شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الردع العلني.. حين لا تكفي الغرامة

الردع العلني.. حين لا تكفي الغرامة

شهدت‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة‭ ‬مؤخراً‭ ‬واقعة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬طويلاً‭.. ‬شاب‭ ‬عبث‭ ‬بأحد‭ ‬المرافق‭ ‬التعليمية‭ ‬وكتب‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬مدرسة،‭ ‬فكان‭ ‬الإجراء‭ ‬حازماً‭ ‬وحكيماً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬تم‭ ‬ضبطه‭ ‬وإلزامه‭ ‬وذويه‭ ‬بإزالة‭ ‬الكتابة‭ ‬وإعادة‭ ‬طلاء‭ ‬الجدار‭ ‬بالكامل‭ ‬على‭ ‬نفقتهم،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المرفق‭ ‬العام‭ ‬وعدم‭ ‬العبث‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬إتلافه،‭ ‬واتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬يتعدى‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬مع‭ ‬دعوة‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬الإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية‭. ‬ هذا‭ ‬التصرف‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬الكويتية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عقوبة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تربية‭ ‬عملية‭.. ‬فالشاب‭ ‬الذي‭ ‬يعبث‭ ‬بجدار‭ ‬مدرسة‭ ‬لم‭ ‬يدفع‭ ‬ديناراً‭ ‬ويذهب،‭ ‬بل‭ ‬أُجبر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬فعلته،‭ ‬أن‭ ‬ينظف‭ ‬بيديه‭ ‬ما‭ ‬لوثته‭ ‬يداه،‭ ‬وأن‭ ‬يرى‭ ‬والده‭ ‬وهو‭ ‬يتحمل‭ ‬معه‭ ‬نتيجة‭ ‬استهتاره‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الردع‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬الشعور‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ويغرس‭ ‬في‭ ‬النشء‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬مشاعاً،‭ ‬وأن‭ ‬المدرسة‭ ‬والشارع‭ ‬والحديقة‭ ‬هي‭ ‬بيتك‭ ‬الثاني،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تستحِ‭ ‬فاصنع‭ ‬ما‭ ‬شئت،‭ ‬لكنك‭ ‬ستدفع‭ ‬الثمن‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.‬ ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الخليجية‭ ‬بأمس‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬التربوية‭ ‬الردعية‭.. ‬فما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬شوارعنا‭ ‬من‭ ‬تهور‭ ‬واستهتار‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬السائقين،‭ ‬وتفحيط‭ ‬واستعراض‭ ‬يهدد‭ ‬أرواح‭ ‬الأبرياء،‭ ‬وحالات‭ ‬قيادة‭ ‬متهورة‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬السرعة‭ ‬الجنونية‭ ‬أو‭ ‬الانشغال‭ ‬بالهاتف،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الغرامات‭ ‬المالية‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لردعها‭. ‬ كم‭ ‬من‭ ‬سائق‭ ‬دفع‭ ‬مخالفة‭ ‬50‭ ‬أو‭ ‬100‭ ‬دينار‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬يكرر‭ ‬نفس‭ ‬التهور؟‭ ‬الغرامة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬أصبحت‭ ‬مجرد‭ ‬تكلفة‭ ‬للمخالفة،‭ ‬وليست‭ ‬عقوبة‭ ‬رادعة‭.. ‬ولذلك‭ ‬بدأنا‭ ‬نلاحظ‭ ‬توجهاً‭ ‬حكيماً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دولنا‭ ‬الخليجية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬بمعاقبة‭ ‬المخالفين‭ ‬والمتهورين‭ ‬بإجراء‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وعلانية‭: ‬كبس‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬التفحيط‭ ‬والتهور‭ ‬أمام‭ ‬صاحبها‭ ‬وتصويرها‭ ‬ونشرها‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.‬ هذا‭ ‬الإجراء،‭ ‬رغم‭ ‬قسوته‭ ‬الظاهرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬رسالتين‭ ‬مهمتين‭: ‬الأولى‭ ‬لصاحب‭ ‬السيارة‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬بنيته‭ ‬بمالك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إلى‭ ‬كومة‭ ‬حديد‭ ‬بسبب‭ ‬لحظة‭ ‬طيش،‭ ‬والثانية‭ ‬للمجتمع‭ ‬كله‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أرواح‭ ‬الناس‭. ‬وإن‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالتراخي،‭ ‬ولا‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الناعمة‭. ‬ نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرواح‭ ‬تزهق،‭ ‬وعن‭ ‬أسر‭ ‬تفجع،‭ ‬وعن‭ ‬ممتلكات‭ ‬عامة‭ ‬تُدمر‭ ‬بمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدنانير‭ ‬بسبب‭ ‬عبث‭ ‬صبياني‭ ‬أو‭ ‬تهور‭ ‬لحظي‭.. ‬فهل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عقوبة‭ ‬من‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬إزهاق‭ ‬روح‭ ‬أو‭ ‬إعاقة‭ ‬إنسان‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬غرامة‭ ‬مالية‭ ‬يمكنه‭ ‬دفعها‭ ‬عبر‭ ‬التطبيق؟‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬ردع‭ ‬متكاملة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العقوبة‭ ‬المالية،‭ ‬والعقوبة‭ ‬المجتمعية‭ ‬العلنية،‭ ‬والعقوبة‭ ‬التربوية‭. ‬ فعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطبق‭ ‬مبدأ‭ ‬الإصلاح‭ ‬العلني،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الكويت‭. ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬جدار،‭ ‬ينظف‭ ‬الجدار‭.. ‬من‭ ‬يكسر‭ ‬مقعداً‭ ‬في‭ ‬حديقة،‭ ‬يضع‭ ‬بديلاً‭.. ‬من‭ ‬يتلف‭ ‬مرفقاً،‭ ‬يصلحه‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.. ‬هذا‭ ‬يزرع‭ ‬الخجل‭ ‬والمسؤولية‭. ‬ وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المرور‭ ‬والتهور،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬جدياً‭ ‬في‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬حجز‭ ‬المركبة‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬أو‭ ‬كبسها‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التكرار‭ ‬والتفحيط‭ ‬الخطير،‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬ذلك‭ ‬للعبرة،‭ ‬لأن‭ ‬سيارة‭ ‬المتهور‭ ‬هي‭ ‬أداة‭ ‬الجريمة،‭ ‬تماماً‭ ‬كالسلاح‭. ‬ولا‭ ‬يردع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يرتدع‭ ‬بالمال‭ ‬إلا‭ ‬بفقده‭ ‬لما‭ ‬يحب‭. ‬ إن‭ ‬القوانين‭ ‬وجدت‭ ‬لتحمي‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬لتدلل‭ ‬المخالف‭.. ‬والمجتمع‭ ‬الخليجي‭ ‬بطبيعته‭ ‬مجتمع‭ ‬محافظ‭ ‬يحترم‭ ‬النظام‭ ‬ويقدر‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬الدولة‭ ‬بعرق‭ ‬أبنائها‭ ‬وأموالها‭.. ‬لكن‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬فئة‭ ‬مستهترة‭ ‬يجعلها‭ ‬تتمدد‭ ‬وتتجرأ‭ ‬أكثر‭.‬ لقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬ادفع‭ ‬المخالفة‭ ‬وانتهى‭ ‬الأمر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬أصلح‭ ‬ما‭ ‬أفسدت‭ ‬وتحمل‭ ‬وزر‭ ‬فعلك‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع‮»‬‭. ‬فالردع‭ ‬العلني‭ ‬ليس‭ ‬تشهيراً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬للمجتمع‭ ‬وتربية‭ ‬للأجيال،‭ ‬ورسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬هيبة‭ ‬القانون‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.. ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬الخليفة‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يُترك‭ ‬الناس‭ ‬سدىً‭ ‬بلا‭ ‬رادع،‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬يزع‭ ‬بالسلطان‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يزع‭ ‬بالقرآن‮»‬‭. ‬ إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد" عندما يكون المواطن بوصلة القرار رؤية قائد.. ومسيرة إنجاز تسع سنوات في القمة الإنسانية المنامة.. «دافوس مالي» جديد سمو الشيخة زين بنت خالد.. عندما يصبح العطاء نهجا وأثرا مستداما «صُنع في الخليج».. حينما يتحدث المستقبل

المصدر: أخبار الخليج