شخصية “الوطن”: د.ليلى الصباغ رائدة المناهج التاريخية.. وأول امرأة في “مجمع اللغة العربية”

شخصية نسائية علمية سوريّة، تميّزت حياتها برحلة غنية في مجال التأليف والتحقيق والنقد الأدبي، وبمواقفها من قضايا المرأة ودعواتها المستمرة لها إلى اعتناق طريق العلم والعمل والإسهام في تطوير المجتمع وإغناء الحضارة.
خرّجت أجيالاً من الطالبات والطلبة، وأسّست لمناهج في التاريخ العربي، وكانت نقطة من حياء في بحر علم، فخاضت العلم وتركت الشهرة، وكانت أيضاً امرأة ذات رسالة في كل المجالات التي عملت بها، وكانت حريصة على أن تكون متقنة لكل ما تقوم به ومخلصة لعملها ولقرّائها.
صحّحت العديد من كتب التراجم والتاريخ، وكانت حريصة على صيانة النص من الأخطاء الكتابية والنحوية واللغوية والتاريخية، فقد نهضت بالعلم والمنهجية، ونبّهت عليها تنبيهاً معزّزاً بالأدلة من خلال المصادر والمراجع.
ولدت د.ليلى الصباغ في دمشق عام 1924، وهي الابنة الصغرى لأسرة تضم ثلاثة أشقاء،
تُوفي والدها في أثناء أدائه شعائر الحج قبيل ولادتها، فنشأت يتيمة في كنف جدها لأمها الذي رعاها بمنزله حتى توفي وهي في العاشرة، اضطرت الأسرة للإقامة بمنزل مستقل تحت رعاية الأم التي أصرت أن ينال الأبناء نصيباً وافياً من التعليم، حصلت ليلى على الشهادة الثانوية عام 1942، وبعدها تقدّمت إلى امتحان الدراسة بجامعة “فؤاد الأول” بالقاهرة ونجحت فيه بتفوّق، ولكنها واجهت مشكلة التقاليد التي تحظر على الفتيات الصغيرات مغادرة أوطانهن طلباً للعلم، وتغلّبت عليها بفضل تشجيع والدتها ورغبتها في العلم، والتحقت بكلية الآداب قسم التاريخ وتخرّجت عام 1947، فكانت بذلك من أوائل الفتيات اللواتي تخرجن من الكلية، ولم تكتفِ بذلك، وإنما واصلت دراساتها العليا بالقاهرة حتى حصلت على درجة الدكتوراه عام 1966 عن رسالتها المعنونة “الجاليات الأوروبية في بلاد الشام في القرنين السادس عشر والسابع عشر”.
بدأت ليلى الصباغ مسيرتها العلمية بالتدريس في مدارس دمشق بين عامي 1947 – 1954، ثم عملت مديرةً لبعض المدارس الثانوية للفتيات، حيث تميّزت بقدراتها العالية وبمعارفها الواسعة، وأدخلت الكثير من الوسائل المساعدة للعملية التعليمية كالآلات الموسيقية والأدوات الرياضية والكتب الضرورية للمطالعة مع الاهتمام بالرحلات المدرسية التي كانت تتجاوز حدود سوريا، كما عملت مفتشة أولى للتاريخ والجغرافيا في وزارة التربية.
بعد حصولها على الدكتوراه سافرت لتدريس التاريخ في جامعة
“الجزائر”، ولم يكن دافعها مادياً وإنما أرادت -كما تقول- أن تحافظ على عروبة الجزائر ولسان أبنائها الذي يلوك الفرنسية بدل العربية بتأثير الاستعمار، وهناك أسهمت في حركة التعليم والتعريب.
وفي مطلع السبعينيات، التحقت بجامعة دمشق كأستاذ للتاريخ وظلت فيها زمناً طويلاً، وانضمت عام 1984 إلى “هيئة الموسوعة العلمية العربية” حيث عملت رئيساً لقسم “الحضارة العربية” حتى تقاعدها عام 1993، كما تولت منصب “أستاذ زائر” في جامعة “العين” في الإمارات العربية المتحدة عام 1993، وفي عام 1998 انتُخبت عضواً عاملاً بـ”مجمع اللغة العربية” بدمشق، فكانت بذلك أول امرأة تُعيّن بالمجمع منذ إنشائه عام 1919، وظلت عضواً ناشطاً به حتى وفاتها عام 2013.
وتفرّغت الصباغ في الثلث الأخير من حياتها للتأليف وإقامة المحاضرات في “مجمع اللغة العربية” و”المراكز الثقافية”، فلم يقتصر عطاؤها على حدود سوريا، بل تجاوز ذلك ليشمل بلداناً عربية وغربية سافرت إليها بقصد الاطّلاع والحصول على المراجع والمخطوطات وإلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات والندوات، وكانت تتقن اللغتين الفرنسية والإنكليزية.
من مؤلفاتها: “نساء ورجال في الأدب والسياسة وإصلاح المجتمع”، و”دراسة في منهجية البحث التاريخي، و”معالم تاريخ أوروبا في العصر الحديث”، و”الجاليات الأوروبية في بلاد الشام في العهد العثماني”، و”من أعلام الفكر العربي في العصر العثماني الأول”، وفلسطين في مذكّرات الفارس دارفيو”، و” تاريخ العرب الحديث والمعاصر”، و” رجال ونساء في السياسة والأدب وإصلاح المجتمع”.
إن ما قدّمته الدكتورة الصباغ من علم وصبر وإخلاص، يعدّ نموذجاً للمرأة العربية التي اعتنقت العلم وسارت فيه إلى أعلى المراتب، وتركت بين أيدي الأجيال المقبلة تراثاً فكرياً يشع بالنور والمعرفة.
المصدر: الوطن