شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كتب د.محمد الهندي: الطوفان.. وأحلام الهيمنة الضائعة

كتب د.محمد الهندي: الطوفان.. وأحلام الهيمنة الضائعة

حتى لا نضل تحت ضغوط الواقع المرير وسموم الأوهام التي تملأ الأجواء، من المهم أن نقرأ الواقع بروية وصبر . فالحياة مستمرة مهما كان الوجع، والهزيمة لا تحدث إلا في العقول الضامرة التي لا تعرف التواضع ولا ترى إلا جزءًا واحدًا من الواقع تصر ألا ترى سواه. ولأن الوضع الدولي والإقليمي في معظمه منافق، الغالبية فيه تصفق للقوي، هكذا كان وهكذا سيكون، فقد تعالت الأصوات التي تدعي حرصًا على فلسطين وشعبها للتشكيك في خيار المقاومة وما جلبه على غزة من قتل ودمار، ويقولون ما كان لهم أن يفعلوها، وكأن غزة وفلسطين كانت تعيش السمن والعسل قبل الطوفان. في ظل سلامهم المزعوم كانوا يقتلوننا، يهدمون بيوتنا، يصادرون أرضنا، ويهودون قدسنا، يعتقلون شبابنا، يتحكمون بغذائنا ودوائنا وسفرنا. كانوا يسحقوننا، يحطمون عظامنا ويقتلون مستقبلنا، ويجعلون حياتنا مستحيلة. ويتهيأون للتسيد على المنطقة. وكأن الصراع في فلسطين وعلى فلسطين بدأ مع الطوفان. ورغم أننا كنا نحترم أوهام الآخرين، إلا أننا نحاول أن نبين لهم الصورة الكلية لنرى الجزء في صورة الكل، ونقرأ الصراع في فلسطين كجزء من الصراع الغربي ضد المشرق الإسلامي، ونقرأ اللحظة الراهنة في ضوء مسيرة الماضي لنحدد الموقف الذي كان فيه شعبنا وقضيتنا عشية الطوفان. أما وجهة النظر الواحدة أو الجزئية المحدودة بوقت محدد أو مكان واحد، فهي عبارة عن خداع بصري. فتاريخ الصراع في فلسطين والإقليم لم يبدأ عشية 7 أكتوبر مع الطوفان ولا في أوسلو وذيولها التي سرعت الطوفان. وفي ضوء الصورة الكلية نرى الولايات المتحدة ومنذ تسيدت على رأس النظام الدولي ذو القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 91 وهي تفقد بالتدريج مقومات الإمبراطورية رغم دعاوي ( كتّاب البنتاغون ) حول نهاية التاريخ . فعلى مستوى الرسالة : فقد انتهى بريق الرأسمالية أمام التغول المفرط لهيمنة الولايات المتحدة والشركات العملاقة العابرة للحدود على ثروات الأمم والشعوب الضعيفة في جنوب العالم. ولم يعد الغرب بأي حال يشكل نموذجاً أو رسالة مقنعة للآخرين، وزادت شكوك الشعوب في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بأنها مستهدفة من الغرب والولايات المتحدة خاصة والتي تستخدم القوة الخشنة بدون حساب لقمع الشعوب ونهب الثروات بعيدا عن طرق (النيوكولونيالية) المغلفة بدعاوي الديمقراطية وحقوق الإنسان. وكان ذلك على أشده في أفغانستان والعراق وفلسطين وفنزويلا وتهديد كوبا وكولومبيا. وعلى مستوى تمثيل وقيادة الغرب : فإن الولايات المتحدة تفقد هذا الدور، ووحدة أوروبا تحت راية الولايات المتحدة بدأت تتفلت بعد أن ظهرت التناقضات وبرزت الأطماع بداية من حرب روسيا وأوكرانيا ثم على وقع صدمة طوفان الأقصى، ثم فرض رفع نسبة تمويل ( حلف الناتو) على أوروبا، وزيادة التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة من دول أوروبا في محاولة لفرض ترتيبات جديدة للتبادل التجاري ، وفرض ضخ كميات من وقود الديزل من مخزون أوروبا الاستراتيجي في السوق الدولية. وأخيرا إعلان أطماع الولايات المتحدة في السيطرة على جزيرة ( غرينلاند) ، وكذلك الرغبة في ضم كندا. وإذا كانت أوروبا تبحث عن حلول لهذه القضايا تجنباً لزيادة التوتر في وقت لا زالت الحرب مشتعلة في شرق أوروبا فإن الولايات المتحدة بهذه العقلية التي يمثلها ترامب وفريقه لا يمكن أن تجري مراجعة جادة لسياستها سواء مع أوروبا أو في الشرق الأوسط، حيث تشن الولايات المتحدة الحروب لصالح إسرائيل أساسا، دون التأكد من أن هذه الحروب تخدم الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة المعلنة من قبل البنتاغون في يناير 2025. والتي تركز حسب التقرير الاستراتيجي للدفاع الوطني الأمريكي على ردع الصين في المحيطين الهندي والهادي. والسؤال هنا ما هي المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة حسب هذه الرؤية في العدوان على إيران والتي ستتضح كلفتها الحقيقية لاحقا؟ هذا التساؤل تكرر سابقا عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في العدوان على العراق والتي كلفت الولايات المتحدة حوالي أربعة آلاف وخمسمائة قتيل ، وأكثر من 32 ألف جريح ، وما يقارب ثلاثة تريليون دولار ، لكن لإسرائيل مصالح في إضعاف العراق و إنهاكها ومنع تطورها، كما لإسرائيل اليوم مصالح في إنهاك إيران وتفتيتها وإنهاء دورها وتمددها في الإقليم . وهذا ينطبق على جميع دول الإقليم بما فيهم حلفاء الولايات المتحدة والمطبعين مع إسرائيل، ليبقى الجميع ضعيفا ومنهكا وفي حاجة لإسرائيل. إن الحرب مع إيران تصب القمح في طاحونة الصين كما حرب روسيا مع أوكرانيا، فالإيرانيون كما الروس في حاجة إلى المساعدة من الصين وتطوير العلاقات الاستراتيجية معها، وهذا نقيض المصلحة الاستراتيجية الأمريكية التي تعتبر الصين الزاحفة إلى أكثر دول العالم عبر مشاريع اقتصادية التحدي الأكبر لها. وأياً كانت النقطة التي ستقف عندها هذه الحروب مع إيران وفي أوكرانيا وفي اليمن والعدوان على غزة والضفة ولبنان وسوريا ، فإن قضايا كثيرة ستبقى محل نزاع وتوتر مستمر. وقبل الإشارة إلى هذه القضايا نسجل هنا عدة ملاحظات: أولا ـ تصدعات جديدة في العلاقات الدولية والإقليمية ناتجة عن صدمة أوكرانيا والفشل التام في الاتفاق على مخرج لها، نتيجة لتعارض المصالح بين جميع الأطراف المنخرطة فيها وفشل ذريع للولايات المتحدة في احتواء روسيا. وصدمة طوفان الأقصى والفشل التام في فرض الحسم رغم الدمار الكبير والإبادة الجماعية وإصرار إسرائيل على استمرار العدوان بغض النظر عن أي اتفاقات وتعهدات ، وسلوك إدارة ترامب التي تتفاعل مع مصالح ومطالب إسرائيل وتعطي الفرص لنتنياهو للتملص من أي اتفاق، والمثل الأوضح لذلك الاتفاق الأخير في القاهرة في يونيو ٢٠٢٦ والذي وصفه ترامب بالاتفاق التاريخي وفي اليوم التالي أعلن نتنياهو عدم قبوله. وصدمة إيران والفشل التام في إخضاع إيران أو احتوائها والتي تواصل تحدي سياسة أمريكا والغرب في الإقليم. وصدمة اليمن والفشل التام في إخضاع (أنصار الله) الذين يواصلون تحدي الترتيبات الإقليمية والدولية مع احتمال انتقال التوتر إلى مضيق باب المندب. وكل هذه التصدعات مرشحة للتفاقم ومفتوحة على الاتساع. يضاف إليها التوترات في الملف الفلسطيني والملف اللبناني والملف السوري الناتجة عن الأطماع الإسرائيلية المباشرة في أراضي القدس والضفة وسوريا ولبنان. كما يضاف أيضا التوترات الإقليمية الناتجة عن الأطماع الإسرائيلية غير المباشرة في دول الإقليم، خاصة مصر والأردن والسعودية والعراق. ثانيا ـ بغض النظر عن الخطب الجوفاء حول المواثيق والقوانين الدولية والمفاوضات والاتفاقات، فلم يبق أي وهم بخصوص حل قضية فلسطين وحل الدولتين سوى الوهم الذي يعشش في عقول المهزومين، فقد فشلت تماما وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما أي ترتيبات أو اتفاقات تؤمّن الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية، ومع القفز العربي عن قضية فلسطين في اتفاقيات ( أبراهام) وترك فلسطين للتغول الصهيوني يفعل بها ما يشاء من حصار واعتداءات وحروب لا تتوقف في غزة، واستباحة القدس والضفة الغربية التي تحولت إلى دولة للمستوطنين المسلحين، مع جدار عنصري وأكثر من ألف حاجز إرهابي يحوّل المدن والتجمعات الفلسطينية إلى جيوب خانقة. واتضح أن المفاوضات ضمن رؤية الولايات المتحدة للمنطقة تشكل غطاء لجرائم إسرائيل على أرض الواقع وتفتح بابا أمام إسرائيل لاستباحة الإقليم وفق رؤية اليمين الصهيوني المتطرف في الولايات المتحدة وإسرائيل.   وقد تأكد ذلك مجددا مع سقوط المنظومة الدولية ممثلة في اجتماع شرم الشيخ بتاريخ 9 أكتوبر 2025 والتي لم تستطع إيقاف عدوان إسرائيل وجرائمها في غزة أو إلزام إسرائيل بالاتفاق الذي تم توقيعه واكتفت بالبيانات والمناشدات. ثالثا ـ مع اتساع العدوان الأمريكي على إيران، وطول الحرب في الخليج، واتضاح عدم اكتراث الولايات المتحدة بخسائر حلفائها العرب في دول الخليج، ومع إعطاء الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل في استهداف الدوحة، تتضح رؤية أمريكا وإسرائيل للإقليم، فهم ليسوا في حاجة إلى شركاء في المنطقة ولا يبحثون عن حلفاء بل عن أتباع يدورون حيثما دارت الإدارة الأمريكية وإسرائيل. ولا يبدو أن الاستباحة الأمريكية الإسرائيلية للإقليم يمكن أن تتغير، وخاصة أن العرب يفتقدون اليوم أي أدوات للتأثير في السياسة الأمريكية. فالنفط العربي لا يشكل أي أداة ضغط في يد العرب كما كان عام 73. ومضيق هرمز خارج أي تأثير عربي، ومضيق باب المندب يبدو أنه على طريق مضيق هرمز. وقناة السويس تضعف أهميتها الاقتصادية، خاصة مع أطماع إسرائيل في نقل البضائع من آسيا إلى أوروبا عبر موانئها على شاطئ المتوسط بالطريق البري. رابعًا ـ رغم المناورات السياسية وبعض الإنجازات العسكرية الإسرائيلية، فإن العالم وإسرائيل وأكثر من أي وقت مضى، باتت تدرك أنها لا زالت ـ وبعد 78 عامًا ت تحت حماية ووصاية الإدارة الأمريكية، ولا تمتلك القدرة على المناورة في عالم تتغير فيه موازين القوى بشكل متسارع. الإدارة الأمريكية هذه، تبدو أحيانًا وكأنها تناقض مصالحها وتوجهاتها المعلنة، وتتفاعل أكثر مع مطالب ومصالح إسرائيل، إلا أنها مضطرة أن تقيم حساباتها وفق مصالحها التي تقتضي عدم الانخراط في الحروب التي لا نهاية لها. وهذا الاتجاه يتعمق مع الوقت، خاصة مع تغير المزاج الداخلي الأمريكي في النظرة إلى إسرائيل، وفي ظل التدافع الدولي المحتدم حيث تخيّم على العالم أجواء الحرب الباردة بنسختها الجديدة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة وبين الصين وروسيا، مع تصاعد التزاحم الإقليمي بين الدول التي تبحث عن تأكيد دورها ورسم تحالفاتها.  وفي الشرق الأوسط سيكون التزاحم على أشده بين إسرائيل وإيران من جهة، وبين إسرائيل وتركيا وإن بشكل أقل حدة من جهة أخرى. وفي ضوء ذلك فإن مجمل القضايا ستبقى عالقة ومحل نزاع وتوتر عندما تتوقف هذه الحروب : 1 ـ طالما استمرت الولايات المتحدة في حصار إيران واستنزافها وإنهاكها، فإن هذا سيدفع إيران لتوسيع وترسيخ علاقتها وتعاونها مع روسيا والصين، التي تمثل التحدي الحقيقي للولايات المتحدة من جانب، ويدفعها إلى مراجعة سياساتها فيما يتعلق بالتسلح والسلاح النووي باعتباره رادعًا لأي عدوان آخر. 2 ـ طالما لم يتم التفاهم مع إيران، _وفرص نجاح ذلك شبه معدومة_، فإن استمرار حرب أمن الطاقة في هرمز وإلى حد ما في باب المندب وانعكاسها على اقتصاد العالم خاصة في أوروبا يتفاقم، ويزيد ذلك استمرار العقوبات على روسيا التي تخوض حرب الدور في النظام الدولي الجديد. 3 ـ ستبقى إسرائيل عالقة في غزة ولبنان ومع سوريا ومع إيران، يضاف إلى ذلك شك وتوتر يخيم على علاقتها مع معظم دول المنطقة وجميع شعوبها، بعد أن دفنت إسرائيل أي أفق لأي عملية سلام ولو شكلية مع الفلسطينيين، ومع تحوّل جميع الأحزاب الإسرائيلية وبرامجها إلى أقصى اليمين. والأمل في أي عملية سلام بخصوص القضية الفلسطينية أصبح خلف ظهر إسرائيل. والمنطقة والعالم مشغول بحروب جديدة أكثر إلحاحًا وأوسع نطاقًا وأكبر أثرًا خاصة على أوروبا. وأي لغو عن عملية سلام مع إسرائيل وعن حل الدولتين لا يعدو عن كونه تضليل مقصود. 4 ـ بعد توقف الحروب تشتعل المعارك الداخلية في إسرائيل، التي ستفقد تماسكها الداخلي، ويتعمق الانقسام بين العلمانيين والمتدينين حول جميع القضايا، القضاء والتجنيد والإعلام…الخ، وهذا الانقسام يعمق صورة ( إسرائيل الجديدة) في العالم، فهي لم تعد تشبه الغرب الذي تدعيه ولا حتى تشبه الشرق الذي تنكره، هي صورة خاصة مشبعة بالعنصرية والتوحش والأساطير. ومع الوقت ستظهر التناقضات بين مصالح إسرائيل الجديدة والمصالح الغربية والأمريكية خاصة في الشرق الأوسط، التي تقتضي تخفيف التوترات واحتوائها، وهذا مسار مرهون بإيجاد حل للقضية الفلسطينية يقتضي انسحابًا من غزة وفي الضفة، وهذا ما رفضته إسرائيل في الماضي، وترفضه ( إسرائيل الجديدة) الآن وفي المستقبل. وبذلك تتحول إسرائيل تدريجيًا ومع الوقت إلى عبء على الولايات المتحدة خاصة عند جيل الشباب الذي يعايش إسرائيل الجديدة ويشاهد جرائمها وإبادتها الجماعية بأم عينيه، وتنعكس هذه المعايشة إلى فعل سياسي على أرض الواقع. ومع الوقت تتآكل وتتفسخ عوامل قوة اللوبي الصهيوني، وتظهر نقاط ضعف إسرائيل واضحة للعيان. إن الشعور بالعلو والغطرسة والقدرة على القتل والتدمير لن يعيد لهم ثقة العالم أو الإقليم ولا أحلام استعادة الهيمنة الضائعة.    

المصدر: فلسطين اليوم