شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من قلبي سلامٌ لبيروت

من قلبي سلامٌ لبيروت

محمد بن سلطان الساعدي عرفتُ اسم بيروت من مكتبة بيروت حينما كانت في القرم بمسقط قبل سنوات، وتعرّفت يومها على الأستاذ محمد السعداوي صاحب المكتبة وعلى الأخ تامر المصري، الذي كان يُطلعني على كل جديد من الإصدارات المهمة لعدد من الأدباء، وكغيري من القراء الذين يترددون على المكتبة لاقتناء الكتب، كان يأخذني من كتاب إلى آخر، ومن تجربة أدبية إلى تجربة مختلفة، ولا تزال تلك الكتب جزءًا من الأرشيف الجميل في مكتبة بيتي، تحتفظ بذكريات تلك الأيام، وبأسماء كتّاب تعرّفت عليهم من خلال صفحاتهم قبل أن أعرف شيئًا عن الأماكن التي عاشوا فيها، أو الشوارع التي مروا بها، أو المقاهي التي جلسوا فيها يكتبون ويقرأون. كانت مكتبة بيروت أكثر من مكان لشراء الكتب؛ كانت نافذة صغيرة نطلُ منها على مدينة كبيرة، مدينة طالما سمعت عنها في أحاديث المثقفين، وقرأتُ عنها في الصحف، وتتبعت أخبارها في الكتب. ومن تلك المكتبة تعرّفت على بيروت، العاصمة اللبنانية التي ظلّت في مخيلتي لسنوات، وكنت أحلم بزيارتها يومًا، لا لشيء سوى أن أرى بعيني ما عرفته من خلال القراءة، وأن أمشي في شوارع حملت أسماءها الروايات، وارتبطت حكاياتها بذاكرة الأدب العربي. هناك مدن نعرفها قبل أن نصل إليها، ومدن أخرى لا نكتشفها إلا حين تطأ أقدامنا أرضها. وبيروت من المدن التي تبدأ علاقتنا بها قبل السفر بوقت طويل. قد يأتي ذلك من كتاب قرأناه، أو قصيدة استوقفتنا، أو حكاية سمعناها من صديق عاد منها محمّلًا بانطباعات لا تنتهي. وربما تأتي من صورة قديمة لمبنى في شارع الحمرا، أو من اسم مقهى تكرر في أحاديث الكتّاب والصحفيين. ومع مرور السنوات، تتحول المدينة إلى فكرة تسكن الذاكرة، حتى يصبح الوصول إليها أشبه بلقاء مؤجل مع شخص نعرفه منذ زمن ولم نلتقِ به من قبل. بيروت ليست مدينة عادية في ذاكرة العرب. ارتبط اسمها بالصحافة والكتاب والمسرح والفن، وكانت لسنوات طويلة محطة مهمة للمثقفين والناشرين والباحثين عن مساحة أوسع للكلمة. منها خرجت كتب وصلت إلى مكتبات بعيدة، ومنها انتشرت مجلات وصحف صنعت جزءًا من الوعي الثقافي العربي. وكانت دور النشر فيها تفتح أبوابها لأسماء جديدة، وتمنح الكتاب فرصة أخرى للوصول إلى قارئ ينتظر ما هو مختلف. ولعل علاقتي بالصحافة جعلت هذا الجانب من بيروت أقرب إليّ من غيره؛ فالصحفي حين يسمع اسم مدينة مثل بيروت، لا يتذكر شوارعها وأسواقها فقط، وإنما يتذكر أيضًا ما كتب عنها، ومن عمل في صحافتها، وما شهدته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية. إنها مدينة لا يمكن فصلها عن تاريخ الصحافة العربية، ولا يمكن النظر إلى ماضيها الثقافي بمعزل عن الحكايات التي صنعتها الصحف والمجلات والكتب. ومنذ سنوات، كانت بيروت حاضرة في تفاصيل كثيرة من حياتنا، حتى ونحن بعيدون عنها. نقرأ أخبارها في الصحف، ونسمع أسماء أحيائها، ونتابع ما يحدث فيها من أحداث، ثم نعود إلى كتبنا كأننا نحاول أن نفهم المدينة من خلال ما تركته لنا من كلمات. وربما لهذا السبب ظلّت صورتها في ذهني مختلفة عن صور مدن أخرى؛ فهي مدينة تتداخل فيها الثقافة مع الحياة اليومية، ويجاور فيها التاريخ الحديث تفاصيل الناس العادية، وتظل فيها الذاكرة حاضرة حتى عندما تتغير الوجوه والأماكن. وحين أتذكر مكتبة بيروت في القرم، أستعيدُ تلك العلاقة الأولى التي جمعتني باسم المدينة. لم أكن قد زُرتها، لكن الكتب كانت تمنحني شيئًا من القرب منها. كنت أعود إلى البيت ومعي إصدارات جديدة، أضعها في مكتبتي وأقرأ بعضها، وأحتفظ ببعضها الآخر لوقت مناسب. ومع السنوات، صارت هذه الكتب جزءًا من ذاكرة شخصية لا تتعلق بمحتواها وحده، بل بالمرحلة التي اقتنيتها فيها، وبالأحاديث التي صاحبت اختيارها، وبالأسماء التي تعرّفت عليها من خلالها. وتلك واحدة من مزايا الكتاب؛ أنه لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة، ولا تتوقف قيمته عند اللحظة التي نغلق فيها غلافه. فقد يظل الكتاب سنوات في المكتبة، ثم نعود إليه يومًا فنستعيد معه زمنًا كاملًا. نتذكر المكان الذي اشتريناه منه، والحديث الذي دار حوله، وربما نتذكر شخصًا كان له فضل في تعريفنا به. وهكذا تتحول الكتب إلى شواهد صغيرة على حياتنا، تحفظ ما لا تستطيع الصور وحدها أن تحفظه. أمَّا بيروت، فقد عرفتُ من خلال ما قرأت أنها مدينة لا يمكن اختصارها في صورة واحدة. فيها جمال البحر، وحركة الشوارع، وتنوع الأحياء، وفيها كذلك آثار الحروب والأزمات التي تركت بصماتها على حياة الناس. ومن الإنصاف ألا نتحدث عنها بوصفها مدينة جميلة فقط، أو مدينة أنهكتها الظروف فحسب؛ فبيروت، مثل مدن كثيرة، تحمل الوجهين معًا. فيها ما يدعو إلى الفرح، وفيها ما يدفع على الحزن، وبينهما يعيش الناس يومهم، يحاولون أن يحافظوا على أعمالهم وبيوتهم وعلاقاتهم، وأن يجدوا مساحة للحياة وسط ما يمرون به من صعوبات. والمدينة، في النهاية، ليست مبانيها وحدها، ولا شوارعها التي تظهر في الصور، بل أهلها أيضًا. هؤلاء الذين يفتحون محالهم في الصباح، ويجلسون في المقاهي، ويختلفون ويتفقون، ويبحثون عن رزقهم، ويحاولون أن يجعلوا الحياة ممكنة مهما تغيرت الظروف. وربما تكون هذه التفاصيل البسيطة هي ما يجعلنا نقترب من المدن أكثر من أي وصف آخر؛ لأننا حين نزور مكانًا جديدًا، لا نبحث عن المشاهد المعروفة فقط، بل نريد أن نرى كيف يعيش الناس فيه، وما الذي يشغلهم، وكيف ينظرون إلى مستقبلهم. ولبيروت في ذاكرة الثقافة العربية مكانة لا يمكن إنكارها؛ فقد استقبلت كُتّابًا ومثقفين من بلدان مختلفة، واحتضنت تجارب صحفية وأدبية تركت أثرها في أجيال متعاقبة. ولم تكن أهميتها في كثرة ما طبعته من كتب فحسب، بل في قدرتها على أن تكون نقطة لقاء بين أفكار وتجارب متعددة. وربما لهذا بقي اسمها حاضرًا عند القراء، حتى أولئك الذين لم يزوروها يومًا، لأن علاقتهم بها تشكلت من خلال ما قرؤوه وما عرفوه عن تاريخها. ومن هنا أفهمُ لماذا ظلَّت بيروت حاضرة في أحلامي طوال تلك السنوات. لم يكن الأمر رغبة في السفر لمجرد السفر، ولا بحثًا عن صورة ألتقطها وأعود بها؛ بل كانت رغبة في الاقتراب من مكان ارتبط عندي بالكتاب والصحافة والثقافة. كنت أريد أن أرى الشوارع التي سمعت عنها، وأن أتعرف على المدينة بعيدًا عن صفحات الكتب، وأن أكتشف ما الذي بقي من تلك الصورة التي تشكلت في ذهني على مدى سنوات طويلة؛ فالإنسان يحمل معه، أينما ذهب، شيئًا من الأماكن التي عرفها بالقراءة. وقد لا يكون قادرًا على تحديد اللحظة التي بدأت فيها علاقته بمدينة بعينها، لكنه يعرف أن اسمها أصبح جزءًا من ذاكرته. وحين تأتي فرصة زيارتها، يشعر بأنه لا يذهب إلى مكان مجهول تمامًا، وإنما يقترب من حكاية قديمة يريد أن يعرف بقية تفاصيلها. وليس بالضرورة أن تكون المدن كما تخيلناها. قد نصل إليها فنجد بعض ما تمنيناه، ونكتشف أشياء لم نكن نعرفها، وربما تتغير صورتها في أذهاننا بعد أن نراها عن قرب. لكن قيمة الرحلة لا تكمن في أن تطابق المدينة توقعاتنا، بل في أن تمنحنا فرصة لفهمها بصورة أوسع، وأن نرى الإنسان خلف العنوان، والحياة خلف الصورة، والتاريخ خلف المباني والشوارع. وبيروت تستحق أن تُقرأ وتُرى بعيدًا عن الأخبار العاجلة وحدها؛ فالأخبار ضرورية لفهم ما يجري، لكنها لا تكفي لمعرفة مدينة بكل ما تحمله من تاريخ وعلاقات وذكريات. هناك بيروت التي نعرفها من نشرات الأخبار، وهناك بيروت التي يعرفها أصحابها من تفاصيل الحياة اليومية، وهناك بيروت التي حفظتها الكتب في صفحاتها، وتلك التي يتذكرها من عاش فيها أو مرّ بها أو تعلّق بها من بعيد. أما أنا، فما زلت أحتفظ بتلك الصلة الأولى التي بدأت من مكتبة بيروت في القرم. أتذكر الكتب التي اقتنيتها، وأتذكر تامر المصري وهو يدلُّني على إصدارات جديدة، وأتذكر كيف كان اسم المدينة يتسع في ذهني مع كل كتاب أضيفه إلى مكتبتي. لم تكن المسافة بين مسقط وبيروت تُقاس عندي بالكيلومترات فقط، بل كانت تقصر كلما قرأت كتابًا جديدًا، أو تعرّفت على كاتب، أو وجدت في مقال ما يدفعني إلى البحث عن المزيد. وربما تكون أجمل العلاقات تلك التي تبدأ ببساطة، من رفٍ كتب أو حديث عابر أو اسم نراه للمرة الأولى، ثم تكبر مع الوقت من دون أن نشعر. هكذا كانت بيروت بالنسبة إليّ؛ بدأت اسمًا على واجهة مكتبة، ثم أصبحت عنوانًا للكتب والأدباء، ثم تحولت إلى مدينة أحلم بأن أزورها وأتعرف عليها عن قرب. وحين أقول اليوم: من قلبي سلام لبيروت، فإنني لا أقولها من باب المجاملة، ولا لأن المدن البعيدة تبدو لنا أجمل دائمًا. أقولها لأنَّ للمدن نصيبًا من حياتنا، حتى عندما لا نعيش فيها. بعضها يمنحنا ذكريات مباشرة، وبعضها يمنحنا كتبًا وأفكارًا وأسماء لا ننساها. وبيروت من المدن التي وصلت إليّ من خلال الكتب قبل أن أصل إليها بنفسي، وظلت حاضرة في مكتبتي وذاكرتي وأحلامي. سلامٌ لبيروت التي عرفناها من صفحات الكتب، وللمكتبات التي تقرّب المسافات بين المدن والناس، وللكتّاب الذين يجعلوننا نحب أماكن لم نزرها بعد. وسلام لكل مدينة تمنح قارئًا بعيدًا عنها سببًا كي يحلم بالوصول إليها يومًا. أما مكتبة بيروت، فستظل في ذاكرتي أكثر من مكان مررت به منذ سنوات؛ ستظل البداية التي عرّفتني على مدينة أحببتها قبل أن أراها، وعلى كتب بقيت في مكتبتي شاهدة على مرحلة جميلة من العمر. وقد تتغير الأماكن، وتتبدل الواجهات، وتمضي السنوات، لكن بعض البدايات لا تغادرنا، لأنها ببساطة تظل مرتبطة بما أحببناه، وبما تمنينا أن نراه يومًا بأعيننا، وكما غنت السيدة فيروز، قيثارة الغناء العربي، من كلمات الشاعر الراحل جوزيف حرب، أغنيتها الرائعة: "لبيروتْ" مِن قلبي سلامٌ لبيروت ‏وقُبَلٌ للبحرِ والبيوت لصخرةٍ كأنّها وجهُ بحارٍ قديم هيَ مِن روحِ الشعبِ خمرٌ هي مِن عرَقهِ خبزٌ وياسمين فكيف صار طعمها.. طعم نارٍ ودخان لبيروت مجدٌ من رمادٍ لبيروت من دمٍ لولدٍ حُمِل فوق يدها أطفأتْ مدينتي قنديلها

المصدر: الرؤية