شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من التمويل إلى الأثر: قراءة أردنية في رسالة البنك الدولي

من التمويل إلى الأثر: قراءة أردنية في رسالة البنك الدولي

د. حمد الكساسبة قال رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، في كلمته أمام الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في بانكوك يوم ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦، إن نحو ١٫٢ مليار شاب سيدخلون سوق العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، في وقت يُتوقع فيه توفير نحو ٤٠٠ مليون وظيفة فقط. أي فجوة تقارب ٨٠٠ مليون فرصة عمل. الرقم كبير، لكن أهميته لا تقف عند حجمه؛ فهو يضع أمام الحكومات سؤالاً واضحاً عن قدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمار إلى وظائف وإنتاجية ودخل.واللافت أن البنك الدولي بدأ يغيّر طريقة قياس أدائه هو نفسه. فقد خفض عدد مؤشرات الأداء من ١٥٣ إلى ٢٢ مؤشراً أكثر تركيزاً على الأثر، واختصر مدة إعداد المشاريع من ١٩ شهراً إلى ٩ أشهر، ورفع حصة التمويل المرتبط بتحقيق النتائج من نحو الثلث إلى النصف. وهذه أرقام تعكس تحولاً في طريقة التفكير: لم يعد كافياً أن نعرف كم مشروعاً أُطلق أو كم تمويلاً صُرف، بل ماذا تغيّر فعلاً نتيجة ذلك.وهنا تصبح الرسالة مهمة للأردن. فنحن نملك رؤية للتحديث الاقتصادي وبرامج تنفيذية ومشاريع واستثمارات وتشريعات كثيرة، وتستهدف رؤية التحديث الاقتصادي زيادة فرص العمل للأردنيين من نحو ١٫٦ مليون إلى ٢٫٦ مليون فرصة بحلول عام ٢٠٣٣؛ أي إضافة نحو مليون فرصة عمل. هذا هدف كبير، لكنه يضع أمامنا سؤالاً لا يقل أهمية عن التنفيذ نفسه: هل نقيس تقدمنا بعدد المشاريع وقيمتها ونسب الإنجاز، أم بما أضافته فعلاً إلى الوظائف والدخل والإنتاجية؟فالمشروع الأكبر مالياً ليس بالضرورة الأعلى أثراً اقتصادياً. قد يكون مشروع أصغر أكثر قيمة إذا خلق وظائف أكثر ورفع الأجور واشترى من شركات محلية وفتح أسواقاً جديدة. والاستثمار لا يصبح إنجازاً اقتصادياً لمجرد كبر رقمه؛ قيمته تظهر فيما يتركه داخل الاقتصاد: كم وظيفة استمرت؟ كم شركة أردنية استفادت؟ كم زادت المبيعات أو الصادرات؟ وكم استثماراً جديداً جاء بسببه؟ لذلك فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن ينتهي عند افتتاحه، بل يبدأ فعلياً بعد دخوله مرحلة التشغيل.هذه النقطة تصبح أكثر أهمية عندما تبقى البطالة بين الأردنيين عند نحو ٢١٪ في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، رغم انخفاضها بشكل محدود من ٢١٫٣٪ في الفترة نفسها من العام السابق. هذا لا يعني أن المشاريع القائمة لم تحقق نتائج، لكنه يعني أن سوق العمل ما زال يحتاج إلى أثر أكبر وأسرع. وفي بلد يستهدف خلق مليون فرصة عمل جديدة، لا يكفي أن نعرف عدد المشاريع التي دخلت البرامج التنفيذية؛ نحتاج أن نعرف كم وظيفة مستقرة وكم دخلاً وكم إنتاجية أضاف كل مشروع منها.لهذا قد نحتاج إلى تغيير بسيط لكنه مهم في طريقة قياس الإنجاز الاقتصادي. عندما تعلن الحكومة عن مشروع كبير، يجب أن نعرف منذ البداية ماذا نتوقع منه بعد عامين أو ثلاثة: عدد الوظائف المستدامة ومتوسط الأجور وحجم المشتريات المحلية والاستثمار الخاص الذي سيجذبه والصادرات أو المبيعات الجديدة التي سيولدها. خمسة مؤشرات واضحة قد تكون أكثر فائدة من عشرات المؤشرات التي تتابع الإجراءات ولا تقول لنا ما إذا كانت النتيجة تحققت فعلاً.والأهم أن تصبح هذه المؤشرات جزءاً من القرار نفسه. قبل اعتماد المشروع نحدد أثره المتوقع، وبعد فترة نقارن النتيجة بما كان مخططاً. فإذا كان المشروع قد وعد بألف وظيفة وخلق ثلاثمئة فقط، يجب أن نعرف السبب. وإذا كان الهدف جذب استثمارات خاصة ولم يحدث ذلك، نراجع النموذج. وما لا يحقق أثراً واضحاً خلال فترة معقولة يجب أن يخضع للمراجعة، لا أن يستمر فقط لأنه بدأ وأصبح جزءاً من قائمة الإنجاز.بانغا تحدث أيضاً عن ثلاثة شروط أساسية لخلق الوظائف: بنية تحتية مادية وبشرية جيدة وسياسات واضحة يمكن للمستثمر أن يتوقعها وقدرة أكبر على تحريك رأس المال الخاص. وهذه نقاط ترتبط مباشرة بالأردن. فدور الحكومة ليس أن تكون المشغل الأكبر، بل أن تجعل الاقتصاد قادراً على التوظيف: نقل وطاقة ومياه واتصال جيد وتمويل يصل إلى الشركات ومهارات تناسب السوق وقواعد مستقرة تسمح للمستثمر بأن يخطط لسنوات لا لأشهر.الأردن لا يحتاج إلى أن تصبح كثرة المشاريع بحد ذاتها معياراً للنجاح؛ ما يحتاجه هو معيار أكثر صرامة للحكم على أثرها. فالإنجاز الاقتصادي لا يبدأ عند توقيع الاتفاقية ولا ينتهي عند افتتاح المشروع؛ يبدأ عندما تتحول الأموال إلى عمل منتج وأجور أفضل وشركات تنمو وصادرات ترتفع. وإذا كان البنك الدولي نفسه يعيد بناء طريقة قياسه حول الأثر، فمن الطبيعي أن نسأل نحن أيضاً، وبشكل أبسط وأكثر مباشرة: ماذا غيّرت مشاريعنا فعلاً في الاقتصاد وفي حياة الناس؟

المصدر: عمون