شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل وعيْنا نداء السّابع من أكتوبر؟

هل وعيْنا نداء السّابع من أكتوبر؟

لا تزال الأمّة تعيش أجواء الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى المجيد، ذكرى السابع من أكتوبر الذي كان يوما ذلّ فيه الصّهاينة المحتلّون للأرض المقدّسة وأُرعبوا، ورأت فيه الأمّة المسلمة بأس رجال صُنعوا في مساجد الأرض المباركة وفي ميادينها وأنفاقها، أرادوا أن يقدّموا لأمّتهم دليلا من الواقع على أنّ العدوّ المحتلّ أضعف ممّا تظهره عليه الدعاية الكاذبة، ورفعوا في المسلمين نداءً صادحا بأن يهتبلوا الفرصة ويهبّوا لاسترداد أقصاهم وطرد اليهود الملاعين من أرضهم المقدّسة وتطهير مسجدهم الأقصى. قُدّم الدّليل، ورُفع النّداء. ولكنّ الأمّة، إلا قليل منها، لم تفهم رسالة أسودها، فلم تجب نداءهم! وها هي الآن في الذكرى الثالثة للنّداء، وبعد 3 سنوات من الإجرام الصهيونيّ الذي حوّل غزّة إلى ركام وأكوام من الأشلاء ودنّس المقدّسات في الضفّة، لا تحرّك ساكنا، باستثناء بعض المواقف هنا وهناك! ونحن في الجزائر أرض الجهاد والشّهادة، نحمد الله أنّنا حقّقنا أضعف الإيمان، فوقفنا بلدا وشعبا مع رجال الأمّة في غزّة، ونافحنا عن جهادهم بالكلمة الصّادحة في المواقع وفي الهيئات الدولية.. وها نحن الآن نرفض الحروب التي توقد بين المسلمين، لتلهي الأمّة عن حربها مع الصّهاينة، بما فيها الحرب القائمة الآن في اليمن، والتي بدا واضحا أنّ أكثر ضحاياها هم من الأبرياء من كلّ الأطراف! وقد فُجعنا قبل يومين بوفاة رعية جزائرية في مطار أبها السعودي، رحمها الله، تضاف إلى مئات الضحايا التي سقطت في السعودية وفي اليمن الجارتين المسلمتين! طوفان الأقصى، في ذكراه الثالثة، لا يزال ينادي في الأمّة المسلمة أن تكفّ عن معاركها الخاطئة الآثمة، معارك المسلمين ضدّ المسلمين، ومعارك العرب ضدّ العرب، وتتوحّد لمعركتها المقدّسة ضدّ الصّهاينة الذين يحتلّون أرضها المقدّسة، ويدنّسون مسجدها الأقصى، ويقطّعون أشلاء أبنائها ويروّعون حرائرها! سيظلّ طوفان الأقصى ينادي فينا أنّ عدوّنا الأوّل العدوَّ الصهيونيّ المجرم، ليس بتلك القوة التي يصوّرها عليه الإعلام الموجّه، فها هو في السابع من أكتوبر قد تلقّى من طائفة صغيرة محاصرة قليلة العدّة والعدد، صفعة لم يتلقّ مثلها منذ أن وطئت قدماه الأرض الطّاهرة، حتى أصبحت ذكرى السابع من أكتوبر داخل الكيان الصهيونيّ ذكرى للنّكبة! سيظلّ السابع من أكتوبر يوما فارقا في تاريخ الأمّة، مهما حاول الصهاينة والمتصهينون أن يقلّلوا من شأنه.. اليهود الصهاينة ينشرون الآن في وسائل إعلامهم على القنوات والمواقع صورا للدّمار الذي حلّ بغزّة بعد السابع من أكتوبر المجيد، ويقولون للنّاس: انظروا كيف كانت غزّة وكيف أصبحت! وكأنّهم ليسوا هم الذين فعلوا ذلك! وليسوا هم الذين احتاجوا ليحوّلوا غزّة إلى ركام لأجل أن يقضوا على المقاومة، ولم يستطيعوا بفضل الله.. فِعلهم هذا لا يدلّ إلا على جبنهم وأنّهم تماما كما وصفهم القرآن: ((كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين))، ((لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ)). المفارقة الأكبر ليست في أن يدمّر الصهاينة غزّة ويحوّلوها إلى ركام، لأجل أن يقضوا على المقاومة، ثمّ يحمّلوا مسؤولية الدّمار والدّماء والأشلاء للمقاومة، إنّما المفارقة الأغرب، أن يوجد بين المسلمين من يردّد ما يقوله الصهاينة ويكتبونه! أن يوجد بين المسلمين من يزعم أنّه يتّبع السنّة والسّلف، ثمّ هو ينقل ما يقوله الصهاينة عن غزّة بالحرف والكلمة وحتى بالصّورة.. وكم قرأنا في الأيام الماضية، في الذكرى الثالثة لطوفان السابع من أكتوبر، من منشورات شاركتها مئات الصفحات والحسابات تنقل عن الصهاينة صورا لغزّة قبل السابع من أكتوبر، وأخرى بعد عدوان الصهاينة، لتقول: “انظروا ماذا فعلت حماس بغزّة! انظروا ما الذي جناه السابع من أكتوبر على غزّة”! فأيّ دين هذا الذي يحمّل الضحية مسؤولية ما يفعله المجرم؟! الله –سبحانه وتعالى- قد حذّرنا من أنّ تخاذل المسلمين بعضهم لبعض سيؤدّي إلى فتنة في الأرض وفساد كبير، فقال-تعالى-: ((وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)) [الأنفال: 73]. الفساد الكبير الذي حل بغــزة ليس سببه قيام الرجال لمقاومة المحتل، إنما سببه خذلان الأمة لهم، في الوقت الذي تداعى فيه الذين كفروا لنصرة اليهود! لو أنّ الأمّة أجابت نداء السّابع من أكتوبر، هل كان الصهاينة المحتلّون ليفعلوا كلّ هذا الذي فعلوه بغزّة؟! عدد الشهداء في غزّة تجاوز 74 ألفا، بينهم ما يقرب من 22 ألف طفل، وما يزيد على 11 ألف امرأة. عدد المصابين تجاوز 175 ألف مصاب، يعاني كثير منهم إعاقات دائمة. عدد المفقودين تحت الأنقاض تجاوز 8 آلاف شهيد مفقود! أيّ دين، هذا وأيّ سلف لهؤلاء الذين جعلهم يحمّلون المقاومة مسؤولية كلّ هذا الدّمار وكلّ هذه الجرائم؟! لقد سبق أن ضربنا لحال هؤلاء المخذّلين الطّاعنين في المرابطين، مع المقاومة في غزّة، مثلا برجل يسكن في عمارة، دخل عليه جماعة من اللصوص بالأسلحة، فانتهبوا كلّ شيء ثمين في البيت، وحطّموا وأفسدوا، واستأثروا بالبيت كلّه ولم يتركوا لأهله سوى غرفة واحدة ضيّقة، وكانوا في كلّ مرّة يأخذون فردا من أفراد العائلة يعذّبونه؛ فجعل سكّان المنزل يستغيثون بالجيران ويصرخون طالبين النجدة. ولكنّ الجيران لم يكتفوا بتركهم، بل راحوا يلومونهم أنّهم يزعجونهم بصراخهم، وأنّهم هم المتسبّبون في أخذ أموالهم وتحطيم ممتلكاتهم واحتلال منزلهم، وأنّهم كان عليهم أن يرضوا بتلك الغرفة الضيّقة ويتعايشوا مع اللصوص المجرمين! هذا هو بالضبط موقف الخاذلين الذين يلومون المرابطين في غزّة على أنّهم قاموا ينادون في المسلمين ليحرّروا أرضهم المقدّسة! هؤلاء الذين يطعنون في مجاهدي غزّة، ويقولون إنّ ما يفعلونه فتنة وليس جهادا؛ إذا لم تحرّك فيهم دماء وأشلاء إخوانهم المسلمين في غزّة ساكنا، بذريعة أنّ حماس هي السّبب! فهلا تحرّكت قلوبهم وألسنتهم وأقلامهم بنصرة المسجد الأقصى المبارك الذي يدنّسه الصهاينة ويرقصون فيه ويتمايلون؟! منذ بداية هذا العام 2026م، اقتحم المسجدَ الأقصى أكثر من 52 ألف مستوطن! وفي يوم 28 سبتمبر الماضي اقتحم وزير الأمن القوميّ الصهيونيّ ابن غفير المسجد الأقصى المبارك بصحبة وزير الدفاع الصهيونيّ “كاتس”، بمناسبة ما يسميه الصهاينة “عيد العرش”، وقال ابن غفير: “نحن أصحاب المكان هنا”! وأقدم المستوطنون في عيدهم هذا على أداء طقوس تلمودية كالانبطاح على الأرض و”السجود الملحمي”، بعد أن أدخلوا قرابينهم النباتية إلى باحات المسجد! قبلها وفي يوم 19 سبتمبر الماضي، تجوّل رئيس الوزراء الصهيونيّ نتنياهو رفقة زوجته في أنفاق حائط البراق أسفل المسجد الأقصى، للمشاركة في طقوس “السليخوت” اليهودية قبيل “يوم الغفران”، وصرح قائلا: “نحن هنا قريبون جداً من قدس الأقداس، نحن هنا وسنبقى دائماً هنا’. فيا من تزعمون أنّ الدّمار الذي حصل في غزّة هو بسبب حركة حماس وبسبب كتائب القسّام والمقاومة، تماما كما كان يزعم “الحرْكة” في الجزائر أنّ جرائم الاستعمار سببها المجاهدون “الفلاقة”؛ لماذا لا تتحرّك ألسنتكم وأقلامكم بالحديث عمّا يحصل في الضفّة الغربيّة من قتل وتشريد وانتهاكات يومية؟ لماذا لا تتحدّثون عن تهويد المسجد الأقصى؟ الضفّة الغربية ليست فيها كتائب القسّام ولا حماس حتى تقولوا إنّ العدوان الصهيونيّ هناك سببه حماس! أين أنتم من منطق القرآن وهديه؟ بعد غزوة أحد التي تراجع فيها المسلمون، وقتل فيها ربع الجيش الإسلاميّ، وزُلزل فيها المسلمون زلزالا شديدا، وسال فيها دم النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وأشيع أنّه قتل، ماذا قال الله للمسلمين؟ قال: ((وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين)) (آل عمران).. المفارقة أنّه في هذه الغزوة بالذات، قال الكفّار والذين في قلوبهم مرض عن الذين قتلوا واستشهدوا: ((لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا))، فبماذا أجابهم القرآن؟ قال –تعالى-: ((قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون)).

المصدر: الشروق