كان يسأل عن الحياة... وانتهت قصته بمأساة: ماتياس حبيب والذكاء الاصطناعي
ليس هناك ما هو أشدّ إيلامًا على قلب أمّ وأب من اكتشاف أن ابنهما كان يخوض حوارًا صامتًا، على بُعد خطوات منهما، من دون أن يدركا حجم ما يعيشه أو إلى أين يمكن أن يقوده. Advertisement من منّا لم يسمع بقصة ماتياس حبيب؟ قبل الخوض في الظروف التي قادته إلى إنهاء حياته، لا بدّ من التوقف عند وجع أبوَيه، شربل وسها حبيب، اللذين حملا ألمهـما ودموعهما وقرّرا ألّا يصمتا. فقد تقدّما بدعوى قضائية ضد شركة OpenAI ورئيسها التنفيذي أمام المحكمة العليا في كاليفورنيا، متّهمَين الشركة بالتسبّب في وفاة ابنهما، في قضية تعيد فتح النقاش حول مسؤولية الذكاء الاصطناعي وحدود تأثيره في حياة المستخدمين، ولا سيّما الفئات الأكثر هشاشة. وتمثّل العائلة في الدعوى "مركز ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي" و"مشروع العدالة التقنية القانوني". وتقول العائلة إن الشركة كانت تملك القدرة التقنية على التدخل في المحادثات الخطرة، سواء بحظر المستخدمين أو بالإبلاغ عن الرسائل، لكنها لم تفعل. وتشير إلى أن OpenAI نفسها أقرّت علناً في آب 2025 بأن أنظمة الأمان لديها لا تعمل دائماً كما يُفترض في المواقف الحساسة. وتضيف أنه حتى لو عملت هذه الضوابط جيداً، يبقى عقل المراهق في طور النمو نقطة ضعف يسهل استغلالها، كما تُستغل ثغرة في برنامج حاسوب. لكن قبل أن يصير ماتياس عنواناً في الأخبار، كان فتىً في الخامسة عشرة، يستخدم "تشات جي بي تي" للسؤال عن واجب مدرسي، كاميرا يفكر في شرائها، مسار تنزه لعطلة الأسبوع، سيارة كلاسيكية أحبها. أسئلة عادية، بريئة. كان ماتياس متفوقاً في دراسته، لم يكن في حياته أي تاريخ من المشكلات النفسية، ولم تكشف تحقيقات شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي عن نزاعات عائلية أو عدم استقرار. ولم يكن في استخدامه للمنصة إفراط ولا سهر. استمر ماتياس في طرح الأسئلة وقرر أن يطوّر نفسه بقراءة "التأملات" لماركوس أوريليوس، ومن هنا بدأ المسار حسب الدعوى. من أوريليوس إلى العدمية تقول العائلة إن المنصة، على مدى ثلاثة أشهر، قادت الفتى من تلقاء نفسها ودون توجيه منه من أوريليوس إلى نيتشه، ثم إلى العدمية والوجودية. وتُظهر السجلات، وفق ما ورد في الدعوى، أنها أخبرته بأن الحياة غير الخاضعة للفحص لا تستحق العيش، ووصفت ذلك بأنه دليل نضج فكري. كما تشير إلى أنها وصفت الانتحار بأنه فعل "هادئ وكريم". وفي كل هذه الأثناء، كانت المنصة تعرف عمره، فقد سجّلته واحتفظت به. وتخلص التحقيقات، بحسب العائلة، إلى عامل مساهم: تعرّض مستمر لأفكار فلسفية تفوق قدراته الإدراكية، قُدِّمت له بثقة وطلاقة. فالذكاء لا يعني النضج، والمراهق في الخامسة عشرة لا يملك الأدوات اللازمة لمقاومة أفكار صيغت له بهذه الإتقان. وفضوله، وهو أجمل ما فيه، كان بحسب العائلة هو ما جرى استغلاله. من سؤالٍ صادم إلى نهاية مأساوية في 30 آذار، الساعة 2:10 فجراً، سأل ماتياس المنصة مباشرة إن كان عليه أن ينهي حياته. لم يصدر أي تنبيه لأي جهة، ولم يصل إنذار إلى أحد. كان والداه في المنزل نفسه. وبعد 23 يوماً، في 22 نيسان 2026، رحل ماتياس. الآلة تعرف كل شيء وتشعر بلا شيء ويقول والد ماتياس: "الذكاء الاصطناعي مفيد للبشرية، فقد يساعد في علاج السرطان وتعزيز الإنتاجية، لكن ما الغاية من تفاعله مع الأطفال؟"، وتقول والدته إن التطبيق كان أمامه 23 يوماً ليحذّرها، لكنه لم يفعل. وتخليداً لذكراه، أسست العائلة "مؤسسة ماتياس حبيب" لحماية الأطفال من أضرار الذكاء الاصطناعي عبر التوعية والممارسات العملية والأبحاث. قصة ماتياس تفتح سؤالاً أكبر من دعوى قضائية: إلى أين يأخذنا هذا التطور؟ نحن أمام تقنية تكتب بطلاقة، وتحاور بثقة، وتبدو وكأنها تفهمنا. لكنها، مهما بلغت من المعرفة، تبقى بلا إحساس وبلا إنسانية. الإنسان حين يسمع سؤالاً كالذي سأله ماتياس في الثانية فجراً، يتوقف. يرتجف صوته، ويقلق، ويوقظ من في البيت، ويمسك بيد صاحب السؤال. هذا ما يفعله أي أب أو أم أو صديق أو معلم، لا لأنه قرأ أكثر، بل لأنه يشعر. أما الآلة فتُجيب، وقد تُجيب بأسلوب أنيق ومقنع، لكنها لا تخاف على أحد، ولا تعرف معنى أن ينتهي عمر فتى في الخامسة عشرة. وهنا تكمن أهمية التنبه إلى مخاطر وسائل الذكاء الاصطناعي، ومراقبة تأثيرها في الأطفال والمراهقين، من دون الاكتفاء بمنعهم من استخدامها، بل من خلال البقاء إلى جانبهم، والإصغاء إلى أسئلتهم ومخاوفهم، ومساعدتهم على التمييز بين ما تقدّمه هذه الأدوات وما يحتاجون إليه فعلاً. فمهما تطوّرت التكنولوجيا، لا يمكن أن تحلّ مكان حضور الأهل ووعيهم، ولا أن تعوّض عن الاهتمام الإنساني الذي قد يحتاج إليه الطفل في لحظة ضعف.
المصدر: لبنان 24