شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

القضية الكُردية في إيران

القضية الكُردية في إيران

كان لافتاً أن يتحدث رئيس القوة العظمى في العالم بأنه أرسل الأسلحة الى القوى الكوردية بقصد الزحف البرّي داخل الأراضي الإيرانية، قاله دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كجزء من خطة الإطاحة بالنظام الإيراني “كما تخيّل”. هذه التصريحات التي كررها ترامب في سياق القاء اللوم على الطرف الكُردي الذي اخذ الأسلحة المرسلة ولم يرسلها الى الجهة المقصودة، لأن الكورد سواء كان الإيرانيون المعارضون -سوى بعض مستعرضي الحلبات-، أو سلطات إقليم كوردستان رفضوا الانخراط في الحرب التي ترامب ذاته لا يعلم الى أين ان تأخذه، لكن أحاديث ترامب وضعت القضية الكوردية في إيران في الملفات المتصدرة عند الحديث عن الحرب والهجمات المتنوعة متعددة الجبهات ضدّ الحاكمين في طهران، خاصة الجهود الإسرائيلية الكاذبة التي تعمل دوماً على توظيفها لصالحها. لا يهدف الحديث هنا الموقف الكوردي في الحرب على إيران، وإنما كملف حقوقي له تاريخ طويل، لدرجة أن الإيرانيين كانوا جادّين في الخوف من التحرك الكوردي واستغلال الثغرات الأمنية كإحدى المخاطر التي واجهوها أثناء الحرب. وهي حالة ممتدة للمشكلة الكردية التي افزرتها الحرب العالمية الأولى وقبلها بعقود بعد تسلل الفكر الغربي بجناحيه الليبرالي والماركسي-اليساري الى المجتمعات الإسلامية وتأسيس أنظمة شمولية قامعة للشعوب. لكن للقضية الكوردية في إيران خصوصيات تختلف عن الدول الأخرى، أولى هذه الخصوصيات هي انها ليست من نتاج اتفاقية سايكس-بيكو. وإنما تعود جذورها الى العمق التاريخي وكمحطة كبيرة في مسارها الى معركة “چالديران -Challdérane” 1524 بين الصفويين والعثمانيين، وهي المتسببة بالتقسيم الأول للأراضي الكُردية أو لكُردستان كما سماه السلجوقيون في غابر الأزمان. لكن لابدّ من الإقرار بأن الوضع الكوردي في إيران بحكم التاريخ أفضل من الدول الأخرى، لأن التنوع الثقافي والاعتراف القومي وحرية ممارسة التراث الشعبي جزء من الثقافة الإيرانية المتوارثة، سواء ما يتعلق بالكُرد أو التركمان الآذريين أو العرب ولم يجر تغيير ديموغرافي كما حصل في سوريا الأسد أو عراق صدّام. وإذا كان الأمر هكذا فأين تكمن المشكلة؟ في إيران، قبل الثورة وبعدها في 1979 بشكل أوضح، تمظهرت الإشكالية الكُردية في نقطتين أساسيتين، وهما: – 1- لغة الدراسة والتعليم، تشكل القومية الكردية في إيران ما يقرب من 10٪ من نسبة سكان إيران البالغ 93 مليوناً، ولهم محافظات ومدن مقفلة عليهم حتى إن أحدى المحافظات اسمها “محافظة كُردستان”، في كل تلك المنطقة الدراسة والكتابة فيها هي باللغة الفارسية، أسماء المدن واللوحات الرسمية المعلقة أمام الدوائر والمحال التجارية الكبيرة والصغيرة، وأسماء الاحياء والأزقة كلها باللغة الفارسية -بدأ التغيير القليل الآن كنتيجة لهذه الحرب-، فمن غير المقبول حرمان الملايين من الناس في منقطة لا توجد فيها غيرهم من المراسلة والتخاطب الرسمي لغة الام التي ولدوا عليها. لا شك ولا نكران أن هناك اذاعات وقنوات تلفزيونية تبث باللغة الكُردية لكن لا تصل الى مستوى الحقوق الطبيعية التي لهم الحق في التمتع بها. 2- الإشكالية الثانية إدارية، افرزتها الهوية الرسمية للدولة، فقد اخذت الهوية الفكرية الدينية منذ بدايات النظام الحالي بالتشكل، واتخذت منحىً مذهبياً ضيقاً، وهذه الهوية التي برزت بالظهور أكثر من السابق حلّت محلّ الهوية العِرقية التي لم تكن بارزة كثيراً، فكانت المشكلة ان اتخذت الدولة مواقفها السياسية والثقافية بناء على الانتماء لهذه الهوية في العديد من الملفات الإدارية في المقدمة تلك المتعلقة بتولي المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة – وهذا صحيح لأبناء القومية الفارسية من المنتمين لمذهب أهل السنة -، ففي ايران كثير من القوميات من العرب والكُرد والتركمان، ولا تعاني ايران ايران نقيصة نكران الآخر، الكُرد من هؤلاء من السنة في الغالبية الساحقة، ولما للدولة من بعد مذهبي تعمل من أجل تحقيقه فلن يتولى غير المنتمي الى المذهب الجعفري المسؤوليات المؤثرة أو المفصلية في الدولة، بكلمة أخرى مع ان الدولة الإيرانية لا تستند الى البعد العرقي في التعامل مع القوميات الأخرى ولا توجد مشكلة الاعتراف بالتعدد القومي في ايران، فإنها قد وضعت حاجزاً آخر في الطريق أشدّ وهو حاجز الفكر والمذهب، وهذه بدوره حرم الاخرين من الوصول الى المنصب التنفيذي الأول أو الثاني أو حتى الثالث، فالفقهاء هم الحاكمون، وهم من يمرّ عبر مؤسساتهم الدينية والدستورية من يتولى المناصب القيادية الكبرى في البلد، وهذه الإشكالية حاسمة في تعيين المسؤولين داخل وخارج البلاد، وبالتالي حرمان الشعب الكُردي من حقوق المواطنة وحرمانهم من حق المساواة مع الآخرين. والآن وفي خضم هذه الحرب، ينبغي لطهران أن تأخذ مساراً مختلفاً في التعامل مع القضية الكُردية، ليس بعد أن تضع الحرب أوزارها، إنما الآن لأن العمل على هذا الأمر يقوي الجبهة الداخلية ويعطي التماسك الجماهيري، وعلى المؤسسات الرسمية المعنية والكتاب والمثقفون وأهل الفكر المعتدلين في إيران الشروع في تناول القضية الكُردية كملف حقوقي قومي وسياسي وثقافي وليس مسألة إنسانية خدمية فحسب. إن الإيرانيين قالوا بأن المنطقة الكُردية تشكل نقطة يحاول الأعداء التسلل من خلالها لتوتير الامن القومي الإيراني، وإذا كان الأمر كذلك، فلابدّ من البحث عن الأسباب، وقد أثبتت التجربة إن المعالجة الأمنية أو التسكين المؤقت لا يحلان المشاكل الحقوقية. في مثل هذه الأوضاع لا مهرب من التحاكم الى القيم الدينية التي جاءت وحياً من السماء، ثم المعاهدات الدولية التي تتضمن الحقوق الكاملة للإنسان بمختلف الأديان والأعراق. كما أنه من الضروري لأهل الفكر والسياسة في إيران أخذ التطور في الفكر السياسي والنظم الإدارية للحكم على مستوى العالم بالحسبان، فهي ليست بمحمية منها. خلال الأيام الماضية صرّح المتحدث باسم الحزب الدمقراطي الكردستاني في ايران بانهم يريدون الحلّ السلمي وأنهم على استعداد البدء في مفاوضات مع السلطات من أجل ذلك، والحق أن الأطراف الكُردية كانت وما زالت تريد الوصول الى تفاهم مع النظام لكن أركان النظام الحاكمة هي التي تمتنع، في هذه الحرب تغيرت الكثير من الأمور وتبدلت العديد من المشاهد، وتوضحت الحقائق التي كانت مشوشة أو مغبشة، والأحزاب الكُردية المسلحة رفضت الانخراط في الحرب، وكذلك إقليم كوردستان رفضت قيادته السياسية والحزبية ان تشكل ارضه موضعاً للحرب على ايران، هذه المواقف كلها والهواجس الإيرانية من الحركة الكُردية يجب ان تشكل دافعاً وطنياً ومصلحياً لفتح الباب أمام حلّ القضية الكُردية في ايران. والجميع مستعدون لتقديم العون الكامل والكافي حسب المقدور لنجاح المسعى.

المصدر: العمق