شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حسابات المركزي في الخارج.. متى تصل آثارها إلى التاجر السوري؟

حسابات المركزي في الخارج.. متى تصل آثارها إلى التاجر السوري؟

تفتح التصريحات التي أدلى بها حاكم المركزي صفوت رسلان خلال منتدى إسطنبول الاقتصادي، بشأن إعادة تفعيل حسابات المصرف لدى عدد من المصارف المركزية الدولية، الباب أمام تساؤلات اقتصادية حول مدى قدرة هذه الخطوة على تسهيل التحويلات المالية والتجارة الخارجية السورية. الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم يرى في حديثه لـ “الوطن” أن إعادة تفعيل هذه الحسابات تمثّل خطوة مؤسسية مهمة، لأنها تعيد جزءاً من البنية المالية الرسمية التي فقدتها سوريا خلال سنوات العزلة، لكنها لا تعني وحدها أن التحويلات التجارية ستعود إلى طبيعتها فحساب المركزي في الخارج يُستخدم لإدارة الاحتياطيات وتسوية المدفوعات الرسمية بين المؤسسات النقدية، وليس الحساب الذي يرسل عبره التاجر ثمن بضاعته. ويوضح عبد الكريم أن الحسابات الثلاثة ليست بالدرجة نفسها من التوثيق، فالحساب الأميركي مؤكد من الطرفين، إذ أعلن المصرف المركزي السوري في 28 شباط 2026 إعادة فتحه، ورحّبت الخزانة الأميركية في 11 آذار بعودته إلى العمل لأول مرة منذ عام 2011، لكن لم تُنشر بيانات عن حجم العمليات التي تمر عبره أو طبيعتها. أما الحساب التركي، فهو مؤكد أيضاً من الجانب التركي، وهو حساب وديعة بالليرة التركية، وُقّع اتفاقه في 29 تموز 2026، من دون أن يكشف المركزي التركي آلية عمله أو نطاقه، وبالنسبة إلى الحساب الفرنسي، فقد أُعيد تفعيله، وفق إعلان المركزي السوري، في تموز بالتزامن مع إعلان فرنسي عن بدء إعادة 51 مليون يورو من الأصول المصادرة، ولم يجد عبد الكريم بياناً مستقلاً من بنك فرنسا يُفصّل طبيعة هذا الحساب، مؤكداً أنه لا يصح اعتباره عودة إلى نظام المدفوعات الأوروبي. المصارف المراسلة هي الحلقة الحاسمة ويشير عبد الكريم إلى أن ما يحتاجه التاجر فعلياً هو المصرف المراسل، أي بنك أجنبي يفتح حساباً لبنك سوري وينفّذ عنه التحويلات بالدولار أو اليورو، بما يتيح دفع قيمة الواردات واستلام عائدات الصادرات، موضحاً أنه عندما تريد شركة سورية شراء معدّات بمليون دولار، فإنها تحتاج إلى بنك محلي لديه مراسل موثوق، وإلا مرت العملية عبر عدّة وسطاء، مع رسوم أعلى ووقت أطول ومخاطر أكبر، فحساب المركزي يعيد الطريق الرسمي بين المؤسسات، أما البنوك المراسلة فهي التي تجعل هذا الطريق قابلاً للاستخدام اليومي. وينطبق الأمر نفسه على نظام «سويفت»، الذي أرسل المصرف المركزي السوري عبره أول رسالة إلى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في 20 تشرين الثاني 2025، فهذا النظام وسيلة لإرسال التعليمات، أما المصرف المراسل فهو الجهة التي تحرّك الأموال وتسوّيها. ويعتبر عبد الكريم أن العقبة الحالية تجارية أكثر منها قانونية، فمنذ الأول من تموز 2025 يسمح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي “أوفاك” للمؤسسات الأميركية بتقديم خدمات مالية لسورية وإقامة علاقات مراسلة مع بنوكها، بشرط ألا يكون أي طرف مدرجاً على قوائم العقوبات، كما رُفعت سوريا في آب 2026 من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. لكن السماح القانوني، بحسب عبد الكريم، يختلف عن استعداد البنك التجاري للتعامل وهنا يظهر ما يسمى “تجنب المخاطر”، أي أن يرفض بنك دولي التعامل مع بلد رغم أن التعامل قانوني، لأن كلفة التدقيق مرتفعة، والبيانات ناقصة، واحتمال الغرامة أو الضرر بالسمعة كبير. ويضيف: إن سوريا ما زالت على قوائم الدول عالية المخاطر في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فيما لا يزال المصرف التجاري السوري مصنفاً أميركياً كمصدر قلق رئيسٍ في مجال غسل الأموال. خفض التكاليف وتمويل التجارة ويوضح عبد الكريم أن الأثر المحتمل لإعادة تفعيل الحسابات يمر عبر أربع قنوات رئيسة، تتمثّل في خفض العمولات نتيجة تقليل عدد الوسطاء، وتقليص زمن التسوية، وخفض المخاطر على المصدّر الأجنبي، ثم استعادة تمويل التجارة، الذي يعد الأهم بينها. ويشرح أن خطاب الاعتماد هو تعهّد من البنك بالدفع للبائع عند تقديم مستندات الشحن، وأن غيابه يجبر المستورد السوري غالباً على الدفع مقدّماً، ما يؤدي إلى تجميد رأس ماله العامل، أي الأموال التي يحتاج إليها لشراء المواد ودفع المصاريف قبل تحصيل مبيعاته. وتظهر الأرقام حجم المصالح التجارية المرتبطة بهذه الخطوة، إذ ارتفعت الصادرات التركية إلى سورية من 1.51 مليار دولار في عام 2024 إلى 2.57 مليار دولار في عام 2025، وبلغت 1.28 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة نسبتها 26.4 بالمئة، وقد ربط المصدّرون الأتراك أنفسهم استمرار النمو باندماج المصارف السورية في النظام المالي الدولي. ويرى عبد الكريم أن الحساب التركي قد يسرّع التسويات ويخفض بعض التكاليف إذا تحوّل إلى قناة تشغيلية، لكنه لا يلغي الوسطاء تلقائياً. المواطن يختار القناة الأنفع وفيما يتعلق بالحوالات، يلفت إلى أن المركزي السوري يقدّر ما تلقته الأسر بنحو 8 مليارات دولار في عام 2023، بحسب تقرير البنك الدولي، في حين أن الرقم المسجل في ميزان المدفوعات أقل بكثير، ما يعني أن معظم الأموال تمر خارج المصارف، فالمواطن يختار القناة الأنفع له، وليس بالضرورة الأكثر رسمية، إذ يقارن بين سعر الصرف والرسوم والسرعة وسهولة السحب لذلك، لن تنتقل الحوالات إلى المصارف إلا إذا تفوقت القنوات المصرفية على هذه المعايير. ويشبّه عبد الكريم القنوات المصرفية بالأنابيب التي تنقل الأموال، في حين تمثل الاحتياطيات المياه التي يجب أن تأتي من صادرات واستثمار وتحويلات فعلية، محدداً سلسلة من الشروط اللازمة لترجمة إعادة تفعيل الحسابات إلى نتائج ملموسة، تبدأ بتفعيل الحسابات المركزية، ثم إصلاح الامتثال، وتعزيز شفافية العملاء والملكية، وتقييم كل بنك سوري على حدة، وصولاً إلى قبول البنك الأجنبي للمخاطر وفتح حساب المراسلة، ثم بدء التحويلات وخطابات الاعتماد. ويشير إلى أن سوريا أنجزت الحلقة الأولى وبدأت الثانية، كما ناقشت في الثاني من تشرين الأول مع الخزانة الأميركية تقرير فجوات أعدته شركة “أوليفر وايمان”، وأجرت محادثات مع “جي بي مورغان”. ويخلص عبد الكريم إلى أن نجاح هذه الخطوات ينبغي أن يُقاس بعدد علاقات المراسلة الجديدة وأسماء البنوك التي تقيمها، وعدد خطابات الاعتماد، وكلفة الحوالة وزمن تنفيذها، لا بعدد الحسابات المعلنة.

المصدر: الوطن