ليس للطهو فقط… الاستخدامات غير المتوقعة لزيت الزيتون
قبل أن يصبح زيت الزيتون نجماً على الموائد ومرادفاً للحمية المتوسطية، كانت له وظائف أخرى كثيرة. أضاء البيوت، ودخل في الطقوس الدينية وصناعة الصابون والعناية بالجسد، ووصل حتى إلى تدفئة المنازل وتزييت الأدوات. قصة "الذهب الأخضر" تكشف وجهاً آخر لعلاقة الإنسان بالزيتون عبر آلاف السنين.
يحمل زيت الزيتون تاريخاً يعود إلى آلاف السنين، وتُظهر الأدلة الأثرية أن شرق المتوسط والمشرق كانا من أقدم مناطق إنتاجه وزراعته. ومع الوقت، لم يعد الزيت مجرد غذاء، بل تحوّل إلى مادة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية، من الضوء والنظافة إلى الجمال والطقوس والحِرف.
أكثر من زيت… شيء من البيت
لكن علاقة أهل الشرق الأوسط بزيت الزيتون يصعب اختصارها في الاستخدامات وحدها. في قرى كثيرة، يبدأ الحديث عن الزيت قبل أن تصل الزجاجة إلى المائدة: من أي أرض جاءت حبات الزيتون؟ متى قُطفت؟ وفي أي معصرة عُصرت؟ وقد تتحوّل مقارنة زيت هذه القرية بزيت أُخرى إلى حديثٍ عائلي طويل لا يخلو من شيء من الاعتزاز.

فالزيت هنا ليس مجرد مادة غذائية تُشترى عند الحاجة. كثيراً ما يصل في غالونات من بيت الأهل أو من محصول العائلة، ويُرسل إلى الأبناء والأقارب المقيمين في المدن أو في الخارج. وحتى من هاجروا بعيداً، يعرف بعضهم جيداً ذلك المشهد عند العودة من زيارة الوطن: مساحة في الحقيبة مخصّصة لعبوة زيت، كأن مذاقه يحمل معه شيئاً لا يمكن شراؤه من أي متجر.
ربما لهذا السبب تبدو شجرة الزيتون نفسها أقرب إلى فردٍ قديم من العائلة. تُورث الأرض التي تنمو فيها، وتتكرر مواسم قطافها جيلاً بعد آخر، فيما تبقى زجاجة الزيت على المائدة رابطاً صغيراً بين المكان ومن غادروه. بالنسبة إلى كثيرين في لبنان وبلاد الشام وسائر حوض المتوسط، مذاق الزيت ليس مذاق طعام فحسب: إنه، ببساطة، مذاق البيت.
قبل الكهرباء… كان هناك زيت الزيتون
لعل أحد أكثر استخداماته القديمة إثارة للاهتمام هو الإضاءة. فقد كان زيت الزيتون يُسكب في المصابيح الفخارية والمعدنية أو "القناديل"، ويُحرق بواسطة فتيل لإنارة البيوت والأماكن الدينية.
ولم يكن حضوره في الأماكن الدينية مقتصراً على الضوء. فقد ارتبط الزيت أيضاً بالمسح والتكريس والرمزية الروحية في عدد من ثقافات وديانات المتوسط، ما منح شجرة الزيتون نفسها مكانة تجاوزت قيمتها الزراعية والغذائية.

حين تحوّل الزيت إلى صابون
من أشهر الاستخدامات التي صمدت أمام الزمن صناعة الصابون. في نابلس، يُصنع الصابون التقليدي من زيت الزيتون والماء والقلوي، فيما يجمع صابون حلب بين زيت الزيتون وزيت الغار.
وعبر مدن وقرى المشرق، تحوّل الصابون من منتج للاستخدام اليومي إلى حرفة تنتقل بين الأجيال، مرتبطة بالحمّامات التقليدية والبيوت والأسواق القديمة. وفي عام 2024، أدرجت اليونسكو تقاليد مرتبطة بصناعة الصابون النابلسي وصابون الغار الحلبي على قائمة التراث الثقافي غير المادي.

زيت الزيتون: "صيدلية" البيت القديمة
في الطب الشعبي، حضرت زجاجة الزيت في كثير من البيوت باعتبارها حلاً جاهزاً لما هو أبعد من الطعام. استُخدمت في التدليك ودهن البشرة والشعر، كما تناقلت العائلات وصفات تعتمد الزيت الدافئ لتدليك الصدر أو المفاصل، أو لتدليك الأطفال بعد الاستحمام.
وفي بعض البيوت، استُخدم أيضاً لتليين قشرة رأس الرضيع أو تدليك بطنه عند المغص، وغيرها من الممارسات التي توارثتها الجدّات والأمهات.
لكن ما كان شائعاً لا يعني بالضرورة أنه توصية طبية حديثة. فبعض هذه الممارسات لم تثبت فعاليتها طبياً، فيما تشير أبحاث حديثة إلى ضرورة الحذر من استخدام زيت الزيتون على بشرة بعض الرضّع، وخصوصاً عند وجود أكزيما أو مشكلات في حاجز الجلد. لذلك تبقى هذه الاستخدامات جزءاً من التاريخ الاجتماعي والذاكرة الشعبية أكثر منها وصفات علاجية.
زيت الزيتون: للجمال أيضاً حصة
قبل ظهور رفوف الكريمات والسيرومات، وجد زيت الزيتون مكانه في وصفات العناية التقليدية. استُخدم لترطيب البشرة والشعر والتدليك، ودخل أحياناً في تحضير مراهم وزيوت عطرية ممزوجة بالأعشاب.
تعود هذه العلاقة بالجسد إلى حضارات المتوسط القديمة، حيث كان الزيت جزءاً من طقوس الاستحمام والعناية بالجسم، وليس مجرد مكوّن غذائي.

زيت الزيتون: من الخشب إلى مفصل الباب
بعض استخداماته المنزلية تبدو اليوم طريفة ببساطتها. فقطرات قليلة منه استُخدمت لتلميع بعض الأدوات والأسطح الخشبية، أو إزالة آثار المواد اللاصقة، أو تليين سحّاب عالق.
وفي بيوت كثيرة، كانت قطرة زيت حلاً سريعاً أيضاً لمفصل باب بدأ يصدر صريراً. قد تكون مواد التشحيم المخصصة اليوم أكثر فعالية للاستخدام الطويل، لكن هذه التفاصيل تكشف شيئاً من منطق البيت القديم: قبل شراء منتج جديد، كان الناس ينظرون أولاً إلى ما هو موجود في الخزانة.

من القنديل إلى قالب الصابون، ومن طقوس العناية بالجسد إلى مفصل الباب، عاش زيت الزيتون حياةً كاملة خارج المطبخ. وهكذا، يبدو زيت الزيتون أشبه بخيطٍ يربط تفاصيل كثيرة من الحياة القديمة والحديثة معاً.
تغيّرت البيوت، واختفت القناديل، وتطورت أدوات العناية والتنظيف، لكن الزيت بقي حاضراً في الذاكرة كما على المائدة، محتفظاً بمكانته كجزء من حكاية يومية عمرها آلاف السنين.
المصدر: النهار