خبز ونت 2026 في بيروت... نحو إعادة تخيّل العلاقة بين الإنسان والتّكنولوجيا
عاد ملتقى "خبز ونت" إلى بيروت عام 2026 تحت شعار "فضاءات نتخيّلها"، جامعاً خبراء التكنولوجيا وصنّاع السياسات والإعلاميين والحقوقيين والباحثين وممثلي المجتمع المدني، في مساحة للنقاش حول مستقبل الإنترنت والحقوق الرقمية في المنطقة، والعلاقة المتغيّرة بين الإنسان والتكنولوجيا في ظل التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وينظّم الملتقى الذي يُعدّ من أبرز الفعاليات المعنية بالحقوق والحريات الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، منظمة "سمكس"، بهدف تعزيز التعاون بين المدافعين عن الحقوق الرقمية، وتبادل الخبرات والمعارف، وتطوير مقاربات مشتركة لحماية حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي.

ويحمل شعار هذه الدورة دعوة إلى تجاوز النقاش التقليدي حول التكنولوجيا وأدواتها، نحو التفكير في البنى التحتية البديلة، ونماذج الحوكمة، وأشكال التضامن والعمل الجماعي التي يمكن أن تسهم في رسم ملامح مستقبل الإنترنت في المنطقة.
من استخدام التكنولوجيا إلى فهم تأثيرها
في حديث لـ"النهار"، أوضح عبد قطايا، مدير برنامج الإعلام في منظمة "سمكس"، أن الملتقى يركّز هذا العام على إفساح المجال أمام المشاركين لتخيّل المستقبل والتفكير في طبيعة العلاقة المتبادلة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن النقاشات لا تنطلق من النظر إلى الإنسان باعتباره مجرد مستخدم للتقنيات الرقمية، بل تسعى إلى فهم موقعه في المنظومة التكنولوجية، خصوصاً في ظل تحوّل بيانات المستخدمين إلى مورد يُستثمر في مجالات متعددة، من بينها الإعلانات الموجّهة.
وقال قطايا إن التكنولوجيا تساهم في تسهيل حياة كثيرين، لكنها في المقابل تفرض تحديات على فئات أخرى، ما يستدعي التوقف عند آثارها الاجتماعية والحقوقية، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الإمكانات التي توفرها.
ومن هذا المنطلق، يهدف الملتقى إلى فتح مساحة للتفكير الجماعي في كيفية بناء علاقة أفضل بين البشر والتكنولوجيا، انطلاقاً من فهم أعمق لتأثيراتها، والبحث في سبل جعلها أكثر انسجاماً مع احتياجات الإنسان وحقوقه.
مشاركة حكومية في النقاش حول التكنولوجيا
شهد الملتقى مشاركة ممثلين عن مؤسسات رسمية ومجتمع مدني وأوساط أكاديمية وبحثية، في إطار إتاحة المجال لتبادل وجهات النظر حول القضايا المطروحة.
وفي حديث لـ"النهار"، وصف وزير التنمية الإدارية فادي مكي الملتقى بأنه مساحة مهمة تجمع الطلاب وممثلي المجتمع المدني والوزارات والمؤسسات البحثية، مشدداً على أهمية الاستماع إلى آراء الجهات المختلفة والاستفادة من ملاحظاتها في العمل الذي تقوم به الوزارة.
وأشار مكي إلى أهمية التواصل مع الطلاب وإتاحة المعلومات أمامهم، بما يساعد على تعزيز مشاركتهم وفهمهم للملفات المطروحة، مؤكداً ضرورة استمرار الحوار مع مختلف الفئات والاستماع إلى وجهات نظرها.
وتأتي هذه المشاركة في سياق النقاش الأوسع حول دور المؤسسات العامة في التعامل مع التحولات الرقمية، وأهمية إشراك المجتمع في النقاشات المتصلة بالتكنولوجيا وتأثيراتها، ولا سيما مع اتساع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتزايد الأسئلة المرتبطة بالحقوق الرقمية.
مقاربة للعلاقة بين البشر والأجهزة
ولا تقتصر النقاشات على الجوانب التقنية أو التنظيمية، بل تمتد إلى محاولة فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين الإنسان والأجهزة، وما تطرحه التكنولوجيا من أسئلة فلسفية واجتماعية.
وفي هذا السياق، قال علاء الصايغ، المدير التنفيذي لـ"دليل تضامن"، في حديث لـ"النهار"، إن الجلسة التي أدارها عن "البشر والأجهزة" سعت إلى تقديم مقاربة فلسفية للعلاقة بين الإنسان والتقنية، وإلى فتح المجال أمام نقاش نقدي يتجاوز الاستخدام المباشر للأدوات التكنولوجية.
وأوضح أن الجلسة عُقدت على هامش مؤتمر "خبز ونت"، الذي يشهد نحو 100 جلسة على مدى ثلاثة أيام، تتناول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من زوايا متعددة، بما يشمل دورهما في الحياة اليومية وتأثيراتهما المختلفة والجوانب الحقوقية المرتبطة بهما.
ويعكس هذا التنوّع في الموضوعات توجهاً نحو توسيع النقاش حول التكنولوجيا، بحيث لا يقتصر على تطوّر الأدوات والابتكارات، بل يشمل أيضاً انعكاساتها على المجتمعات والأفراد، والأسئلة التي تثيرها بشأن الحقوق والحريات ومستقبل العلاقة بين الإنسان والأنظمة الرقمية.
مساحة للتعاون وبناء مستقبل الإنترنت
بحسب المنظمين، يهدف "خبز ونت" إلى بناء حركة للحقوق الرقمية في المنطقة وتعزيزها، عبر جمع المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين والصحافيين والباحثين ضمن شبكات تتيح تبادل المعرفة والتعاون والعمل المشترك.
وتتنوع أشكال المشاركة في الملتقى بين حلقات النقاش وورش العمل واستعراض الأدوات ولقاءات التشبيك والجلسات المغلقة، بما يوفر مساحة لطرح القضايا الملحّة المتعلقة بالحقوق الرقمية، ومناقشة الحلول والتوصيات الممكنة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا، يطرح الملتقى أسئلة تتجاوز كيفية استخدام الأدوات الرقمية إلى طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها، والجهات التي تحدد قواعدها، ومدى مراعاتها حقوق المستخدمين واحتياجاتهم.
ومن هنا، يشكّل شعار "فضاءات نتخيّلها" دعوة إلى التفكير في بدائل ممكنة للواقع الرقمي القائم، وإلى التعامل مع مستقبل الإنترنت بوصفه مساحة يمكن التأثير في مسارها من خلال النقاش والتعاون والمشاركة، لا مجرد تطور تقني يفرض نفسه على المجتمعات.
المصدر: النهار