شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الإنسان العُماني رهان التنمية

الإنسان العُماني رهان التنمية

رابط مختصر د. أحمد بن علي المرهون عملت لعقود في مجال يرتبط ببناء الانسان وتطوير قدراته وعرفت التدريب من داخله كما عرفت الادارة ومشكلاتها اليومية وما تحتاجه المؤسسات حتى تتحول الخطط إلى عمل. وخلال هذه السنوات ترسخت لدي قناعة أجدها اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى وهي الإنسان العُماني قادر على أن يكون أحد أهم رهانات عُمان في المستقبل. أنا أنظر إلى العُماني باعتباره إنساناً قادراً على التعلم والتطور وتحمل المسؤولية وصناعة الفرق. وهذه النظرة نتيجة تجربة طويلة مع الإنسان في بيئات العمل والتدريب والإدارة وليست مجاملة . لكن الرهان على الإنسان لا يعني أن نفترض أن كل موظف قادر بالدرجة نفسها على التطور و في الواقع يعني أن نوفر البيئة التي تكتشف القدرة وتدفعها إلى الأمام. هناك فرق كبير بين الموظف والإنسان القادر، الموظف قد يأتي إلى عمله في الوقت المحدد وينفذ المطلوب منه وينصرف. أما الإنسان القادر فيذهب أبعد من ذلك. يسأل عن سبب المشكلة يبحث عن حل، يقترح فكرة جديدة، يتعلم من الخطأ، ويشعر أن نجاح المؤسسة جزء من نجاحه الشخصي. كثيراً ما نتحدث عن التدريب وكأنه الحل لكل شيء. لكن التدريب وحده لا يصنع الكفاءة. قد يجلس الموظف في عشر دورات تدريبية ويحصل على عشر شهادات ثم يعود إلى مكتبه ويمارس الطريقة نفسها التي كان يمارس بها عمله قبل التدريب. المشكلة هنا ليست في المدرب دائماً، ولا في البرنامج التدريبي ، المشكلة في استعداد الإنسان نفسه للتغيير. التدريب يعطي المعرفة والأدوات ويفتح الأفق لكنه لا يستطيع أن يزرع الرغبة في الإنسان إذا لم تكن موجودة. ولذلك فإن المؤسسة التي تريد تطوير موظفيها تحتاج إلى اختيار الأشخاص القابلين للتعلم وتشجيع المبادرة ومكافأة الإنجاز وإعطاء الموظف مساحة حقيقية لتطبيق ما تعلمه. ومن هنا أرى أن تنمية الموارد البشرية يجب أن تنتقل من فكرة إرسال الموظف إلى دورة إلى فكرة أوسع تقوم على بناء شخصية مهنية قادرة على التعلم المستمر. وهذا يقودنا إلى الجامعات. فالجامعة لا تستطيع أن تكتفي بتخريج طالب يحمل شهادة جامعية. سوق العمل تغير والوظائف نفسها تتغير وبعض المهارات التي يحتاجها سوق العمل اليوم لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل سنوات. لذلك فإن الجامعة مطالبة بأن تقترب أكثر من سوق العمل وأن تعرف ما الذي تحتاجه المؤسسات وما المهارات التي يبحث عنها صاحب العمل وأن تمنح الطالب فرصة للتعامل مع مشكلات حقيقية قبل أن يحصل على شهادته. وهنا يمكن الإشارة إلى تجربة( إعداد) في عُمان، وهي تجربة تقوم على تدريب طلبة السنوات المتقدمة في مؤسسات صناعية خلال فترة الدراسة وربط مشروعاتهم ومهاراتهم بمشكلات حقيقية في القطاع الصناعي. الفكرة في حد ذاتها مهمة لأنها تنقل الطالب من قاعة المحاضرة إلى بيئة العمل قبل التخرج وتمنحه فرصة لمعرفة طبيعة المهنة التي سيدخلها. كما أن البرنامج يهدف صراحة إلى تقليص الفجوة بين التعليم والصناعة ورفع قابلية الخريجين للتوظيف. هذا هو الاتجاه الذي تحتاج إليه الجامعات بصورة أوسع. الطالب لا ينبغي أن ينتظر يوم تخرجه حتى يكتشف معنى العمل. عليه أن يقترب من المؤسسة وأن يعمل ضمن فريق وأن يتعامل مع مشكلة حقيقية وأن يكتشف نقاط قوته وضعفه قبل أن يدخل سوق العمل. النموذج الثاني يتمثل في الاهتمام بإعداد القيادات العُمانية. الأكاديمية السلطانية للإدارة تقدم مثالاً مهماً في هذا المجال من خلال برامج تستهدف القيادات في القطاعين العام والخاص ومنها البرنامج الوطني للرؤساء التنفيذيين الذي جمع قيادات من القطاع الخاص في رحلة تعليمية امتدت ثمانية أشهر وشملت التدريب وورش العمل والتوجيه والزيارات الميدانية. كما توجد برامج تستهدف الإدارة الوسطى والقيادات المستقبلية. أهمية هذه التجارب أنها تنظر إلى الإنسان من زاوية تتجاوز الوظيفة. المؤسسة لا تحتاج فقط إلى موظف يعرف عمله رغم أهمية ذلك ، هي تحتاج إلى مدير يعرف كيف يقود الآخرين وكيف يتخذ القرار وكيف يتعامل مع التغيير وكيف يرى المستقبل قبل أن يصل إليه. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع هذه النظرة لتشمل كل مستويات العمل. فليس صحيحاً أن تطوير القيادات يبدأ عندما يصل الموظف إلى منصب إداري. القيادة يمكن أن تبدأ من طريقة تفكير الموظف في عمله ومن قدرته على تحمل المسؤولية ومن استعداده لتقديم فكرة جديدة. إن عُمان تمتلك تجربة طويلة في بناء المؤسسات واليوم تحتاج إلى الاستثمار بصورة أكبر في الإنسان الذي سيحمل مسؤولية هذه المؤسسات في السنوات القادمة. الاستثمار في الإنسان يعني اكتشاف المواهب وتطوير التعليم وربط الجامعات بسوق العمل وإعطاء الشباب فرصاً حقيقية للتجربة وإعداد القيادات وبناء بيئة عمل تحترم الفكرة وتشجع المبادرة. لقد تغير العالم من حولنا بسرعة. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كثير من الوظائف والتكنولوجيا تفرض مهارات جديدة والمنافسة لم تعد محصورة داخل الحدود. لذلك فإن الموظف الذي يكتفي بما تعلمه أمس قد يجد نفسه بعد سنوات غير قادر على مواكبة عمله. أما الإنسان القادر على التعلم فلديه فرصة أكبر للاستمرار.ولهذا أعود إلى الفكرة التي بدأت بها: أنا أراهن على الإنسان العُماني. لكن الرهان الحقيقي ليس على الإنسان بوصفه موظفاً، الرهان الحقيقي على الإنسان القادر على التفكير. أما الإنسان القادر فيفكر قبل أن ينفذ ويسأل ويقترح ويتعلم ويطور، ويتحمل المسؤولية. وعندما تتحول هذه الصفات إلى ثقافة عامة في المؤسسات والجامعات ومواقع العمل فإن تنمية الموارد البشرية ستصبح جزءاً من طريقة بناء عُمان للمستقبل.

المصدر: الرؤية