منصّة الدول المقترضة تنطلق... لبنان يدعم وينتظر الدعم
شكلت اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين المنعقدة في بانكوك، مناسة لإطلاق منصة الدول المقترضة مع انعقاد الاجتماع الأول لمجلس إدارتها، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول المدينة وتحسين قدرتها على مواجهة تحديات الدين العام، في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض وتزايد الضغوط المالية التي تحدّ من قدرتها على تمويل التنمية.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن الدول الأعضاء والأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، ومؤسسات دولية وإقليمية، حيث جرى تحديد برنامج العمل والأولويات الفنية للمرحلة المقبلة، تمهيداً للانتقال من مرحلة التأسيس إلى العمل المؤسسي. وكان لـ لبنان الممثل في اجتماعات بانكوك بوفد وزاري برئاسة وزير المال ياسين جابر، حضوره ومشاركته في إطلاق أعمال المنصة، حيث كان لجابر مداخلة أكد فيها أهمية ودور هذه المنصة التي تسدّ ثغرة أساسية في النظام المالي الدولي، تتمثل في غياب إطار مؤسسي دائم يتيح للدول المقترضة تبادل الخبرات والتنسيق في ما بينها وتعزيز حضورها في النقاشات الدولية المتعلقة بالديون. واعتبر أن إطلاقها يشكّل خطوة عملية لتنفيذ "التزام إشبيلية" الصادر عام 2025 ويعنى بتمويل التنمية وإصلاح النظام المالي الدولي، ومعالجة أزمات الديون ولا سيما في الدول النامية.
وكان الاجتماع مناسبة لوزير المال ياسين جابر لعرض تداعيات ارتفاع كلفة خدمة الدين العام الذي يستنزف موارد الدول ويحدّ من قدرتها على الاستثمار في قطاعات أساسية، موضحاً أن استدامة الدين لا ينبغي أن تُقاس بالمؤشرات المالية وحدها، بل أيضاً بقدرة الدول على تحقيق التنمية وتحسين الظروف المعيشية لشعوبها.
وانطلاقاً من تجربة لبنان اللاهث وراء استعادة ثقة الأسواق الدولية للاستدانة، دعا جابر إلى إعطاء الأولوية لخفض كلفة الاقتراض وتوسيع الوصول إلى التمويل الميسّر والمستدام، مشيراً إلى أهمية تبادل الخبرات والمساعدة الفنية وتحسين البيانات المتعلقة بالدين العام، بما يعزز قدرات الدول على إدارة التزاماتها المالية ويدعم موقفها في المحافل الدولية.
والمنصة التي يقودها حالياً وزير المال المصري قبل تولي وزير المال الباكستاني رئاستها، تكتسب أهمية لا سيما للدول المقترضة كونها توفر إطاراً للتعاون في ما بينها، في حين أن الجهات الدائنة تمتلك أساساً آليات قائمة للتنسيق، تفتقر إليها الدول المدينة كما تفتقر إلى مساحة مؤسسية دائمة لتبادل التجارب وتطوير مواقف مشتركة حيال تحديات الديون السيادية.
ولدت فكرة انشاء المنصة من رحم "التزام إشبيلية"، الذي أُقرّ في تموز 2025 خلال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، ونصّ على إنشاء منصة للدول المقترضة بدعم من المؤسسات القائمة، على أن تتولى جهة تابعة للأمم المتحدة أمانتها. وأُطلقت المبادرة رسمياً في نيسان 2026، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 30 دولة. وتشمل أهدافها تعزيز التعاون الفني، وتطوير الخبرات الوطنية في إدارة الدين العام، وتحسين تبادل المعلومات، وتوسيع فرص الحصول على المساعدة الفنية وبناء القدرات، فضلاً عن تقوية صوت الدول المقترضة في النقاشات المتعلقة بإصلاح الهيكل المالي الدولي.
لكن الأنظار ستتجه في المرحلة المقبلة التي ستنقل المنصة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ، إلى مدى قدرتها ونجاحها في تحويل التعاون الذي أبدته الدول الأعضاء، إلى خطوات عملية، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز شفافية الدين، وتحسين شروط التمويل، ودعم إدارة أكثر استدامة للالتزامات السيادية. وفي هذا السياق، يستعد الأعضاء لتنظيم ورشة عمل في القاهرة في كانون الثاني 2027، ضمن برنامج العمل الذي يجري تطويره.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المنصة هو الانتقال من تبادل الخبرات وتنسيق المواقف إلى إحداث أثر ملموس في شروط اقتراض الدول النامية وقدرتها على تمويل التنمية، على قاعدة أن يكون الاقتراض لأهداف نمو الاقتصاد وليس تراكم العجز والمديونية. وهذا أحد التحديات التي سيواجهها لبنان الذي يحتاج إلى هذا النوع من المنصات لاستعادة قدرته على الاقتراض من الأسواق الدولية لأهداف تنموية، بعد أن فقدها نتيجة قراره تعليق سداد ديونه السيادية عام 2020، ما أفقده ثقة الأسواق والمؤسسات الدائنة ووضعه في حال من العزلة المالية، فضلاً عن أن وجوده على اللائحة الرمادية لا يساعد كثيراً على مواجهة تحديات الدين، ما لم ينتقل جدياً إلى تنفيذ التزاماته الإصلاحية التي من شأنها ان تعيد ترتيب أولويات الاستدانة لديه .
المصدر: النهار