شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بدون عنوان: العنف ضد الرجال في المغرب.. شهادات صادمة تكسر الصمت

بدون عنوان: العنف ضد الرجال في المغرب.. شهادات صادمة تكسر الصمت

لم يعد العنف داخل البيوت حكاية بوجه واحد، بل بات له وجه آخر ظل لسنوات طويلة خلف باب موصد، فحين تُذكر كلمة “عنف” تقفز إلى الذهن، بشكل تلقائي، صورة امرأة تحملت الأذى لسنوات، صورة كرّستها عقود من النقاش والكتابة وسن القوانين لمحاربة العنف ضد النساء، وهو واقع ثابت ومهم؛ غير أن خلف هذا النقاش صوتا خافتا، كلما انفتح بابه كشف عن واحد من أكبر الطابوهات المسكوت عنها في المجتمع المغربي: العنف ضد الرجال.

في مجتمع يُربي الطفل منذ صغره على أن “الرجل لا يبكي” بدأ رجال يكسرون كبرياءهم ويقولون بصوت مسموع: نحن ضحايا عنف، فهل يتعرض الرجل المغربي فعلا للعنف؟ وهل هو عنف جسدي أم لفظي أم نفسي؟ وماذا يحدث حين يصبح الحرمان من الأبناء هو السلاح في هذه المعركة؟.

من صورة ملائكية إلى السلاح الأبيض

البدايات دائما جميلة، ترسم صورة ملائكية لشريك الحياة. خلال بحثنا عن رجال تعرضوا للعنف أكد كثيرون أن معاناتهم حقيقية لكنها مسكوت عنها؛ هكذا بدأت قصة مروان مع طليقته التي تعرف عليها أيام الجامعة، قبل أن تتبدل الصورة بعد الزواج، ويتحول المسار إلى عنف لفظي وجسدي وصل حد التهديد بالسلاح الأبيض والاعتداء أمام الناس.

يقول مروان لهسبريس: “حين تعرفت عليها كانت الصورة ملائكية، كانت متفهمة، وكانت البداية جميلة؛ ثم بدأت المشاكل، صارت تغضب بسرعة، وتقول لي إن تصحيح الفروض مكانه القسم وليس البيت، وإن علي أن أساعدها في غسل الأواني… لم يكن لدي مشكل في مساعدتها، لكن في لحظة ما انسد كل شيء”.

ويتابع المتحدث ذاته: “أشهرت في وجهي السكين أكثر من مرة، مرتين أشهرته وهي تحمل كأسا وتضرب به على موقد الغاز. ابنتي كانت تقول لها: ماما، بهدوء. للأسف اضطررت إلى تسجيل ذلك لأنها كانت تكرره كثيرا، لدي تسجيل وهي تضرب بالكأس، وكان يمكن أن تؤذي نفسها لو انكسر في يدها”، وأضاف: “كانت تبصق في وجهي أمام ابنتي، وترمي علب الياغورت على الأرض، وحين تجلس ابنتي بجانبي تحمل النعل وتضربها من خلفي”.

لم يكن العنف دائما صاخبا، ففي أحيان كثيرة كان يتخفى في تفاصيل صغيرة لا تترك أثرا ظاهرا. يحكي مروان: “كانت تخدشني بأظافرها، أو تقرصني بقوة حتى لا يظهر أنها تعنفني، دون الحديث عن العنف اللفظي”.

حتى الطلاق لم يضع حدا للمعاناة، يقول الشاب: “بعد الطلاق جاءت إلى المؤسسة وأرادت ضربي، أمسكت يديها كي لا تضربني، فتدخل الأساتذة وأبعدوني، فأمسكت بشعري وصارت تجرني بقوة وتركلني برجليها. وقع كل ذلك أمام الآباء والتلاميذ والأطفال، ومنهم ابنتي، وحين قدمت الشكاية قيل لي إن الكاميرا كانت معطلة”.

انفصل مروان عن زوجته سنة 2021، وبدأت بعدها رحلة أخرى عنوانها الحرمان من ابنته، ويقول: “كان حرمانا طويلا جدا ومؤسفا. تخيلي، صيف كامل دون أن أراها، ولم تحضرها لي حتى في عيد ميلادها”، ويضيف: “الرجال يتلقون الضربات ويصمتون، يخافون الحديث لأنهم سيُوصفون بأنهم ليسوا رجالا”.

ويرى المتحدث ذاته أن الوقت حان لاعتماد فحص للأهلية النفسية قبل الزواج، إلى جانب الأهلية الطبية، وزاد موضحا: “يجب أن نعرف هل الزوج والزوجة متوافقان نفسيا، وأن تكون المواكبة قبل الزواج، لا بعد الطلاق حين تكون المشاكل قد وقعت”.

عنف صامت.. وضربة قد تكون قاتلة

يأخذ العنف أشكالا كثيرة، ولا يبدأ دائما بالضرب والجرح؛ أحيانا يكون صامتا، قلة من يرونه أو يشعرون به، لكنه يهدم الإنسان من الداخل.

محمد، رجل يعاني القصور الكلوي، عاش هذا النوع من العنف طيلة زواجه، ويقول لهسبريس: “تزوجنا وكنت بصحة جيدة، ثم ظهر المرض وبدأت حصص تصفية الدم هنا في الرباط، فيما تابعت هي حياتها بشكل عادي. العنف النفسي أن تعود من حصة التصفية فلا تجد أحدا بجانبك؛ دعك من الضرب والجرح، هذا نوع من العنف يعانيه كثيرون، وقد عانيت منه طيلة العلاقة”، مضيفا أن الأمر شمل أيضا ما يسميه “العنف المالي”.

بعد أربعة عشر عاما من الزواج طلب الرجل الطلاق، المرحلة التي يخشاها الجميع، لكن المشكل الحقيقي، حسب روايته، بدأ بعد ذلك، موردا: “بدأنا بالسب والشتم عند الزيارة، ثم وصلت الأمور إلى الضرب والجرح. والضرب والجرح بالنسبة لي قد يفضي إلى الموت، لأنني مريض مزمن خضعت لعملية زرع كلية. كنت أريد أخذ ابنتي فاعتدت علي بأداة حديدية”.

ويتابع المتحدث: “صدر في هذه القضية حكم بالسجن موقوف التنفيذ، لظروف اجتماعية وانعدام السوابق وما إلى ذلك. قرأت هذه المصطلحات في سبعة أو ثمانية أحكام لأنها امرأة، وأفكر أنه لو كنت أنا من اعتدى عليها لدخلت السجن مباشرة”.

الأغرب، وفق المصرح ذاته، أن طليقته تعرف جيدا مكان الكلية المزروعة، وحين تعتدي عليه تستهدف تلك المنطقة بالذات، وتابع: “أول نصيحة تلقيتها من الأطباء بعد العملية هي تفادي أي احتكاك مع أي كان؛ لو تشاجر شخصان في الشارع لا يحق لي التدخل لفض النزاع.

إذا تعرضت الكلية لضربة فإما أن أعود إلى التصفية، أربع ساعات ثلاث مرات في الأسبوع، أو لا ينجح التدخل الطبي أصلا، والأمر بيد الله”، ويضيف: “أمام القاضي قالت إنها لم تضربني وإنها كانت تدافع عن نفسها، رغم أنني أملك شواهد طبية”.

أرقام رسمية.. وشكايات جمعوية

قبل سنة 2019 لم يكن هناك أي مرجع رسمي يرصد نسب العنف الذي يتعرض له الرجل المغربي، إلى أن أنجزت المندوبية السامية للتخطيط بحثا وحيدا بالموازاة مع البحث الوطني حول العنف ضد النساء والفتيات، معلنة أن الهدف منه ليس التقليل من العنف الذي تتعرض له المرأة، بل إلقاء مزيد من الضوء على الظاهرة الاجتماعية للعنف في بعدها الثنائي.

وكشفت نتائج البحث أن 70 في المائة من الرجال تعرضوا لفعل عنف واحد على الأقل خلال حياتهم، وأن أكثر من أربعة رجال من أصل عشرة تعرضوا لفعل عنف واحد على الأقل خلال الاثني عشر شهرا السابقة للبحث. كما بينت المعطيات ذاتها أن الفضاء الزوجي هو الفضاء المعيشي الأكثر اتساما بالعنف، إذ تعرض 31 في المائة من الرجال للعنف من طرف الزوجة أو الزوجة السابقة أو الخطيبة أو الشريكة الحميمة. أما بخصوص أشكاله فإن 73 في المائة من العنف الذي يعانيه الرجال نفسي، و20 في المائة جسدي، و4 في المائة جنسي، و3 في المائة اقتصادي.

وعلى المستوى الجمعوي يقول إدريس بورزيق، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الآباء والأبناء: “رصدنا كجمعية، خلال ثلاث سنوات من العمل، حوالي 1500 حالة عنف ضد الرجال، توصلنا بشكايات بشأنها؛ من عنف أسري وضرب وجرح، وسب وقذف وتشهير، بما في ذلك التشهير الإلكتروني، والابتزاز، واستعمال الأبناء وتحريضهم ضد الأب، إلى جانب حالات عنف في الشارع العام وضد رجال أثناء أداء عملهم”.

ويتابع المتحدث: “من أشكال العنف الجسدي الخطيرة التي رصدناها استعمال الأسلحة البيضاء وأدوات المطبخ الثقيلة، الحديدية أو الفخارية، لضرب الرجل أو رشقه بها، وكذلك بتر الأعضاء التناسلية وسكب الزيت المغلي على الرجال”، مضيفا أن العنف قد يصدر عن الزوجة أو الطليقة أو أسرتها.

ويشير الفاعل الجمعوي ذاته إلى أن الابتزاز بالأبناء يبقى من أكثر الأشكال شيوعا، “بما أن الحضانة تؤول إلى الأم”، مردفا: “لهذا نطالب بالحضانة المشتركة حتى يشارك الأب في تربية أبنائه”، وزاد: “رصدنا حالات انتحار آباء حُرموا من أبنائهم، أحدهم سكب مادة حارقة على جسده، وحالات أخرى انتهت بجرائم ارتكبها رجال ضد الطليقة أو والديها أو إخوتها، كرد فعل على الحرمان و’الحكرة’ التي شعروا بها”.

ظاهرة أم “نزعة رجولية”؟

أمام حديث الجمعيات المدافعة عن حقوق الرجل كان لزاما أن نتساءل: هل يرقى الأمر إلى درجة الظاهرة؟ وما الأسباب العميقة وراءه، خاصة أنه يرتبط بواحد من الطابوهات التي بدأت تخرج إلى العلن؟.

عبد الصمد الديالمي، عالم اجتماع، يرى أن ما يحدث يعكس ما يمكن تسميتها “نزعة رجولية” (Masculinisme)، موضحا أن “الرجال اليوم، في العالم بشكل عام وفي المغرب كذلك، يشعرون بأن موقعهم كرجال في خطر؛ فالرجل المغربي يملك سلطا وامتيازات، لكن تحرر النساء ومشاركتهن في المجتمع والسلطة والوظائف يهددان هذه الامتيازات، ما يولد لدى الرجال رد فعل لحماية مصالحهم”.

ويضيف الباحث ذاته أن هذه النزعة “تضخم العنف النسائي ضد الرجال، الذي يبقى إحصائيا ظاهرة ضئيلة جدا لا ترقى إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية، لكن بعض الرجال يستغلون هذه الحالات للقول إن المرأة تجاوزت الحدود وطغت”.

ويذهب المتحدث أبعد من ذلك، معتبرا أن “العنف النسائي ضد الرجال ليس عنفا قائما على النوع الاجتماعي؛ فالمرأة لا تعنف الرجل لأنه رجل، بل لأسباب أخرى، تافهة أو نفسية، كخصام أو غضب أو تعيير”، في حين أن “عنف الرجال ضد النساء عنف قائم على النوع، أي أن المرأة تُعنف لأنها امرأة، وهو عنف بنيوي وهيكلي، وركيزة أساسية في النظام الأبوي السائد، وأداة للحفاظ على السيطرة الذكورية وإعادة إنتاجها”.

ويخلص الباحث إلى أن الفرق بين النوعين “إبستمولوجي”، موردا: “العنف النسائي ضد الرجال حدث عابر وظاهرة ثانوية جدا، ليس مهيكلا ولا إستراتيجية ولا تكتيكا، بل مجرد ردود فعل نسائية ضد بعض الرجال”.

فراغ تشريعي وصعوبة الإثبات

بما أن الأمر لا يرقى إلى ظاهرة اجتماعية فإن القانون المغربي بدوره لا يعترف بالعنف ضد الرجل على غرار العنف ضد المرأة.

في هذا الإطار يوضح عبد العزيز خليل، محام بهيئة الرباط، أنه “لا يوجد في التشريع المغربي قانون على غرار القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي ينظم حالات العنف الموجه ضد النساء بشتى أشكاله، ويعرفها بدقة، ويحدد عقوباتها وظروف تشديدها؛ أما العنف ضد الرجال فيخضع للمقتضيات العامة للقانون الجنائي المتعلقة بجرائم العنف، كالضرب أو الإيذاء الجسدي، وحتى التعنيف النفسي الذي قد يجد تكييفه في الفصول 400 و401 و403 من القانون الجنائي”.

ويشير المحامي ذاته إلى أن الإشكال الأكبر يتعلق بالإثبات، قائلا: “قانون محاربة العنف ضد النساء عرّف العنف النفسي والجنسي والجسدي، وتطرق إلى أمر نجد صعوبة كمحامين في إثباته داخل الجلسات، وهو العنف النفسي والمعنوي. حين يتعلق الأمر بتعنيف معنوي ضد رجل يصعب إثباته؛ قد نلجأ إلى خبرات نفسية وطبية، لكن غالبا ما لا يقتنع القضاء بجدية الموضوع”.

ويضيف المتحدث: “المشرع المغربي مطالب باتخاذ خطوات لتوسيع دائرة تعريف العنف في التشريع، وتحديد أنواعه بدقة، كما نطالب كممارسين بتحديد آليات طبية معتمدة تشريعيا، بدل اللجوء إلى الخبرات الحرة اجتهادا، حتى نعزز وسائل الإثبات في الشكايات وداخل المرافعات”، مبرزا أن “النساء يتمتعن بحماية خاصة لأن المشرع أفرد لهن قانونا تطرق إلى كل التفاصيل”.

صلة الرحم .. حين يصبح الطفل ورقة ضغط

النقطة الأكثر إثارة للجدل في الصراع بين الرجل والمرأة هي حين يدخل الأطفال في الحسابات، ففي وقت تنادي جمعيات ومؤسسات باحترام المصلحة الفضلى للطفل يبقى الأخير في بعض الحالات هو الضحية، خاصة بعد الطلاق.

التقت هسبريس أيوب، الذي يؤكد أن طليقته تحرمه من رؤية ابنته، وتحرم الطفلة بذلك من والدها. يحكي أيوب: “ذهبت لرؤية ابنتي بموجب حكم استعجالي يمكنني من صلة الرحم ففوجئت بوالد طليقتي يخرج ويسبني أمام المفوض القضائي وأمام السائق الذي أقلني من القنيطرة إلى تيفلت. ثم خرجت طليقتي وقالت إنها لن تسلمني إياها، وإنه لا يوجد قانون سيأخذها منها، قبل أن تسلمني إياها بعد حديث طويل”.

ويتابع المتحدث: “بينما كنا في الطريق اعترضتنا أختها بسيارتها، وكادت تتسبب في حادثة سير، كل ذلك أمام المفوض القضائي. كانت ابنتي معي؛ تخيلي لو وقعت الحادثة لأصيبت الصغيرة وأصبت أنا والسائق”.

ويرى أيوب أن العنف النفسي هو أبرز ما يواجهه الآباء المحرومون: “تذهب يوم الأحد لرؤية ابنتك فتجد الباب مغلقا، أو يُقال لك أحضر المفوض القضائي، وهذا يكلف 600 أو 700 درهم على الأقل في مدينة صغيرة، وقد يصل إلى 1000 درهم في مدينة كبيرة، ومن لا يقدر على إحضاره يعود أدراجه”، ويضيف: “منذ عامين لم أرَ ابنتي، رغم المحاضر والشكايات التي قدمتها إلى السيد وكيل الملك؛ لدي 14 محضرا للمفوض القضائي، ويقولون لي إن أردت رؤيتها فانظر إليها هنا أمام الباب”.

ويختم الأب ذاته حديثه بنبرة يملؤها القلق: “هناك ضغوط نفسية واكتئاب، وهذا الحرمان أكبر مشكل نفسي يمكن أن يعاني منه أي أب. ابنتي اليوم في العاشرة تقريبا، ولا أعرف ما يقع لها؛ هل تتعرض للتحرش أو للضرب أو للعنف؟ لا أعرف شيئا بسبب هذا الحرمان”.

أمام صرخة أيوب ومعاناة آباء كثيرين يجدون أنفسهم محرومين من أبنائهم رغم الأحكام والمحاضر يُطرح سؤال: هل يتساهل القانون مع الحاضن الذي يستعمل الأطفال ورقة ضغط؟ الجواب لا، فالمشرع المغربي كان حازما في هذه النقطة، إذ وضع عقوبات زجرية قد تصل إلى الحبس، بل ومنح الحق في إسقاط الحضانة حماية للمصلحة الفضلى للطفل.

يوضح المحامي خليل أنه “إذا كانت الحضانة صادرة بموجب حكم قضائي يتضمن حق صلة الرحم للأب وأوقات الزيارة، وامتنعت الحاضنة عمدا عن تقديم المحضون، أو ابتزت الزوج بأي شكل من الأشكال، فإن المشرع أفرد في الفصل 476 من القانون الجنائي عقوبات جنحية قد تصل إلى الحبس، تطال الحاضن، سواء كان الأب أو الأم، وإن كانت الأم في أغلب الحالات”.

ويضيف المتحدث ذاته أن الأب المحروم يمكنه أيضا اللجوء إلى المساطر التي تضمنتها مدونة الأسرة أمام أقسام قضاء الأسرة لإسقاط الحضانة، “لأن المدونة في فلسفتها اعتبرت أن الحقوق الواجب ضمانها بعد الطلاق هي حقوق المحضون، ومنها استمرار علاقته بأبيه وأمه”، موضحا أن الأب يمكنه “توثيق الامتناع عن طريق مفوض قضائي واللجوء إلى المحكمة التي قد تسقط الحضانة عن الأم وتحولها إلى الأب أو إلى من يليه في ترتيب مستحقي الحضانة”.

“ليس العنف نفسه ولا الخطورة نفسها”

في مقابل هذه المطالب والأصوات الرجالية كيف تتفاعل الجمعيات النسائية مع النقاش؟ غزلان ماموني، رئيسة جمعية “كيف ماما كيف بابا”، تعتبر خروج الرجال إلى العلن للحديث عن معاناتهم خطوة إيجابية، فالحركة النسائية لا تنكر هذا العنف، لكنها تطرح أسئلة جوهرية حول توقيت هذه الحملة، وحول محاولة وضع علامة تساوٍ بين عنف أغلبه نفسي، وعنف جسدي وجنسي يهدد حياة النساء يوميا.

تقول ماموني: “النقطة الإيجابية أننا صرنا نسمع رجالا يقولون إن لا أحد يستمع إليهم، وإنهم يخجلون من الحديث؛ وهذه في الحقيقة هي حقيقة النساء منذ عشرات السنين، إن لم نقل قرونا. من الجيد أن يتحدثوا، ونحن لا ننكر العنف الذي يتعرضون له، وهو في غالب الأحيان عنف نفسي كما تقول المندوبية السامية للتخطيط في دراستها لسنة 2019”.

وتضيف الفاعلة الجمعوية: “لكن هناك سؤالا يجب طرحه: من يريد استغلال هذه الظاهرة؟ المندوبية نفسها تقول إن هناك ارتفاعا في تصور العنف ضد الرجال، لا ارتفاعا في العنف ضد الرجال، وهذه نقطة مهمة يجب توضيحها. لا مشكل في الاهتمام بهؤلاء الرجال، لكن يجب أن نعرف هل مطلبهم أن نهتم بهم فعلا، أم أن نتوقف عن الاهتمام بالنساء؟”.

وتستند ماموني إلى الأرقام لتؤكد غياب التماثل بين الحالتين، موردة: “العنف الذي يتعرض له الرجال في 94 في المائة من الحالات عنف نفسي، في حين أن العنف الذي تتعرض له النساء جسدي في أغلبه؛ ضمنه 52 في المائة خدوش وكدمات، و11.2 في المائة التواءات وخلع للمفاصل، و5.5 في المائة جروح عميقة وإصابات خطيرة، و5.2 في المائة كسور، و4.9 في المائة أسنان مكسورة، أما العنف الجنسي فيمثل 13.6 في المائة، مع جروح وتمزقات تناسلية. إنه عنف خطير، ولا يمكن أن نضع تماثلا بين العنفين”.

وتسائل المتحدثة ذاتها توقيت هذه المطالب، التي تزامنت، حسبها، مع النقاش حول تعديل مدونة الأسرة، وتقول: “حين يبدأ المظلوم في كسب حقوقه يصبح المهيمن يلعب دور الضحية، وتنقلب الأدوار لأنه يشعر بأنه ضحية؛ هذه ليست ظاهرة اجتماعية، بل رد فعل المهيمنين”.

مطالب على طاولة المسؤولين

بين لغة الأرقام والتحليل السوسيولوجي ومواقف الحركة النسائية يبقى الواقع ناطقا بلسان رجال عاشوا المعاناة ويدفعون ثمنها غاليا.

هؤلاء الآباء والجمعيات التي تمثلهم لم يعودوا يكتفون بإيصال أصواتهم وكسر جدار الصمت، بل باتت لديهم مطالب ورسائل واضحة يرفعونها إلى الجهات المسؤولة، خاصة والمغرب يعيش على وقع النقاش حول تعديل مدونة الأسرة؛ مطالب تتمحور حول المساواة الحقيقية، والتطبيق الصارم للقانون، وقبل ذلك كله المصلحة الفضلى للطفل.

يوجه أيوب نداءه إلى وزير العدل ورئيس النيابة العامة “من أجل تدخل عاجل يحمي حقوق الطفل وحقوق الأب في الوقت نفسه”، مضيفا: “لا يمكن للأب أن يصطحب معه المفوض القضائي كل أسبوع ويدفع أتعابه، فأجره محدود. بعض الآباء قالوا لي إنهم لم يتخلوا عن أبنائهم، لكن الظروف هي التي أجبرتهم على ذلك”.

أما محمد، المطلق منذ نحو أربع سنوات، فيقول: “الجميع اليوم، من جمعيات ومحامين وقضاة ووزير العدل، ينادي بالمصلحة الفضلى للطفل، لكنني لم أرَ هذه المصلحة في أي من الأحكام التي صدرت في قضيتي”، ويضيف: “إذا كنا سواسية أمام دستور المملكة فيجب أن تُتابع المرأة بالقوانين نفسها التي يُتابع بها الرجل، وأن يُطبق القانون دون مراعاة الظروف الاجتماعية للمرأة وحدها. يوم تُطبق الأحكام نفسها سيُقبل الناس على الزواج؛ فلماذا أتزوج من جديد وأنجب، ثم أجد نفسي بعد الطلاق مجرد صراف آلي؟”.

من جهته يلخص رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الآباء والأبناء مطالبها في “مساواة عادلة وفعلية بين الرجل والمرأة في الحضانة والنفقة والولاية”، مشددا على أن “العنف ضد الرجال وضد الأبناء موجود، وأول خطوة هي التوعية به، ثم ردعه بطرق قانونية سليمة، لا بطرق التحايل”.

The post بدون عنوان: العنف ضد الرجال في المغرب.. شهادات صادمة تكسر الصمت appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس