قرار أممي ينسف دعاية الرباط ويجدد التمسك بحق الصحراويين في تقرير المصير
جدّدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، تأكيد حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، بعدما اعتمدت قرارًا بشأن الصحراء الغربية حظي بدعم 152 دولة، من بينها المغرب نفسه، في تصويت أعاد تثبيت الإطار القانوني للقضية باعتبارها مسألة تصفية استعمار، وأبقى ملفها قيد النظر أمام الهيئات الأممية المختصة، في وقت تحاول فيه وسائل إعلام مغربية تسويق القرارات الأممية الأخيرة باعتبارها انتصارًا نهائيًا للطرح المغربي. أعادت لجنة المسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، المعروفة باللجنة الرابعة، الخميس، التأكيد على القرارات الأممية المتعلقة بالصحراء الغربية، وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة 1514 الصادر في 14 ديسمبر 1960، المتضمن إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، وقرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر في 29 أفريل 1991، الذي أنشأ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو». كما أخذت اللجنة علمًا بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ في 31 جويلية 2026، الذي أكد أن قضية الصحراء الغربية تُعالج داخل الهيئات الأممية المختصة باعتبارها مسألة تتعلق بإنهاء الاستعمار، وطلبت من اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة مواصلة النظر في وضع الإقليم وتقديم تقرير بشأنه إلى الجمعية العامة في دورتها الثانية والثمانين، مع دعوة الأمين العام إلى تقديم تقرير حول تنفيذ القرار. ويضع تصويت المغرب لصالح القرار الرباط أمام مفارقة سياسية وإعلامية، إذ يأتي في وقت تروّج فيه وسائل إعلام مغربية قراءات تعتبر أن التطورات الأممية الأخيرة حسمت النزاع وفق الطرح المغربي، بينما يتضمن القرار الذي صوّتت لصالحه تأكيدًا على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وإبقاء القضية ضمن مسار تصفية الاستعمار، ومواصلة النظر فيها داخل الأمم المتحدة. وفي قراءة لهذه المفارقة، اعتبر المدير المركزي للأرشيف الإعلامي الصحراوي، السالك مفتاح، أن تصويت المغرب لصالح القرار يمثل إقرارًا بالإطار الأممي الذي يدرج الصحراء الغربية ضمن قضايا تصفية الاستعمار، مستحضرًا أن الرباط سبق أن عبّرت عن موقف مماثل أمام اللجنة ذاتها سنة 1966، قبل أن تغيّر موقفها سنة 1974، وفق ما أورده في تعليقه على القرار. وتتجاوز دلالة التصويت، وفق هذه القراءة، مجرد تأييد وثيقة أممية، لتطرح تساؤلات بشأن التناقض بين الموقف الذي عبّر عنه المغرب داخل اللجنة الرابعة وبين الخطاب الإعلامي الذي يسعى إلى تقديم القضية باعتبارها محسومة. فالنص الذي أيده المغرب لا يتضمن إعلانًا عن إنهاء النظر في القضية، بل يطلب صراحة مواصلة دراستها باعتبارها مسألة تتعلق بإنهاء الاستعمار، وتقديم تقرير جديد بشأنها إلى الجمعية العامة. وفي السياق ذاته، ردّت قراءة صحراوية على ما تروّجه وسائل إعلام مغربية بشأن تكريس قرار مجلس الأمن رقم 2797، بالتأكيد أن الاستناد إلى هذا القرار لا يبرر تجاهل بقية المرجعيات الأممية التي يستحضرها قرار اللجنة الرابعة، وفي مقدمتها القرار 690 الذي أنشئت بموجبه بعثة «المينورسو»، والقرارات المرتبطة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. ويتمثل أحد أوجه هذا الرد في التمييز بين ديباجة القرار ومنطوقه؛ فالإشارة إلى القرار 2797 في الديباجة تأتي ضمن السياق والمرجعيات التي يستند إليها النص، بينما يتضمن المنطوق طلبات وتوجيهات تتعلق بمواصلة النظر في الحالة بالصحراء الغربية، وتقديم تقرير عنها إلى الجمعية العامة في دورتها المقبلة. كما يؤكد القرار استمرار تناول القضية في إطار إنهاء الاستعمار، وهو ما يجعل اختزاله في الإحالة إلى قرار مجلس الأمن قراءة لا تشمل جميع مقتضياته. وتطرح هذه المعطيات سؤالًا جوهريًا على الخطاب الإعلامي المغربي: كيف يمكن تقديم قرار اللجنة الرابعة باعتباره إعلانًا عن حسم القضية، بينما يطلب النص نفسه مواصلة النظر في وضع الصحراء الغربية أمام لجنة الأربعة والعشرين، ويعيد التأكيد على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير؟ كما أن التذكير بالقرار 690 يعيد إلى الواجهة المرجعية الأممية التي أنشئت في إطارها بعثة الاستفتاء، ولا يمكن تجاوزها عند تناول القرارات المتعلقة بالنزاع. وفي أول تعليق رسمي صحراوي على القرار، أكد عضو الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو، ممثلها لدى الأمم المتحدة والمنسق مع بعثة «المينورسو»، سيدي محمد عمار، للاذعة الجزائرية، أن اعتماد النص يجدد التأكيد على الإطار القانوني للصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار، وعلى حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وقرار الجمعية العامة 1514. واعتبر الدبلوماسي الصحراوي أن القرار يشكل ردًا واضحًا على مساعي المغرب تغيير الطبيعة القانونية للقضية الصحراوية، متهمًا الرباط بترويج مزاعم مضللة أمام اللجنة الرابعة، والاستعانة بمجموعات لتسويق روايتها، فضلًا عما وصفه بالبلطجة اللفظية خلال أشغال الهيئة الأممية. أما على مستوى التصويت، فقد حظي القرار بدعم 152 دولة، في مقابل تصويت الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال ضده، بينما امتنعت سبع دول عن التصويت، من بينها فرنسا، وفق المعطيات الواردة في البرقية الصحراوية. وتبرز هذه النتيجة اتساع التأييد الدولي للنص الذي يؤكد استمرار مسؤولية الأمم المتحدة تجاه الشعب الصحراوي، ويبقي القضية ضمن جدول أعمال الهيئات المختصة بإنهاء الاستعمار. ويؤكد القرار، في مجمله، استمرار حضور قضية الصحراء الغربية ضمن المسار الأممي لتصفية الاستعمار، وتجديد التأكيد على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مع مواصلة النظر في وضع الإقليم خلال الدورة المقبلة للجمعية العامة. وبينما تحاول الدعاية المغربية تقديم التطورات الأخيرة باعتبارها حسمًا نهائيًا للنزاع، فإن مضمون القرار وتصويت المغرب لصالحه يفرضان قراءة الوثيقة كاملة، بما تتضمنه من مرجعيات وتأكيدات وطلبات، بدل الاكتفاء بتأويلات إعلامية تنتقي من النص ما يخدم روايتها. وكانت الجزائر قد جددت، يوم الثلاثاء، أمام اللجنة نفسها، تمسكها بالتوصل إلى حل عادل ودائم يستند إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وخلال المناقشة العامة المشتركة للجنة الرابعة، جدد الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، التأكيد على موقف الجزائر الثابت بشأن قضية الصحراء الغربية. وأكد، في هذا الصدد، أن الصحراء الغربية لا تزال تشكل مسألة تصفية استعمار لم تستكمل بعد، مذكرا بأن الأمم المتحدة كرست وضعها القانوني بإدراجها ضمن قائمة الأقاليم غير المستقلة. وأشار إلى أن “قرارات الجمعية العامة أكدت هذا الوضع القانوني، الذي يعززه أيضا الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية”. من جهته، دافع الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة بجنيف، إدريس لطرش، أمام اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مفندا ادعاءات الاحتلال المغربي الذي حاول تقديم “دروس” في مجال الحلول المستدامة والتباهي بما وصفه بـ”المرجعية الأخلاقية”.
المصدر: الشروق