شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من القلعة إلى السوق: كيف يبقى الزائر في الرستاق

من القلعة إلى السوق: كيف يبقى الزائر في الرستاق

صالح الغافري من حقنا أن نسأل وننتقد حين تتأخر المشاريع، ومن حق من يعمل أن يسمع كلمة طيبة حين تبدأ النتائج بالظهور. وبين السؤال والتقدير مساحة اسمها الإنصاف، ومنها أنظر اليوم إلى ما تشهده الرستاق. من يعيش في الرستاق أو يزورها باستمرار يلاحظ تغيرًا متواصلًا في عمرانها وتنميتها وتطويرها. ليس كل ما يتمناه الناس قد تحقق، وليست كل المشروعات قد اكتملت، لكن في أكثر من موقع عمل يتقدم وطريق يتحسن وأماكن يعاد تنظيمها وتجديدها ورسم ملامحها من جديد. وقد تبدو هذه الأعمال متفرقة، وحين تجتمع تصنع فرقا في حياة الناس وفي شكل الولاية. وبعض ما كان فكرة على الورق أصبح عملا على الأرض. فقد تجاوزت نسبة الإنجاز في مباني ممشى المدينة 50 في المائة، وانطلقت المرحلة الثالثة من تطوير عين الكسفة مع معالجة ما واجه المشروع من تحديات. والمواطن لا يقيس التنمية بعدد الصور والزيارات، وإنما بما يبقى له بعدها: طريق أكثر أمنا، وتصريف مياه يحمي بيته، ومتنفس لأسرته، ومشروع يفتح بابا للرزق. تخيَّلْ زائرًا يصل إلى حصن الحزم صباحًا، يلتقط صوره، ثم يغادر بعد ساعة إلى ولاية أخرى. لم تتح له فرصة أن يجلس ويتذوق قهوة المكان، ولم يقتنِ منتجًا محليًا، ولم يعرف أن في الحزم ما يستحق يومًا كاملًا. هذا المشهد البسيط يختصر سؤال السياحة عندنا، فكيف نجعل الزيارة إقامة. والرستاق تملك ما تحتاجه لذلك؛ إذ فيها قلعة الرستاق وحصن الحزم وعين الكسفة وعين الخضراء، وفي قلبها سوق «أبو ثمانية»، وتمتد طبيعتها إلى الحوقين وشلالاتها ووادي السحتن ووادي بني عوف وبلد سيت ووادي بني غافر، وإلى قرى مثل جماء والخاضة، وتشتهر بأفلاجها العريقة. ففي الولاية وحدها صباح بين أسوار القلعة، وظهيرة في سوق عمره قرون، وعصر في وادي بارد أو على ضفة فلج بين النخيل، ومساء عند عين تجري. وهذا التنوع إذا أحسن الربط بينه بالطريق والخدمة واللوحة الإرشادية ووجود بعض المرافق المهمة، تحولت الزيارة من ساعات قليلة إلى حركة يستفيد منها المطعم والمقهى والنزل والأسرة المنتجة والحرفي. وأعود إلى الحزم، ففيها ما لا يجتمع في كل مكان. حصن شيد في عصر اليعاربة، يخترقه فلج التيار ويمضي بين النخيل، وبيوت طينية قديمة تنتظر من يحفظها ويعيد إليها الحياة. وقد بدأت الخطوات فعلا بتطوير مدخل الحزم وتأهيل طريقها، ومن محاور المخطط الهيكلي للرستاق إحياء المناطق التراثية ودعم المشروعات الصغيرة المرتبطة بالسياحة. وما أجمل أن نرى ممشىً هادئًا على جانب الفلج تتخلله مقاهٍ صغيرة، وإنارة تضيء طريق الظهرة، ولوحات تحيي المسميات القديمة والأثرية للبلدة، وبيوتا طينية صارت مقاهي ومحال للحرف والمنتجات العُمانية، ومعرضا يستعين بالتقنيات الحديثة ليحكي للزائر قصص الماضي المجيد، وأمسية تراثية في ساحة الحصن. ومع الاستفادة من الإيواء السياحي الموجود في المنطقة يصبح المبيت خيارًا طبيعيًا للزائر، فلا يأتي ليلتقط صورة ويغادر، وإنما ليمشي ويجلس ويتذوق ويشتري ويبيت. وهذه هي الخدمات التنموية التي ينشدها أبناء المجتمع، يستفيد منها الشاب وصاحب المشروع الصغير والأسرة المنتجة. ولا أقدم هذه الأفكار وصفة جاهزة؛ فالمختصون أعلم بأولويات المكان، وهي أحلام مواطن يتمنى ألا يغادر السائح الحزم قبل أن يعرفها. وما وصل من مشروعات إلى الناس لم يصل بجهد واحد. خلفه عاملون في كل القطاعات، في المحافظة والولاية والبلدية والجهات الحكومية والشركات والميدان، من المهندسين والفنيين والمراقبين وعمال النظافة والسائقين، ومن يسهر على المتابعة بعيدا عن الكاميرات. ويحسب لسعادة المهندس محافظ جنوب الباطنة زياراته الميدانية المستمرة لتعزيز متابعة المشروعات الخدمية والتنموية في جميع ولايات المحافظة، من الطريق إلى الخدمة إلى المتنفس، ويحسب كذلك لسعادة الدكتور والي الرستاق ولأصحاب السعادة ولاة بقية الولايات قربهم من الناس وحرصهم على أن تصل احتياجات ولاياتهم إلى طاولة القرار. وما تكريم مدير عام بلدية جنوب الباطنة مؤخرا بوسام مجلس التعاون لدول الخليج العربية للخدمة المدنية والتنمية الإدارية إلا شاهد على أن الجهد حين يخلص يلتقي بمن يقدره، وهو شاهد من شواهد كثيرة، ولكل من يعمل في صمت نصيب من الشكر مثل نصيبهم. ولأعضاء المجلس البلدي في المحافظة، ممثلي الولايات وصوت أهلها، كلمة شكر خاصة، فهم يحملون مطالب الناس ويتابعون المشروعات ويسألون عما تأخر. ومع اقتراب انتخابات الفترة الرابعة نشيد بجهد من أدى الأمانة، ونرحب مسبقا بمن سيحملها بعدهم ونتمنى لهم التوفيق، فالمجلس القوي يبدأ من ممثل قريب من الناس يسمعهم ويصل إليهم. والرستاق ليست وحدها في المشهد. نفرح لازدهارها، ونفرح بالقدر نفسه بما تشهده بركاء والمصنعة ونخل والعوابي ووادي المعاول من حراك وتطوير واضح في الخدمات والمشروعات التنموية، ولكل ولاية منها بصمتها. ففي العوابي خطة استُعرِضَت أخيرًا لتطوير قرى وادي بني خروص بحضور سعادة المهندس المحافظ، وبلدية تعمل هذا العام على 8 مشروعات أنجز منها خمسة. وفي بركاء، الولاية العصرية، مشروعات كبرى تمتد من الطرق والبنية الأساسية إلى المتنزهات والواجهة البحرية، ومبادرة تسعى إلى توفير أجهزة الإنعاش القلبي في المواقع العامة تعزز مكانتها مدينة صحية وتحمي الأرواح. وفي المصنعة واجهة بحرية قطعت شوطا متقدما لتكون وجهة للترفيه والسياحة. وفي نخل، إلى جانب عين الثوارة، تتواصل أعمال تطوير الممشى ويجري العمل في تنفيذ حديقة «رمال بارك». وفي وادي المعاول ممشى حجرة الشيخ السياحي الذي يستقبل الزوار من مختلف الولايات. وهذا ما نأمله لكل ولاية: ارتقاء بمقوماتها الخدمية والعمرانية والسياحية يناسب طبيعتها وتراثها وبيئتها، فتزداد جاذبية في عين الزائر وجودة حياة لأهلها. ونحن مقبلون على أيام الشتاء، بأجوائها المعتدلة التي تخرج الأسر إلى الشواطئ والأودية والرمال والمتنزهات، ويتوقع أن تشهد ولايات المحافظة فيها مبادرات وفعاليات ترفيهية واجتماعية وثقافية تلامس حياة الناس. وكل ولاية منها تضيف إلى المحافظة لونا من ألوانها، وقوة جنوب الباطنة في هذا التنوع: جبال وعيون وأودية ورمال وساحل وقرى وأسواق. وإذا أحسن الربط بين ولاياتها بالطرق والخدمات والاستثمار المحلي والترويج، فلن يكون السؤال كم مشروعا أنجزنا، وإنما ماذا أضافت هذه المشروعات إلى حياة الناس. والإشادة بما يتحقق لا تعني أن كل شيء صار كما نريد. فما زالت طرق وقرى ومواقع تنتظر المزيد، ونجاح المشروع لا يقاس بيوم افتتاحه وإنما بجودته وصيانته وقدرته على خدمة الناس بعد سنوات. ولهذا أرى أن يرافق كل مشروع جديد في الرستاق وفي كل ولاية سؤال واحد: ماذا سيغير هذا المشروع في حياة الناس. فإذا حقق طريقا آمنا وفرصة عمل ومتنفسا للأسرة وحركة في السوق وزائرا يبقى مدة أطول وخدمة تصل إلى قرية كانت تنتظر، فقد تجاوزنا حدود المبنى والافتتاح إلى أثر حقيقي وملموس؛ فما يبقى من كل عمل هو أثره، طريق أكثر أمنا ومكان أجمل وفرصة رزق ومدينة يشعر أهلها بأن الغد فيها أفضل. ومن عمل بإخلاص ترك أثرًا طيبًا يذكره الناس، والعمل الجيد يرى ويقدر، ويبقى من حق المواطن أن يسأل عما تأخر وأن يطمح إلى الأفضل. والرستاق تزهو بخطواتها، والأجمل أن تكون هذه الخطوات جزءا من مشهد أوسع في جنوب الباطنة، تقوده متابعة حاضرة، وتتكامل فيه الجهود، حتى يكون لكل ولاية نصيبها من العمل والأثر.

المصدر: الرؤية