شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

7 سنوات من الانهيار: كيف انتقل لبنان من احتمال الثورة إلى خطر التفكك؟

7 سنوات من الانهيار: كيف انتقل لبنان من احتمال الثورة إلى خطر التفكك؟

د. بيار الخوري

منذ خريف 2019 يلاحق لبنان سؤال واحد لم يُحسم: إلى أين يقود انهيار اقتصادي بهذا الحجم؟ إلى ثورة تغيّر بنية السلطة، أم إلى تفكك تنسحب فيه الدولة من وظائفها ويبقى هيكلها قائماً، أم إلى تفتيت ينقسم فيه الكيان نفسه إلى كيانات؟

المسارات الثلاثة تختلف في طبيعتها. الثورة تستبدل سلطة بسلطة. التفكك ينقل الوظائف والموارد والولاءات من المركز إلى وحدات أصغر من غير إعلان. التفتيت يرسم حدوداً متداخلة داخل الحدود.

مبتغى هذا المقال أن يظهر الانهيار أغلق طريق الثورة وفتح طريق التفكك، وأن التفتيت معلّق على شروط محددة يمكن رصدها. 7 سنوات من الوقائع تقود إلى هذه الخلاصة، وما يلي يتتبعها بالترتيب الذي جرت فيه.

بدأت القصة بمشهد الثورة. في تشرين الأول 2019 نزل اللبنانيون إلى الساحات بمطلب واحد موجّه إلى عنوان واحد: دولة تؤدي ما عليها. الخسارة يومها كانت مشتركة، والمصرف الذي حجز الودائع كان خصم الجميع.

ثم أخذت الخسارة تتوزع، وهنا انعطف المسار. انهارت الليرة فانقسم الناس بين من يتقاضى دخله بالدولار ومن بقي أسير العملة الوطنية. يُظهر موجز البنك الدولي الصادر في نيسان 2025 أن الخُمس الأعلى دخلاً يتقاضى أكثر من نصف دخله بالدولار، وأن حصة الدولار عند الخُمس الأدنى تقل عن 6 في المئة.

على هذا الخط انشطرت الطبقة الوسطى التي حملت ساحات 2019. قسمٌ منها التحق بالدولار ونجا، وقسمٌ هبط إلى الفقر. من نجا فقدَ سبب النزول إلى الشارع، ومن هبط فقدَ القدرة عليه.

وانقسمت الجغرافيا مع الدخل. قدّر البنك الدولي في أيار 2024 الفقر النقدي بثلث اللبنانيين و44 في المئة من مجمل السكان، في مسح شمل خمس محافظات من ثماني. خلف هذا المعدل بلدان: الفقر في عكار صعد من 22 إلى 62 في المئة خلال عقد، وفي بيروت هبط من 4 إلى 2 في المئة.

حين يُحتسب الحرمان من الكهرباء والصحة والتعليم يبلغ الفقر المتعدد الأبعاد 73 في المئة من اللبنانيين، ونصف الأطفال دون الخامسة عشرة فقراء. الحرمان واسع إذاً، وتوزيعه متفاوت إلى حدّ يمنع تحوّله إلى قضية واحدة.

حتى الخوف كفّ عن أن يكون مشتركاً. في استطلاع المركز اللبناني للدراسات مطلع 2026 يخشى 82.7 في المئة من أهل بعلبك-الهرمل الاعتداء الخارجي، مقابل 15 في المئة في عكار. في كسروان-جبيل يتقدم الخوف من النزاع الداخلي إلى 54.4 في المئة، وهي أعلى نسبة في البلد.

الثورة تحتاج إلى خسارة مشتركة وعنوان واحد تُوجَّه إليه. الانهيار اللبناني أنتج خسائر متفاوتة ومخاوف متباعدة، فجرّد الساحة من مادتها الأولى.

ثم غادر من كان سيملأ الساحة. بلغ صافي مغادرة اللبنانيين 729,062 شخصاً بين كانون الثاني 2020 ونيسان 2026، بحسب تحليل شربل نحاس لبيانات الأمن العام، مقابل 185,581 في السنوات الست التي سبقت الانهيار. آخر مسح رسمي للبطالة، في كانون الثاني 2022، يفسّر الاندفاع: 29.6 في المئة، و47.8 في المئة بين الشباب.

والخروج جرى داخل البلد كما جرى عبر المطار. اشتراك المولّد خروج من شبكة الكهرباء العامة. القسط المدرسي خروج من التعليم الرسمي. الراتب بالدولار النقدي خروج من النظام المصرفي والضريبي معاً.

حصيلة هذا الخروج الداخلي اقتصادٌ قائم خارج الدولة. قدّر البنك الدولي الاقتصاد النقدي بـ9.9 مليارات دولار في 2022، أي 45.7 في المئة من الناتج، ووجدت إدارة الإحصاء المركزي في العام نفسه أن 62.4 في المئة من العاملين خارج أي تسجيل نظامي.

هنا يكمن التحول الذي أعقب 2019. تلك اللحظة افترضت مجتمعاً يطالب الدولة بما عليها، والسنوات التالية علّمت كل أسرة أن تحلّ مشكلتها بنفسها. كل حل خاص ناجح يسحب مطلباً من المجال العام، والنتيجة أن 65.1 في المئة من الشباب بين 18 و24 عاماً لم يشاركوا في أي نشاط سياسي أو مدني حتى اليوم.

بهذا أُغلق طريق الثورة. أُغلق لأن قاعدتها الاجتماعية تبدّلت، ولأن الناس بدّلوا طريقة تدبير حياتهم، وهذا أعمق من نجاح حركة احتجاجية أو فشلها.

ما انفتح مكانه يظهر في حال الدولة نفسها. الدولة قائمة برئيسها وحكومتها وجيشها وموازنتها، غير أن موازنة 2026 تبلغ نحو 6 مليارات دولار، أكثر من نصفها رواتب وتعويضات، في اقتصاد يقدَّر ناتجه بـ33.5 مليار دولار. المركز يدير أقل من خُمس اقتصادٍ نصفه نقدي وجزء وازن منه آتٍ من تحويلات الخارج.

دولة بهذا الحجم تدفع الرواتب وتعجز عن الخدمة. حين سأل «الباروميتر العربي» اللبنانيين في تشرين الثاني 2025 عن رضاهم عن الخدمات العامة، بلغ الرضا 10 في المئة عن الرعاية الصحية، و12 عن الكهرباء، و15 عن المياه، و26 عن التعليم.

الحاجات اليومية بقيت قائمة حين تراجع من كان يؤمّنها، فتولاها الأقرب: بلدية، حزب، جمعية دينية، قريب مهاجر، صاحب مولّد. أحدٌ لم يعلن برنامجاً لنقل الدولة إلى الأطراف. الذي حصل محصّلة حلول متفرقة تراكمت حتى صارت نظاماً.

هذا هو التفكك بمعناه الدقيق، وهو غير الفوضى. الأسواق تعمل، والأسعار تُحتسب، والمدارس تفتح. التنظيم موجود، ومصدره انتقل من المركز إلى وحدات أصغر، فيما العَلَم والحدود والمقعد في الأمم المتحدة في أماكنها.

القاعدة تقضي بأن يستدعي فراغٌ كهذا قوة سياسية تنافس على ملئه ببديل وطني. في لبنان، القوى المرشحة لهذا الدور هي نفسها التي تدير الدولة، وهي المستفيد الأول من عجزها.

أرقام المساعدات تكشف الآلية. 82.7 في المئة من الأسر لم تتلقَّ أي دعم، وبين من تلقّوه حصل 51.7 في المئة عليه من أحزاب و13.9 في المئة من مؤسسات الدولة. القوة التي توزّع ما لا توزّعه الدولة تستمد وظيفتها من عجز الدولة، وقيام بديل وطني فعّال يلغي هذه الوظيفة.
والناخب يكافئ هذه الوظيفة. 68.8 في المئة ممن اقترعوا في 2022 اختاروا الأحزاب التقليدية، و81.9 في المئة من المقترعين راضون عن أداء من انتخبوهم. في الاستطلاع نفسه يسمّي 8.1 في المئة فقط مجلس النواب بين الجهات التي يثقون بها لإدارة التعافي، و11.1 في المئة يسمّون الحكومة.

اللبناني ساخط على النظام وراضٍ عن ممثله فيه. الممثل يُقاس بما ينتزعه لجماعته من نظام عاجز، وإصلاح النظام خارج معيار المحاسبة. بهذه الصيغة يعيد التفكك إنتاج القوى التي ترعاه.

3 حواجز؟

التفكك إذاً مسار جارٍ، والسؤال ينتقل إلى الحلقة الأخيرة: هل ينقلب تفتيتاً؟ البيانات المتاحة تضع أمام هذا الاحتمال 3 حواجز.

الحاجز الأول شرعية الحماية. 76.7 في المئة يسمّون الجيش الجهة الأوثق لحماية مناطقهم، و80.5 في المئة يثقون به لإدارة التعافي. بين المستطلَعين الشيعة يتقدم الجيش بـ56.5 في المئة على الأحزاب والجماعات المسلحة التي تنال 30.3 في المئة. التفتيت يبدأ حين تحتكر كل منطقة أمنها، والأمن ما زال وطنياً في وجدان الناس.

الحاجز الثاني أن قنوات التفكك تتقاطع ولا تتطابق. الطائفة قناة، والمنطقة قناة، والعائلة قناة، وشبكة الاغتراب قناة، والسوق قناة. خط الدولار والليرة يقطع كل طائفة من داخلها: المشترك في مولّد الحي والعاجز عن الاشتراك يتجاوران في المذهب والشارع. الكيانات تحتاج إلى خطوط متطابقة، والخطوط اللبنانية متشابكة.

الحاجز الثالث غياب الطلب. في «الباروميتر العربي» يؤيد 17 في المئة صيغة فدرالية، مقابل 41 في المئة لتقاسم السلطة الطائفي و38 في المئة لنظام مدني. و64.7 في المئة يرون إعادة الإعمار والتعويض مسؤولية الدولة أولاً، مع أن نحو الثلثين لا يثقون بقدرتها على إدارتهما.

هذه الفجوة بين مسؤولية منسوبة إلى الدولة وثقة مسحوبة منها هي الرصيد المتبقي لفكرتها. المواطن الذي يشكو غيابها ما زال يعدّها العنوان.

سنة 2025 برهنت أن الرصيد قابل للصرف. انتخاب رئيس وتشكيل حكومة رفعا الثقة بالحكومة خمس عشرة نقطة إلى 22 في المئة خلال أشهر. نما الاقتصاد 4.2 في المئة، وهو أعلى معدل منذ 2019، وسجّلت المالية العامة فائضاً بـ3.9 في المئة من الناتج بفعل تحسّن الجباية. المجتمع استجاب لأول إشارة جدية من المركز.

مشاركون في ثورة 17 تشرين (أرشيف)

شروط تدفع التفكك نحو التفتيت

ثم تجددت الحرب، ومعها عادت الشروط التي تدفع التفكك نحو التفتيت. يتوقع البنك الدولي انكماش الناتج 6.4 في المئة هذا العام. أكثر من مليون نازح وحرب طويلة يثبّتان جغرافيا متفاوتة في الأمن والدمار، وهذا أول الشروط.

الشرط الثاني إعمار يُموَّل منطقة بمنطقة عبر قنوات حزبية أو خارجية، فيتحول إلى أكبر عملية نقل ولاءات منذ عقود.

الثالث بقاء الخسائر المصرفية بلا حل، فيبقى المال خارج أي نظام يمكن جبايته أو مساءلته.

الشرط الرابع استمرار الهجرة مع تعليق الانتخابات. الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026 أُرجئت مع تجدد الحرب، وهي القناة الوحيدة التي تُختبر فيها بدائل وطنية. حين يُغلق الصوت يبقى الخروج.

في الجهة المقابلة طريقان يردّان المسار. الأول خدمة واحدة تصل من المركز إلى الجميع وتُرى، والكهرباء مرشحها الأوضح. الثاني أن يسبق القانونُ الأمرَ الواقع: لامركزية إدارية موسعة نصّ عليها اتفاق الطائف ولم تُنفَّذ، تُقَرّ بتمويل ورقابة وإعادة توزيع بين المناطق الغنية والفقيرة.

الفارق بين اللامركزية والتفكك في طريقة الانتقال. الأولى تنقل الوظيفة بقرار، والثاني ينقلها بالفراغ. الأولى تُبقي عكار وبيروت في حساب واحد، والثاني يترك كلاً منهما لموارده، ومن هذا الباب يدخل التفتيت.

والوقت طرف في المعادلة. من بلغ الخامسة عشرة في 2019 عمره اليوم اثنان وعشرون عاماً. دخل سن الرشد في بلد كهرباؤه من مولّد، ومدّخراته نقد في البيت، وأفقه المهني في الخارج. الدولة في تجربته جواز سفر ومعاملة.

لهذا الاعتياد كلفة مالية مباشرة. من لا يتلقى خدمة لا يرى سبباً لضريبة، والاقتصاد النقدي يمنحه الوسيلة. توقّع البنك الدولي مطلع 2026 إيرادات ضريبية بـ13.9 في المئة من الناتج، منها 11.5 نقطة ضرائب غير مباشرة على الاستهلاك.

الحلقة تغذّي نفسها: خدمة ضعيفة، فامتثال ضعيف، فإيراد ضعيف، فخدمة أضعف. وكل دورة تنشئ أصحاب مصلحة في استمرارها، من مورّد الطاقة الخاصة إلى الوسيط السياسي.

الجواب عن السؤال الأول صار ممكناً. الانهيار لم يقد إلى الثورة لأنه فرّق الخاسرين وفتح لهم باب الخروج. قاد إلى التفكك لأن دولة تنكمش تركت وظائفها لمن هو أقرب إلى الناس، ولأن القوى التي ورثت هذه الوظائف تعيش من انكماشها.

التفتيت لم يقع. يمنعه جيش جامع، وخطوط انقسام متشابكة، ومجتمع ما زال ينسب المسؤولية إلى دولته. وتدفع نحوه حرب طويلة، وإعمار مجزّأ، ومال خارج النظام، وصناديق اقتراع مقفلة.

المعيار قابل للرصد في السنوات المقبلة. ترتيبات محلية تتصل ببعضها وبمركز يعيد التوزيع بينها تعني إعادة بناء من الأسفل. ترتيبات تنغلق على مواردها وجمهورها تعني أن ابن بيروت كفّ عن أن يكون معنياً بكهرباء عكار.

أزمة الدولة تُعالَج بإصلاح مؤسساتها متى توافرت الإرادة والمال. أزمة فكرة الدولة من طبيعة أخرى: مجتمع رتّب حياته من دونها وانقطع عن طلبها. لبنان اليوم يقف بين الأزمتين، والنافذة تضيق مع كل سنة يكبر فيها جيل لم يختبر مرفقاً عاماً يعمل.

المصدر: النهار