوف من المجهول. غير أن ذلك كله لم يمنعه من أن يجد في تفاصيل يومه معنى للحياة، وأن يختبر شعورًا بالرضا قد نفتقده نحن رغم وفرة ما بين أيدينا. وهنا تأخذنا معزوفة «الراعي الوحيد» إلى معنى أعمق من مجرد الاستمتاع بلحن جميل. إنها تدعونا، بما تثيره في خيالنا، إلى التفكير في تلك المسافة الطويلة التي قطعها الإنسان من حياة الطبيعة والبساطة إلى حياة المدنية والتكنولوجيا. مسافة حقق خلالها من المنجزات ما يستحق الفخر، واستطاع أن يختصر الزمن والمسافات، وأن يجعل العالم كله حاضرًا بين يديه، لكنه ربما فقد في الطريق شيئًا من ذلك الهدوء الذي كان يمنحه فرصة التأمل العميق. ولعل المفارقة أن الإنسان الذي حلم قديمًا بتخفيف مشقة الحياة، وابتكر الوسائل التي توفر له الراحة والوقت، أصبح اليوم أكثر انشغالًا، وكأن كل وسيلة تمنحه وقتًا إضافيًا تفتح أمامه في المقابل أبوابًا جديدة من المشاغل. لقد كنا نظن أن امتلاك المزيد سيمنحنا مزيدًا من الطمأنينة، ثم اكتشفنا أن الطمأنينة ليست شيئًا يُشترى، وأن راحة النفس لا ترتبط دائمًا بكثرة الممتلكات أو وفرة الوسائل. ومع ذلك، فإن العودة بالخيال إلى حياة الراعي لا تعني الدعوة إلى التخلي عن الحضارة أو إنكار فضل التقدم، فالأوطان لا تبنى بالأحلام وحدها، والمجتمعات لا تنهض دون علم وعمل وتخطيط وإنجاز. ولكنها دعوة إلى ألا ننسى الإنسان ونحن نبني عالمه، وألا نجعل الوسائل التي صنعناها لراحته تتحول إلى أعباء تثقل روحه. فربما كانت تلك اللحظات التي يقضيها الراعي وحيدًا بين الجبال، مستمعًا إلى الطبيعة ومتأملًا في خلقها، هي نفسها اللحظات التي تولد فيها الأفكار الكبيرة. فالإنسان يحتاج إلى السكون كما يحتاج إلى الحركة، وإلى التأمل كما يحتاج إلى العمل. ومن صفاء الفكر قد تنشأ الرؤية، ومن الرؤية يولد الحلم، ومن الحلم يبدأ الإنجاز. وربما لو امتد بنا الخيال أكثر، لرأينا في ذلك الراعي إنسانًا يتأمل المسافات التي يقطعها كل يوم، ويحلم بوسيلة تقرب البعيد، أو يتطلع إلى مورد ماء لا ينقطع، أو يتمنى مأوى يحميه من قسوة الرياح والمطر. ومن مثل تلك الأمنيات البسيطة انطلقت، عبر أجيال طويلة، رحلة الإنسان في البحث والاكتشاف وصناعة الحضارة. وهكذا لا يصبح الراعي رمزًا للماضي وحده، بل رمزًا للبدايات الأولى لذلك الفكر الإنساني الذي قادنا إلى ما نحن عليه اليوم. وما أجمل أن نعود أحيانًا إلى هذه البدايات، لا لكي نقيم فيها، وإنما لكي نتذكر منها ما يعيننا على فهم حاضرنا، وما يلهمنا أن نجعل مستقبلنا أكثر إنسانية. وحين أستمع إلى «الراعي الوحيد»، أشعر وكأن صوت الناي لا يأتي من آلة موسيقية، وإنما من مكان بعيد بين الجبال، حيث يقف ذلك الراعي عند الغروب، وقد جمع أغنامه، وألقى نظرة أخيرة على الوادي الذي أمضى فيه نهاره. تسكن الرياح قليلًا، وتعود الطيور إلى أعشاشها، ويمتد ظل الجبل على الأرض، بينما يظل هو هناك، يحمل في صدره عالمًا من الذكريات والأمنيات لا يعرفها أحد سواه. عندها ندرك أن الإنسان، مهما تغيرت الأزمنة وتقدمت الحضارات، يبقى في أعماقه ذلك الكائن الذي يبحث عن الأمان، ويحب الجمال، ويشتاق إلى السكينة، ويحلم بغد أفضل. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذا الراعي المتخيل أن الحياة لا تقاس بما نملك وحده، وإنما بما نشعر به ونحن نعيشها؛ وأن الحضارة الحقيقية ليست فقط أن نجعل حياتنا أكثر سهولة، بل أن نجعل نفوسنا أكثر طمأنينة، وقلوبنا أكثر صفاءً، وأفكارنا أكثر رحابة. فما قيمة أن نمتلك العالم كله، إذا فقدنا القدرة على الاستمتاع بصوت عصفور، أو نسمة ريح، أو لحظة غروب؟ وما أجمل أن نبني لأوطاننا أعظم المنجزات، ونوفر لمجتمعاتنا أرقى أسباب العيش، دون أن نفقد ذلك الإنسان البسيط الذي يسكن في أعماقنا، والذي ما زال، رغم كل ما بلغناه من تقدم، يتمنى أحيانًا أن يجلس وحيدًا فوق هضبة بعيدة، يصغي إلى صمت الطبيعة، ويكتشف أن بعض أجمل ما في الحياة لا يحتاج إلى شيء سوى قلب يشعر، وعقل يتأمل، وروح تعرف معنى السلام. واخيرًا لك عزيزي الانسان هل تتمنى للحظةٍ أن تكون راعيًا في مكان بعيد وتعزف الناي ليستمع لك من تحب؟
المصدر: الرؤية