«قوقل» تحظر شركة إسرائيلية بعد كشف استخدام الإعلانات لاختراق الهواتف
لم يعد اختراق الهواتف يتطلب الضغط على رابط مشبوه أو تنزيل ملف ضار؛ إذ كشف تحقيق أمني عن تقنية تجسس جديدة تستغل الإعلانات الإلكترونية لاستهداف الأجهزة وإصابتها ببرامج تجسس دون أي تفاعل من المستخدم، بعدما تظهر له إعلانات تبدو عادية على مواقع إلكترونية وتطبيقات شائعة. وكشف باحثون من «سيتيزن لاب» بجامعة تورونتو الكندية، بالتعاون مع شركة الأمن السيبراني الأمريكية «كونفيانت»، عن تقنية أطلقوا عليها اسم «AdFection»، قالوا إنها استُخدمت لاختراق أجهزة صحفيين وموظفين في شبكة «الجزيرة»، مع رصد حملات إعلانية استهدفت أيضًا أشخاصًا مرتبطين بمؤسسات دولية وشركات تكنولوجية ودفاعية. ووفق التحقيق الذي نشرته صحيفة «فاينانشيال تايمز»، تقف وراء التقنية شركة «ديسكفر-تك» الإسرائيلية، التي استغلت منظومة الإعلانات الرقمية لتحويلها إلى قناة سرية لتوصيل برامج التجسس إلى أجهزة مستهدفة. التقنية الجديدة تختلف عن أساليب التجسس التقليدية التي تعتمد غالبًا على خداع المستخدم لدفعه إلى الضغط على رابط خبيث أو تنزيل ملف مصاب؛ إذ يمكن أن تبدأ عملية الاختراق بمجرد عرض إعلان على جهاز الضحية، دون الحاجة إلى أي إجراء منه. وقال بيل ماركزاك، الباحث البارز في «سيتيزن لاب»، إن شركة «ديسكفر-تك» استغلت منظومة الإعلانات الرقمية لسنوات، وحولت مواقع موثوقة وتطبيقات واسعة الانتشار إلى وسيلة لتوصيل برامج التجسس دون نقرة. وتكمن خطورة الأسلوب في اعتماده على البنية التحتية للإعلانات عبر الإنترنت، التي تعالج يوميًا عددًا هائلًا من المعاملات الإعلانية، ما يتيح استهداف مستخدمين محددين عبر منصات قد لا تبدو مرتبطة بأي نشاط تجسسي. وبحسب نتائج البحث، استُخدمت منصة «ديسكفر-تك» لاستهداف صحفيين وموظفين في شبكة «الجزيرة» خلال عامي 2024 و2025، وأُصيبت 45 جهازًا على الأقل ببرامج تجسس تجارية طورتها شركة إسرائيلية أخرى تُدعى «كانديرو». وأشار الباحثون إلى أن البيانات التي فحصوها قد تدل على استخدام المنصة لتوصيل برامج تجسس طورتها شركات إسرائيلية أخرى أيضًا. وقال ماركزاك إن الشركة تمثل على الأرجح جزءًا صغيرًا من مشكلة أوسع، محذرًا من أن الاندماج في منظومة الإعلانات الإلكترونية يمنح شركات التجسس أدوات خفية للوصول إلى أهداف مهمة. وأظهرت بيانات استعادها الباحثون أن «ديسكفر-تك» تقدمت بعروض لشراء مساحات إعلانية نحو 3.7 مليار مرة بين مارس ويونيو 2026، وفازت بنحو 442 مليون مرة. وظهرت إعلانات الشركة على أكثر من 120 ألف موقع إلكتروني، من بينها مواقع إخبارية تابعة لهيئتي «بي بي سي» و«نيويورك تايمز»، إضافة إلى أكثر من 70 ألف تطبيق للهواتف المحمولة، شملت «ياهو ميل» و«دولينجو» وتطبيقات مواعدة مثل «بادو» و«غريندر»، وفق التقرير. ولا يعني ظهور الإعلانات على هذه المواقع والتطبيقات أن الجهات المالكة لها كانت متورطة في التجسس؛ إذ تكمن المشكلة في استغلال منظومة الإعلانات التي تتيح عرض محتوى إعلاني لمستخدمين محددين عبر منصات متعددة. كما استهدفت الإعلانات، بحسب بيانات البحث، مستخدمين يُعتقد أنهم يعملون لدى مؤسسات حكومية وأجهزة إنفاذ القانون وقطاعات البنية التحتية الحيوية في النرويج والسويد والدنمارك، إلى جانب أجهزة مرتبطة بشركة «رايثيون» الأمريكية للصناعات الدفاعية، وشركات أشباه الموصلات مثل «إنفيديا» و«سانديسك» و«آرم». وأكد الباحثون أن الحد الأدنى المؤكد هو استخدام الإعلانات في تحديد خصائص هؤلاء المستخدمين، بينما يتطلب التأكد من إصابة أجهزتهم ببرامج التجسس تحقيقًا إضافيًا عاجلًا. وتعتمد الإعلانات الموجهة على نظام مزادات آلية يُعرف باسم «المزايدة في الوقت الفعلي»، تتنافس فيه الجهات الإعلانية على عرض إعلان لمستخدم معين خلال أجزاء من الثانية. وخلال هذه العملية، ترسل منصات تبادل الإعلانات، التي تديرها شركات مثل «قوقل» و«ياندكس»، طلبات عروض إلى المعلنين المحتملين، تتضمن معلومات عن المستخدم، مثل موقعه التقريبي وعنوان بروتوكول الإنترنت وسجل التصفح. وتُستخدم هذه البيانات عادةً لتخصيص الإعلانات، لكن تقرير «سيتيزن لاب» يقول إن برنامج «ديسكفر-تك» استغلها لتحديد هوية المستخدمين المستهدفين بصورة أدق، ثم إرسال شيفرات خبيثة مخفية داخل إعلانات تبدو غير ضارة إلى الأجهزة المختارة، بهدف إصابتها ببرامج التجسس. وكانت «ديسكفر-تك» مدرجة ضمن موردي الإعلانات المعتمدين لدى «قوقل» والاتحاد الأوروبي لصناعة الإعلانات التفاعلية «IAB Europe»، قبل إطلاع الجهتين على نتائج التحقيق. وقالت «قوقل» لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إنها حظرت الشركة من منصاتها الإعلانية، عقب تحقيق مشترك مع «سيتيزن لاب» و«كونفيانت»، بسبب انتهاك سياساتها بصورة منهجية. من جانبه، أعلن اتحاد «IAB Europe» تعليق الشركة من قائمته العالمية للموردين لحين استكمال التحقيقات. وسُجلت «ديسكفر-تك» في إسرائيل في مارس 2020، ويظهر في السجلات أن ديكل بوني يتولى منصب المدير التنفيذي ورئيس الشركة. ووفق «سيتيزن لاب»، تقدم الشركة نفسها باعتبارها شركة إعلانات مشروعة، لكنها تؤدي دور الوسيط بين موردي الإعلانات وشركات التجسس. ولم ترد الشركة أو بوني على طلبات التعليق. شركة تجسس أخرى مدرجة على القائمة السوداء الأمريكية أما شركة «كانديرو»، التي طورت برامج التجسس المستخدمة في إصابة الأجهزة المستهدفة، فقد أدرجتها الحكومة الأمريكية على القائمة السوداء عام 2021، بعد تحقيق مشترك بين «سيتيزن لاب» و«مايكروسوفت» اتهمها بتطوير برنامج تجسس عُرف باسم «DevilsTongue»، استُخدم لاستهداف أكثر من 100 سياسي وصحفي وشخص آخر. ويأتي الكشف الجديد في سياق تحذيرات متواصلة من إساءة استخدام برامج التجسس التجارية، التي يمكن أن تستهدف صحفيين وشخصيات سياسية وموظفين في مؤسسات حساسة. وتسلط القضية الحالية الضوء على مخاطر جديدة في منظومة الإعلانات الرقمية، إذ قد تتحول بيانات الاستهداف الإعلاني، المصممة أساسًا للوصول إلى الجمهور المناسب، إلى وسيلة لتحديد الأشخاص ومراقبة أجهزتهم دون علمهم.
المصدر: عكاظ