شهادة فِيَلة ضد الإنسان
في ذاكرة الأرض كتابٌ لا يقرؤه إلا منْ أحسنَ الإنصات، وقد فتحَتْ لنا عدسةٌ في ناميبيا صفحةً منه، فإذا فيها أنثى فيلٍ تمشي على مهلٍ ثقيل، وتحمل بخرطومها ما لم يعد يحتاج إلى حَمْل.
لا صراخ في المشهد ولا نحيب، ولا شيء مما اعتدنا أن نسمّيه حزناً حين نريد أن نصدّق أننا وحدنا أهله. غير أن الصمت هنا يتكلّم بلغةٍ أقدم من لغاتنا كلها، لغةٍ لا تحتاج إلى مفردات، لأنها مكتوبة في الجسد وفي الخطوة وفي الإصرار على ألّا يُترك الغائب وحيداً.
في هذه اللقطة التي صاغها فيديريكو فيرونيزي Federico Veronesi ونالت حضورها في مسابقة “مصوّر الحياة البرّية للعام” Wildlife Photographer of the Year، يقف المشاهد على حافةٍ غريبة، فلا يدري أيرى حيواناً يتصرّف بدافعٍ لا اسم له، أم يرى مرآةً رُفعت أمامه على غفلةٍ منه، فبانت فيها ملامحُه التي أنكرها طويلاً على سواه.
من علّمنا أنّ الحزن لنا وحْدنَا؟
تبدو جلود الفيلة كأنها خرائط قديمة حفرتها السنون، وتبدو طيّاتها العميقة شاهدةً على عمرٍ طويل من الترحال والفقد والذاكرة. أما الخلفية الباهتة المموّهة فقد أخلت المكان من كل شيء سوى الأمّ وصغيرها، فكأن العالم كله توقف احتراماً لهذه اللحظة، ولم يعد في الوجود غير رباطٍ لا يقطعه الموت.
هكذا، تتجاوز الصورة حدود الجمال الفنّي لتضعنا أمام سؤالٍ يُربك الإنسان في يقينه: ماذا نعرف حقاً عمّا تشعر به الحيوانات؟ لقد تعوّد البشر أن يحتكروا الحزن لأنفسهم، وأن يرَوا في سلوك الكائنات الأخرى غريزةً صمّاء لا وجدان فيها.
غير أن مشهداً كهذا يزعزع تلك الطمأنينة، فالأمّ التي ترفض أن تفارق جثمان صغيرها لا تبدو أسيرة آلية عمياء، تبدو كمَن يعجز عن تصديق الرحيل. وقد رصد الباحثون في سلوك الفيلة ما يشبه طقوس الوداع، من وقوفٍ طويل عند الميت ولمسٍ رقيق بالخراطيم وعودةٍ إلى مكانه، حتى ليحار المرء أن يسمّي ذلك إلا حداداً.
ولعلّ أطرف ما في الأمر أن الإنسان، وهو الذي يُسمّي نفسه “العاقل” ويخلع على جنسه ألقاباً لم يطلب منه أحدٌ أن يخلعها، لم يكتفِ بإنكار الوجدان على الفيلة، وإنما أنشأ لإنكاره مختبراتٍ وبحوثاً ولجاناً علمية، وأنفق من الأعوام والأموال ما يكفي لإطعام قرىً بأكملها، كي يُثبت بعد لأيٍ طويل أن الأمّ تحزن على صغيرها.
ونحن، معشرَ البشر، الذين لا نجد في صدورنا متّسعاً للحداد على جارٍ قاسَمَنا الجدار عشرين عاماً ولا نعرف حتى اسمه كاملا، نقف أمام هذه الصورة وقفةَ العارفين، فتهتزّ قلوبنا هزّةً خفيفة لا تُفسد علينا قهوتنا، ونتنهّد تنهيدةً مدروسة، ونكتب تعليقاً أنيقاً من ثلاث كلمات وقلبٍ أحمر، ونضغط زرّ المشاركة بأصابع المتألّم، ثم نمرّر الشاشة بالإبهام نفسه إلى مقطعٍ يُضحكنا، ويكون الفيل قد ذهب من ذاكرتنا قبل أن يجفّ حبر تعاطفنا.
أما الفيلة التي تسقط في السهول والغابات برصاصٍ وسُمٍّ وأفخاخ، وتُنتزع أنيابها من وجوهها انتزاعاً وهي لا تزال تلمس الأرض بخراطيمها، فلا نمنحها دمعةً واحدة، لأنها لا تأتينا مصحوبةً بموسيقى ولا بإضاءةٍ ذهبية.
نحوّل تلك الأنياب إلى تماثيل صغيرة وأمشاطٍ وأزرارٍ وحُليّ، ونصفّها على رفٍّ في صالونٍ فاخر لا يدخله إلا الغبار، ثم نُعلّق فوقه لوحةً لفيلٍ يمشي بجلالٍ في البرّية، فلا يرفّ لنا جفن.
وهي مفارقةٌ تُضحكنا لولا أنها تُخجلنا: صنعنا من ناب الفيل تحفةً، ومن حزن الفيلة مقالاً، ومن الحالتين مناسبةً نتأمّل فيها صباحاً بخشوعٍ بالغ، وننساها مساءً براحةٍ أبلغ، ثم نعود في الغد إلى عاداتنا كأن أمّاً من ناميبيا لم تحمل وليدها الميت أمام أعيننا، وكأن عدسةً لم تُجرّدنا من أعذارنا واحداً واحداً.
ذيلٌ يتأرجح في الهواء
وأعجب من ذلك كله أن الإنسان، وهو الذي يُقيم لموتاه المآتم ثم ينشغل بالمواريث قبل أن يبرد التراب، يتحدث عن “غريزة” الفيلة بنبرة الواثق المترفّع. فالفيلة تقف أياماً عند جثمان فقيدها، أما نحن فنُحصي التعازي على الهاتف، ونردّ على الرسائل بعبارةٍ محفوظة سلفاً، وقد نختصر الوجع كله في رمزٍ تعبيريّ صغير يذرف دمعةً واحدة، ونحسب أننا أدّينا الواجب وزيادة.
هكذا ينتهي بنا الأمر إلى مفارقةٍ لاذعة: كائنٌ يملك اللغة كلها ولا يجد ما يقوله، يقف أمام كائنٍ لا يملك منها حرفاً وقد قال كل شيء.
هنا تكمن قوة هذه الصورة وبلاغتها الصامتة، فهي لا تفرض على المشاهد تفسيراً، ولا تُملي عليه شعوراً، وإنما تتركه وحيداً مع تساؤله، وقد أدرك أن المسافة بينه وبين سائر الأحياء أقصر مما ظنّ، وأن ما ظنّه امتيازاً خالصاً له لم يكن سوى تقصيرٍ في الإصغاء.
إنها شهادةٌ بصرية بأن الحب والفقد ليسا حكراً على نوعٍ دون آخر، وأن للأرض قلوباً كثيرة تعرف كيف تحزن، وإن لم تعرف كيف تبوح، وأن بيننا من يعرف كيف يبوح ولا يعرف كيف يحزن.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
The post شهادة فِيَلة ضد الإنسان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس