اختبار الثقة الاجتماعية
إن قراءة تشكيل الحكومة الجديدة تقتضي تجاوز النظر إلى الأسماء والحقائب الوزارية وحدها، والاهتمام بالدلالات الاجتماعية والسياسية لهذه المرحلة وبطبيعة العلاقة التي ستبنيها الحكومة مع المواطنين. فالحكومة ليست مجرد جهاز لتدبير القطاعات العمومية بل هي أيضا مؤسسة تتشكل حولها انتظارات المجتمع، وتبنى بشأنها تصورات ترتبط بالثقة والإنصاف والقدرة على الاستجابة للمشكلات اليومية.
إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة يمثل تحول رمزي في المشهد السياسي المغربي باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المملكة. غير أن أهمية هذا التحول لا ينبغي أن تتوقف عند دلالته الرمزية، بل تقتضي النظر في مدى انعكاسه على الممارسة الحكومية، وعلى توسيع المشاركة وتحسين الاستجابة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.
فالمجتمع لا يقيم المؤسسات انطلاقا من الخطاب الرسمي وحده وإنما من خلال المقارنة المستمرة بين الوعود والنتائج وبين ما يعلن عنه وما يختبره المواطن في حياته اليومية. لذلك، فإن التحدي الأساسي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في تحويل الانتظارات إلى سياسات ملموسة، خصوصا في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية.
كما أن تشكيل أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب يطرح تحدي يتعلق بمدى القدرة على تحقيق الانسجام في الرؤية وتنسيق الأولويات وتدبير الاختلافات داخل التحالف. فالتعدد الحزبي يمكن أن يشكل مجالا لإغناء النقاش وتوسيع قاعدة التمثيل، لكنه يحتاج إلى وضوح في المسؤوليات والتزامات مشتركة قابلة للتقييم حتى لا تصبح التباينات التنظيمية عائق أمام تنفيذ السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، ينبغي الانتباه إلى أن الثقة في المؤسسات لا تتشكل بقرار إداري، ولا تستعاد بمجرد تغيير الوجوه، بل تتطور من خلال التجربة اليومية للمواطن مع الإدارة والخدمات العمومية، ومدى شعوره بأن صوته مسموع وأن حاجاته تؤخذ بعين الاعتبار. وكلما اتسعت المسافة بين انتظارات المجتمع والنتائج المحققة أصبح من الضروري مراجعة أساليب التواصل والتدبير وتعزيز آليات الإنصات والمساءلة والتقييم.
ومن القضايا التي تستحق الاهتمام وضعية الشباب، ليس باعتبارهم فئة عمرية فحسب، بل باعتبارهم فاعلا اجتماعيا يمتلك تصورات وانتظارات متجددة بشأن العمل والمشاركة والمستقبل. فالتحدي لا يكمن فقط في توفير البرامج الموجهة إليهم وإنما في فهم أسباب ضعف الثقة لدى بعضهم في الوساطة السياسية وتطوير قنوات تجعل المشاركة ذات معنى، وتربط السياسات العمومية بالفرص الفعلية المتاحة أمامهم.
كما أن التواصل الحكومي ينبغي أن يتجاوز الإعلان عن القرارات والمنجزات إلى تفسير الخيارات العمومية وتقديم المعلومات الدقيقة والاعتراف بالإكراهات، وفتح المجال أمام التفاعل مع المواطنين. فالتواصل الفعال ليس مجرد أداة لتحسين صورة المؤسسة بل وسيلة لبناء علاقة قائمة على الوضوح والمصداقية، وتوضيح ما تحقق وما لا يزال يحتاج إلى عمل.
إن الحكومة الجديدة أمام فرصة لتطوير علاقة أكثر قرب من المجتمع غير أن الحكم على تجربتها سيظل مرتبط بما ستقدمه من نتائج قابلة للملاحظة والتقييم. فالمواطن لا ينتظر فقط تغيير في البنية الحكومية بل يتطلع إلى تحسن في شروط العيش وإلى إدارة أكثر فعالية وإلى عدالة أكبر في توزيع الفرص والخدمات بين المجالات والفئات الاجتماعية.
وخلاصة القول، إن الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة ليس في رمزية تشكيلتها وحدها، بل في قدرتها على تحويل السياسات العمومية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. فالعلاقة بين المؤسسة والمجتمع علاقة تتجدد باستمرار من خلال التجربة والإنجاز والمصداقية، وليس من خلال الخطاب وحده.
-باحث متخصص في علم النفس الاجتماعي
The post اختبار الثقة الاجتماعية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس