المرأة العُمانية: ماض عريق ومستقبل مشرق
د. حامد بن عبدالله البلوشي ** ليست الأوطان ما تشيّده الأيدي من صروح وأبنية فحسب، ولا ما تحققه من منجزات ونجاحات مادية فقط، أو ما تغرسه من أشجار وحقول؛ بل هي أيضا ما تصنعه العقول من معرفة وتطوير، وما تغرسه القلوب من قيم وأخلاق، وما تمنحه النفوس من بذل وعطاء. وفي قلب هذه المعادلة تقف المرأة العُمانية، حاملة ذكريات لا تُمحى، وحامية لهوية أصيلة لا تزول، ومشاركة في صياغة حاضر عظيم، ومستقبل نستشرفه ونتطلع إليه؛ فهي أمّ تربي، وعالمة تبحث، ومعلمة تنير الدروب، وطبيبة تداوي الجراح، وشريكة في مسيرة وطن آمن بأن نهضته لا تكتمل إلا بسواعد أبنائه وبناته كليهما. وفي السابع عشر من شهر أكتوبر من كل عام، تحتفي السلطنة بيوم المرأة العُمانية، تقديرا لدورها وإسهاماتها في بناء الوطن. ولم يكن تخصيص هذا اليوم مجرد احتفال عابر؛ بل محطة وطنية تتجدد فيها مشاعر الاعتزاز بإنجازات المرأة، ويسلّط الضوء على ما حققته من حضور في ميادين التنمية، وما تتطلع إليه من آفاق أرحب للمشاركة في مسيرة التنمية وصناعة المستقبل. لقد كرّم الإسلام المرأة، وأكد إنسانيتها وكرامتها، وجعلها شريكا للرجل في المسؤولية والإصلاح والعمل الصالح، قال الله: ﴿والْمؤْمنون والْمؤْمنات بعْضهمْ أوْلياء بعْض﴾ (التوبة: 71)؛ وهي شراكة تتجلى في التعاون على الخير، وبناء الأسرة، وخدمة المجتمع، واستدامة الحياة، والإسهام في عمارة الأرض. ولم يجعل الإسلام قيمة الإنسان رهينة جنسه؛ بل ربط التفاضل والخيرية بالتقوى والعمل الصالح، وفتح أبواب العلم والعبادة والإحسان أمام الجميع. ومن هذا المنطلق، فإن تقدير المرأة وتمكينها في جميع المجالات؛ في التعلم، والعمل، والإبداع، مع صون كرامتها وحقوقها، ليس منحة عابرة، أو هبة وعطية؛ بل اعتراف بقدرتها على أداء رسالتها الإنسانية والاجتماعية والوطنية. ولقد مارست المرأة العُمانية عبر تاريخها أدوارًا متعددة؛ واضطلعت بمسؤوليات عظيمة، فقد شاركت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأسهمت في الحرف التقليدية، وحافظت على الموروث الثقافي، وأدت دورا أصيلا في تربية الأجيال. ومع انطلاق النهضة الحديثة، اتسعت أمامها أبواب التعليم والعمل، وانتقلت من مجرد المشاركة التقليدية إلى ميادين أرحب، ومجالات أعمق، ومسؤوليات أكثر تنوعًا، في الإدارة، والقيادة، والبحث، والابتكار. وقد وضع السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- اللبنة الأولى في ترسيخ حضورها ضمن مسيرة النهضة الحديثة، مؤكدا أهمية تعليمها وتأهيلها، وإتاحة الفرص أمامها. لتتواصل مسيرة العطاء من بعده من خلال رؤية "عُمان 2040" بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه؛ وهي الرؤية التي تضع بناء الإنسان وتنمية قدراته في صميم أولويات المستقبل، وتؤكد أهمية مشاركة المرأة في مختلف القطاعات. ولا شك أن هذه المشاركة، وذلك التمكين له أدواته، وفي الصميم من ذلك إتاحة التعليم للمرأة، باعتبار أنه من أبرز الأبواب التي فتحت للمرأة العُمانية آفاقا جديدة؛ فكلما اتسعت فرص التعلم، اتسعت معها مساحة المشاركة والاختيار والإنجاز. واليوم نجد المرأة في قاعات المدارس والجامعات، ومختبرات البحث العلمي، والمؤسسات الطبية، تسهم جنبا إلى جنب مع الرجل في إنتاج المعرفة ونقلها وتطويرها. ولم تعد المرأة العُمانية مُتلقية للعلم فحسب؛ بل أصبحت منتجة له، ورافدًا عظيمًا من روافده، وهناك العديد من النماذج الرائعة، وقصص النجاح الملهمة في مختلف المجالات والتخصصات، كما تولت مناصب ومواقع قيادية لمنظمات إقليمية وعالمية، مما يدل على قدرة الكفاءات العُمانية على تجاوز الحدود المحلية، والإسهام في مجالات علمية وثقافية أوسع، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع المقام لحصرها. وقد امتد عطاء المرأة إلى قطاعات الصحة، والتعليم، والإدارة، والاقتصاد، وإلى مجالات حديثة؛ كالأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والهندسة المتخصصة. وأصبحت الطبيبة والمهندسة والأكاديمية ورائدة الأعمال صورا متعددة لحضور وطني متنوع، يجمع بين التخصص والطموح والقدرة على الإنجاز. كما تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والعمل الحر بوابة مهمة أمام النساء لتحويل الأفكار النظرية إلى مبادرات اقتصادية عملية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي. ولا يقتصر أثر هذه المشاركة على دخل الفرد؛ بل يمتد إلى تنويع الاقتصاد، وتحفيز الابتكار، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني. ومع اتساع هذا الحضور، تبقى الأسرة هي الركيزة الأساسية في حياة المرأة والمجتمع؛ فالمرأة التي تتولى مسؤوليات مهنية لا تنفصل عن دورها في التربية وبناء القيم، كما أن رسالتها الأسرية لا تلغي طموحها العلمي والمهني. ومن هنا تبرز أهمية توفير بيئات عمل مرنة، وتكافؤ الفرص، وتقاسم المسؤوليات الأسرية، وتوفير الظروف التي تتيح لها التوفيق بين واجباتها وطموحاتها دون أن تضطر إلى التضحية بأحدهما. إنَّ يوم المرأة العُمانية ليس مناسبة لترديد عبارات الإشادة وحدها؛ بل فرصة لاستحضار ما تحقق، والاعتراف بما تبذله النساء من جهد، والتأمل فيما ينبغي إنجازه بعد ذلك. فتقدم المجتمع لا تصنعه فئة بمعزل عن أخرى، وإنما يتحقق بتكامل بين الرجال والنساء، وتضافر الخبرات والطاقات، وإتاحة المجال لكل كفاءة كي تسهم في خدمة الوطن. وفي هذه المناسبة، نحتفي بالمرأة العُمانية في بيتها وميدان عملها، وفي مختبرها ومدرستها، وفي مشروعها الصغير وموقعها القيادي، ونحتفي بكل يد تبني، وعقل يبتكر، وقلب يمنح الحياة معنى أعمق. فالمرأة العُمانية ليست حكاية إنجاز مضى؛ بل قصة عطاء تتجدد فصولها كل يوم؛ وكلما أتيحت لها الفرصة، ووجدت الدعم والثقة، أزهرت في ميادين العلم والعمل والإبداع. وبعطائها يمضي الوطن أكثر قوة وتماسكا، ويظل المستقبل مفتوحا أمام أجيال تؤمن بأن النهضة مسؤولية الجميع، وأن بناء عُمان يبدأ من الإنسان، رجلا كان أم امرأة. تحيةُ شكرٍ وتقديرٍ وعرفانٍ لكل امرأة عُمانية في يوم عيدها، ونسأل الله العلي القدير أن يوفقها ويسدد خطاها، ويبارك في جهودها وعطائها، لتظل شريكا فاعلا في مسيرة النهضة المتجددة، وعونا لوطنها، ووفية لمجتمعها، تسهم بعلمها، وعملها، وإخلاصها في رفعة عُمان وعلو شأنها. وكل عام والمرأة العُمانية بخيرٍ. ** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
المصدر: الرؤية