فرض الحكم الذاتي على الصحراويين مستحيل
“لا يمكن اختزال المستقبل في مقترح سياسي مطروح على طاولة المفاوضات” مسألة تقرير المصير ينبغي أن تكون في صلب أي محاولة لإنهاء النزاع مستقبل الصحراء الغربية لا يمكن أن يُحسم بعيدا عن إرادة الشعب الصحراوي، ولا أن يمكن أن يختزل في مقترح سياسي مطروح على طاولة المفاوضات، باعتباره حلا جاهزا، قبل ضمان حق الصحراويين في تقرير مصيرهم بحرية. تلك هي الخلاصة التي توصل إليها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، وأبلغ بها مجلس الأمن الدولي خلال إحاطته في 8 أكتوبر الجاري، مستعرضا تعثر المفاوضات، واستحالة فرض الحكم الذاتي، وضرورة إبقاء حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره في صلب أي تسوية سياسية. بعد ثلاث جولات تفاوضية احتضنتها واشنطن ومدريد خلال الأشهر الأولى من العام، يقول دي ميستورا في إحاطته، لم يتمكن المسار الأممي من تجاوز الخلافات الأساسية التي تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي. ورغم ما أحرزته هذه الجولات من تقدم، وفق ما أورده دي ميستورا، فإن التباعد بين مواقف الأطراف لا يزال قائما، بما يجعل مسألة تقرير المصير في صلب أي محاولة لإنهاء النزاع، بعيدا عن القراءات التي تتعامل مع أحد المقترحات المطروحة باعتباره نتيجة محسومة سلفا. وأبرز ما ورد في إحاطة المبعوث الأممي تأكيده أن اقتراح الحكم الذاتي، مهما كانت صيغته، “لا يمكن أبدا فرضه ببساطة على شعب الصحراء الغربية”، وهو تصريح يحمل دلالة أساسية في النقاش الدائر حول مستقبل القضية، إذ يميز بين طرح مبادرة سياسية على طاولة المفاوضات وبين اعتمادها كحل نهائي بعيدا عن موافقة الصحراويين أنفسهم. مناقشة المقترح المغربي لا تعني قبوله مسبقا مناقشة المقترح المغربي لا تعني قبوله مسبقا، كما أن إدراجه ضمن مسار التسوية لا يمنحه صفة الحل المتفق عليه، ولا يحسم وحده طبيعة الوضع النهائي للصحراء الغربية، وبين الأمرين يبرز دور جوهري: الأول يتعلق بعملية تفاوضية تظل فيها الخيارات محل نقاش، والثاني يفترض الوصول إلى نتيجة نهائية، وهو ما لم يتحقق وفق المعطيات الواردة في الإحاطة. دعوة جبهة البوليساريو إلى مناقشة المقترح وطرح الأسئلة بشأنه وطلب توضيحات حول بنوده، أو تقديم مقترحات لتحسينه، لا يعني، وفق ذات المصدر، أن الجبهة مطالبة بالتخلي عن مواقفها السياسية والقانونية أو الإقرار بالحكم الذاتي خيارا نهائيا والانخراط في بحث المقترحات لا يلغي حق الطرف الصحراوي في الدفاع عن موقفه من مستقبل الإقليم. الإحاطة التي تقدم بها المبعوث الأممي تفيد أن الدعوة إلى المرونة لا تقتصر على طرف واحد، بل الرسالة تهم طرفي النزاع وأن تجاوز الجمود يتطلب استعداد جبهة البوليساريو والاحتلال المغربي للتجاوب الإيجابي مع المفاوضات والبحث عن أرضية مشتركة. ولا يمكن تحقيق تقدم مستدام إذا تحولت المرونة إلى مطالبة طرف واحد بالتنازل، بينما يتعامل مع مقترحات الطرف الآخر باعتبارها الإطار الوحيد الذي ينبغي أن تدور فيه التسوية. تقرير المصير يتجاوز التفاوض حول الصيغ السياسية السؤال الجوهري في قضية الصحراء الغربية لا يتعلق فقط بالصيغة التي ستدار بها شؤون الإقليم، بل بحق الشعب الصحراوي في تقرير مستقبله بحرية، ولهذا، فإن أي نقاش حول الاقتراح المغربي أو غيره من المقترحات السياسية ينبغي ألا يحجب المسألة الأهم: كيف ستُضمن إرادة الشعب المعني، وما الضمانات التي تحول دون فرض نتيجة عليه؟ تصريحات دي ميستورا بشأن عدم إمكانية فرض الحكم الذاتي تكتسي أهمية تتجاوز الصياغة السياسية للمقترح المغربي، لأنها تضع حدودا واضحة لأي محاولة للتعامل مع النقاش التفاوضي باعتباره موافقة مسبقة على حل بعينه. فالمفاوضات قد تتيح تبادل التصورات وتعديل المقترحات، لكنها لا تعني أن النتيجة أصبحت معروفة قبل استكمال المسار والتوصل إلى اتفاق. ليس هذا فقط، دي ميستورا يولي أهمية بالغة لحل يأخذ بعين الاعتبار القانون الدولي والوصول إلى تسوية دائمة تقتضي أن تكون الضمانات الدولية والمرجعيات القانونية ذات الصلة حاضرة في المسار السياسي، بما يمنع اختزال الحل في تفاهمات لا تعالج جوهر النزاع، ومن هذا المنطلق، فإن الأولوية ليس الوصول إلى اتفاق ظاهري وإنما مسار يضمن احترام الحقوق المعنية ويعالج مسألة مستقبل القضية بشكل نهائي. طريق الاتفاق يتطلب مزيدا من التفاوض والضمانات إحاطة المبعوث الأممي، اعترفت بصريح العبارة عن عجز الجولات التفاوضية الثلاث في تجاوز الخلافات الأساسية ليبقى التحدي المطروح أمام المسار الأممي معالجة المسائل المختلف بشأنها وفي مقدمتها ضمان ألا يُفرض على الشعب الصحراوي أي حل لم يوافق عليه. ولا تعني هذه المعطيات أن المسار الأممي وصل إلى نهايته، أو أن الإحاطة أعلنت فشل المفاوضات بصورة نهائية، كما لا تعني أن مقترح الحكم الذاتي أصبح تسوية معتمدة، بل إن استمرار الخلافات يؤكد أن الطريق نحو الاتفاق لا يزال يتطلب مزيدا من العمل التفاوضي، وضمانات دولية موثوقة، ومعالجة واضحة للمسائل القانونية والسياسية المرتبطة بالنزاع. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الصحراء الغربية لا يُحسم بعدد الاجتماعات المنعقدة، ولا بمجرد تقدم أحد المقترحات في النقاش الدبلوماسي، بل بمدى قدرة التسوية على معالجة جوهر النزاع واحترام إرادة الشعب الصحراوي. كما تطرقت الإحاطة كذلك إلى مبادرة تتيح للاجئين الصحراويين القيام بزيارات فردية وطوعية إلى مدينتي العيون والداخلة، للإطلاع على الأوضاع ومناقشة المقترحات المطروحة بشأن مستقبله. وبحسب المعطيات الواردة في الإحاطة، فقد ردّت جبهة البوليساريو على المبادرة في 14 سبتمبر الماضي، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذها، مؤكدة بأن الاستعداد للتعاون مع المفوضية بشأن زيارات طوعية لا يشكل قبولا بالمقترح المغربي، ولا يمكن تفسيره باعتباره تنازلا عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. كما أن الطابع الفردي والطوعي للزيارات يقتضي، وفق ما توصل إليه دي ميستورا، احترام حرية اللاجئين المعنيين في اتخاذ قراراتهم، بعيدا عن أي ضغط أو توظيف سياسي لظروف اللجوء ولا يجب جعل من مبادرة إنسانية حجة سياسية لا تتماشى مع مبادئ جبهة البوليساريو ولا يمكن التعامل معها باعتبارها بديلا عن معالجة المسائل المتعلقة بمستقبل الملف.
المصدر: الشروق