إيميل طيّان لـالنهار: على الكتاب أن يتغيّر ويتكيّف
في معرض "بيروت للكتاب"، يتحدّث الرئيس التنفيذي لمكتبة أنطوان عن مستقبل الكتاب في العصر الرقمي، وتغيّر عادات القراءة، ومكانة اللغة الفرنسية في لبنان.
في معرض "بيروت للكتاب"، تحتلّ مكتبة أنطوان مساحة واسعة تضمّ كتباً بالعربية والفرنسية والإنكليزية، موزّعة بحسب الفئات وموجّهة إلى مختلف الأعمار. وفي هذه المناسبة، التقت "النهار" إيميل طيّان، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمكتبة أنطوان، للحديث عن مستقبل الكتاب، والتحوّلات التي يشهدها سوق النشر، ودور الثقافة في المجتمع اللبناني.
الكتاب في مواجهة العصر الرقمي
هل لا يزال الكتاب الورقي قادراً على الصمود في مواجهة انتشار المحتوى الرقمي؟ بالنسبة إلى إميل طيّان، ليست التنبؤات باختفاء الكتاب جديدة.
يقول: "منذ أن بدأت العمل في هذا المجال، يُعلنون مراراً موت الكتاب". ويشير إلى أنّ الأقراص المدمجة (CD)، ثم الأقراص المدمجة المخصّصة للبيانات (CD-ROM)، طُرحت في مراحل سابقة باعتبارها ابتكارات قادرة على تغيير أنماط الاستخدام. لكنّ هذه الوسائط اختفت تدريجياً، فيما استمرّ الكتاب في الحضور.
غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الكتاب قادر على البقاء بالشكل نفسه إلى الأبد. ويؤكّد طيّان أنّه "على الكتاب أن يتغيّر ويتكيّف"، معتبراً أنّ استمراريته ترتبط أيضاً بقدرته على مواكبة تطلّعات القرّاء الجديدة.
وتظهر هذه التحوّلات بوضوح في المبيعات. فكتب الطبخ، التي كانت من بين الأكثر مبيعاً في المكتبة، لم تعد تحظى بالطلب نفسه، بعدما باتت الوصفات متاحة بسهولة عبر الإنترنت. وينطبق الأمر ذاته على أدلّة السفر، في ظلّ توافر المعلومات العملية عبر المنصّات الرقمية.
لكنّ ذلك لا يعني ضرورة اختفاء هذه الفئات من الكتب، بل إعادة النظر في طريقة تقديمها. فبدلاً من الاكتفاء بالوصفات، يمكن لكتب الطبخ التوسّع في استكشاف الثقافات الغذائية، فيما تستطيع الكتب المتعلّقة بالسفر التركيز على وجهات وتجارب مميّزة. والهدف هو مواصلة تقديم محتوى يتجاوز مجرّد البحث عن المعلومات.
مكتبة تتجاوز المبيعات
لا تقتصر مشاركة مكتبة أنطوان في معرض "بيروت للكتاب" على الأهداف التجارية. فالمكتبة، التي تستند إلى تاريخ طويل وتنوّع في إصداراتها، تسعى أيضاً إلى التأكيد أنّ اللبنانيين لا يزالون متمسّكين بالتعليم والثقافة.
ويشدّد طيّان على أهمية إقامة معرض "بيروت للكتاب" ومعرض الكتاب العربي والدولي في المكان نفسه.
ويقول: "هذا الأمر مهمّ للغاية، لأنّه يكسر الحواجز بدلاً من تصنيف القرّاء".
فوجود مختلف اللغات والتقاليد الأدبية في مساحة واحدة يتيح للقرّاء اكتشاف عوالم جديدة، بعيداً من حصرهم في إطار لغوي أو ثقافي واحد. كما يعكس هذا التنوّع واقع لبنان، إذ تحتلّ اللغة الفرنسية مكانة خاصة، على الرغم من تراجع حضورها.
أيّ مكانة للفرنسية في لبنان؟
يقرّ طيّان بأنّ اللغة الفرنسية لم تعد تحتلّ المكانة نفسها التي كانت لها سابقاً في المجتمع اللبناني. ويرى أنّه لا بدّ من الاعتراف بهذا التغيّر بدلاً من الادّعاء بأنّ حضورها لا يزال على حاله.
لكنّه يلاحظ أنّ الأشخاص الذين يواصلون التحدّث بالفرنسية يتقنونها غالباً بدرجة عالية. وبالنسبة إليه، تتجاوز أهمية اللغة ارتباطها بتقاليد ثقافية محدّدة.
ويوضح: "أحبّ أن أنظر إلى الفرنسية باعتبارها لغة، لا ثقافة بالضرورة". فاللغة الفرنسية، وفق رؤيته، تشكّل وسيلة للتواصل والانفتاح على بلدان أخرى، ولا سيّما تونس والمغرب، بما يتيح التعرّف إلى آفاق جديدة.
ويبقى نقل هذه اللغة إلى الأجيال الشابة تحدّياً أساسياً، خصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي أثّرت في القطاع التربوي. وفي هذا السياق، يؤكّد طيّان أنّ مكتبة أنطوان أعدّت مجموعات من الكتب بأسعار مدروسة، لمساعدة المدارس على تحمّل التكاليف والحفاظ على إتاحة الثقافة أمام الطلاب.
وتعكس هذه المبادرة أهمية التعليم في رؤية المكتبة، في وقت قد تشكّل فيه كلفة الكتب عائقاً أمام بعض المؤسسات التربوية والعائلات.
ومن خلال مشاركتها في معرض "بيروت للكتاب" ومبادراتها لدعم القراءة، تدافع مكتبة أنطوان عن مفهوم للكتاب يتجاوز البعد التجاري. ففي بلد تتعايش فيه لغات وتقاليد ثقافية متعدّدة، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الكتاب سيصمد، بل يشمل أيضاً كيفية مواكبته للتغيّرات مع الحفاظ على دوره في نقل المعرفة والانفتاح على العالم.
المصدر: النهار