شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

انهيار الدينار يفاقم أزمة المعيشة ويلتهم رواتب الليبيين - اخبار ليبيا

انهيار الدينار يفاقم أزمة المعيشة ويلتهم رواتب الليبيين - اخبار ليبيا

يواجه الليبيون ضغوطًا معيشية متزايدة مع تراجع قيمة الدينار أمام الدولار في السوق الموازية، بعدما اقتربت العملة الأميركية من حاجز 10 دنانير وتجاوزته في بعض التعاملات، وسط مخاوف من انعكاس استمرار ارتفاع سعر الصرف على أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للرواتب، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية. وتعيد موجة الصعود الأخيرة للدولار ملف الأزمة الاقتصادية إلى الواجهة، في وقت لم تعد فيه المشكلة مقتصرة على أسعار العملات، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسر، من تكلفة الغذاء والاحتياجات الأساسية إلى قدرة أصحاب الدخول الثابتة على تغطية نفقات الشهر، بينما تظل الرواتب عرضة للتآكل كلما ارتفعت الأسعار دون زيادة موازية في الدخول. سجل الدولار في السوق الموازية نحو 9.98 دينار، الأربعاء 14 أكتوبر، مقابل نحو 9.82 دينار في مطلع الأسبوع، وفق الأسعار التي أوردتها، في حين بلغ السعر الرسمي نحو 6.42 دينار، لتتسع الفجوة بين السعرين إلى قرابة 3.56 دينار للدولار الواحد. ويعني هذا الفارق أن الحصول على العملة الأجنبية عبر السوق الموازية بات أكثر تكلفة بكثير من السعر الرسمي، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على المستوردين والتجار، خصوصًا عند تمويل شراء السلع من الخارج. ومع انتقال جانب من تكاليف الاستيراد إلى الأسعار النهائية، يتحمل المستهلك جزءًا من كلفة تراجع الدينار، حتى إن لم يكن يتعامل مباشرة بالعملات الأجنبية. ولا يقتصر تأثير ارتفاع الدولار على السلع المستوردة بصورة مباشرة، إذ يمكن أن تمتد آثاره إلى النقل والتوزيع والخدمات والأنشطة التي تعتمد على مدخلات مستوردة، بما يزيد الضغوط على ميزانيات الأسر ويجعل إدارة المصروفات الشهرية أكثر صعوبة. وفي ظل هذه الأوضاع، تصبح الأسر محدودة الدخل الأكثر تعرضًا للضغوط، إذ تذهب نسبة أكبر من مخصصاتها الشهرية إلى الغذاء والضروريات، على حساب بنود أخرى مثل العلاج والتعليم والنقل والملابس، بينما تضطر بعض الأسر إلى تقليص الاستهلاك أو تأجيل مشتريات أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها. تتضح فجوة الدخل والأسعار عند النظر إلى قيمة الرواتب بالدولار وفق سعر السوق الموازية. فقد أشار أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف إلى أن راتبًا شهريًا بقيمة ألفي دينار لا تتجاوز قيمته ما يعادل 200 دولار إذا وصل سعر الدولار إلى 10 دنانير، أي أقل من خط العوز الذي يقع دون خط الفقر المقدر بأكثر من 300 دولار. وهنا تتجسد المفارقة التي يواجهها الموظف الليبي: قد يبقى الراتب بالقيمة الاسمية نفسها، لكن ما يستطيع شراءه يتراجع كلما ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والسلع والخدمات. وبذلك يتحول ارتفاع الدولار إلى ضغط مباشر على مستوى المعيشة، حتى من دون صدور قرار بخفض الرواتب. وتتعدد العوامل التي يجري طرحها لتفسير تراجع الدينار أمام الدولار، في مقدمتها تراجع المعروض من النقد الأجنبي، وصعوبة الحصول على العملة عبر المصارف، والاختلالات المرتبطة بالسياسات النقدية، إلى جانب اعتماد الاقتصاد على الاستيراد وضعف الصادرات. ومن بين العوامل، المضاربة في سوق العملات، وضعف الرقابة، والاختناقات في بعض الإجراءات المتعلقة بالحصول على النقد الأجنبي. وتؤدي هذه العوامل، بدرجات متفاوتة، إلى زيادة الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، خصوصًا عندما لا تلبي السوق المصرفية احتياجات المتعاملين بالسرعة أو الكميات المطلوبة. وتزداد حساسية الوضع في ظل اتساع الفارق بين السعر الرسمي والموازي؛ إذ تصبح إمكانية الحصول على الدولار بالسعر الرسمي عاملًا مؤثرًا في تكلفة الاستيراد وفي فرص تحقيق أرباح من الفارق السعري. لكن تقليص هذه الفجوة يتطلب النظر إلى أسبابها، وليس الاكتفاء بمراقبة السعر اليومي أو التعامل مع تقلباته بوصفها مشكلة منفصلة عن بقية الاختلالات الاقتصادية. وتأتي أزمة سعر الصرف في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط لتوفير العملة الأجنبية، ما يجعل إدارة الإيرادات والإنفاق العام وتدفقات النقد الأجنبي عوامل رئيسية في استقرار الدينار. وفي أحدث بيان لمصرف ليبيا المركزي الذي يغطي الفترة من بداية العام حتى نهاية سبتمبر 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 114.5 مليار دينار، مقابل إنفاق قدره 88.6 مليار دينار، فيما استحوذ بند المرتبات على نحو 60.6 مليار دينار من الإنفاق. وتكشف هذه الأرقام عن الوزن الكبير للمرتبات في الإنفاق العام، لكنها لا تعني وحدها أن تحسن الأرقام المالية سينعكس تلقائيًا على مستوى معيشة المواطنين؛ فالقوة الشرائية تتأثر كذلك بسعر الصرف، وتكلفة السلع، ومدى توافر النقد الأجنبي، وكفاءة توجيه الإنفاق. وبلغ استخدام النقد الأجنبي حتى نهاية سبتمبر 22.3 مليار دولار، مقارنة بإيرادات نفطية وإتاوات بلغت نحو 17.4 مليار دولار، مع تجاوز قيمة الاعتمادات المستندية 10 مليارات دولار. ويبرز هذا الفارق حجم الضغوط على موارد النقد الأجنبي، ويطرح تساؤلات بشأن كيفية تلبية الطلب على الدولار في ظل اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية. وفي هذا السياق، لا يتوقف التحدي أمام المصرف المركزي عند توفير الدولار أو التدخل في السوق، بل يمتد إلى معالجة الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وتحسين وصول الأفراد والشركات إلى العملة عبر القنوات المصرفية، وتعزيز الرقابة على استخدام النقد الأجنبي، بالتنسيق مع الجهات المعنية بالإنفاق والمالية العامة. وتبقى هذه الإجراءات مرتبطة أيضًا بقدرة مؤسسات الدولة على ضبط الإنفاق وتوحيد السياسات المالية والنقدية، والحد من الطلب غير المنتج على العملة الأجنبية، مع الحفاظ على تدفق الإيرادات النفطية وتقليل الاضطرابات التي قد تؤثر في موارد البلاد. في نهاية المطاف، لا يقاس أثر تراجع الدينار بسعر الدولار وحده، بل بما يتركه من تغيرات في حياة المواطنين. فكل زيادة في تكلفة الحصول على النقد الأجنبي يمكن أن تتحول إلى عبء إضافي على أسعار السلع والخدمات، بينما يظل أصحاب الرواتب المحدودة أمام دخل لا تتغير قيمته الاسمية بالسرعة نفسها التي تتغير بها تكاليف المعيشة. وبينما يظل النفط مصدر الدخل الأساسي للدولة، يبقى استقرار الدينار مرتبطًا بمدى قدرة المؤسسات على إدارة الموارد المتاحة وتوجيهها بصورة أكثر كفاءة. أما المواطن، فيظل الحلقة الأكثر تأثرًا عندما تتحول اختلالات سوق الصرف إلى ارتفاع في الأسعار وتراجع في القدرة الشرائية.

المصدر: ليبيا أخبار