فشل آخر لترامب على جبهة روسيا وأوكرانيا
لم تصمد الهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الضربات المتبادلة على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، ولو ليوم واحد. ولم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها سيد البيت الأبيض مثل هذه الهدنة، من دون أن تلقى أي تجاوب، لا في روسيا ولا في أوكرانيا.
يبحث ترامب عن بداية للولوج إلى وقف شامل للنار لحرب تقترب من إنهاء عامها الخامس. وهو يعتقد أن قصف أوكرانيا مصافي النفط الروسية، يشكل سبباً أساسياً في رفع أسعار الوقود عالمياً وفي الولايات المتحدة. كما أنه يريد أن يزيح عن كاهله الاتهامات التي تكال إليه بأن حرب إيران التي تمر بشهرها الثامن، هي السبب وراء ارتفاع الأسعار وتجاوز غالون البنزين الـ4 دولارات بينما يصل غالون الديزل في كاليفورنيا إلى نحو عشرة دولارات. وهذا تطور أثار استياء الناخبين الأميركيين، ويهدد بحرق فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات التي ستجري في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر.
تجد أوكرانيا في إحراق مصافي النفط الروسية، وسيلة لحرمان الكرملين مصدراً أساسياً من مصادر تمويل الحرب. وبلغت الضربات الأوكرانية في أيلول/ سبتمبر الماضي منشآت الغاز في منطقة يامالو نينيتس على مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر في عمق روسيا. وشملت حملة القصف مصافي النفط ومستودعات الوقود والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية في سانت بطرسبرغ وأوست لوغا وسوتشي ونوفوروسيسك، إلى قاعدة إنغلز التي تتمركز فيها قاذفات إستراتيجية روسية. كما طاولت الضربات شبكة المستودعات اللوجستية التي تستخدمها القطاعات المدنية والعسكرية الروسية. وازداد عدد المسيّرات التي تطلقها أوكرانيا على روسيا ليتجاوز الـ600 يومياً، بينما يعتبر صاروخ "فلامينغو" الأوكراني الصنع قادراً على الوصول إلى أكثر من 2500 كيلومتر، ويمتلك قدرة فائقة على إصابة أهدافه بدقة.
أمام ما بدا تفوقاً أوكرانياً واضحاً في سلاح المسيّرات، لجأت روسيا إلى تطوير مسيّرات تعمل بمحركات نفاثة بسرعة 375 ميلاً في الساعة، ويمكنها التحليق على ارتفاع أقصى يبلغ نحو 5.5 أميال، وهي سرعة تفوق قدرة مخزون أوكرانيا الحالي من الطائرات المسيرة الاعتراضية، كما أن تحليقها يتجاوز مدى أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف. ويبلغ مدى هذه الطائرات النفاثة المسيرة قرابة 600 ميل، مع قدرة على نقل حمولة قصوى تناهز مئة كيلوغرام من المتفجرات. وتنجح أوكرانيا في اعتراض 55 في المئة منها فقط، مقارنة بأكثر من 90 في المئة من طائرات "شاهد" الأقدم طرازاً. ويطلق الكرملين ما يصل إلى 100 طائرة من هذا النوع يومياً، علماً بأن تكلفة الواحدة منها تبلغ 100 ألف دولار أو أقل، وتُعد زيادة معدلات الإنتاج أولوية روسية.
زادت هذه المسيّرات من إلحاق الضرر بمنشأت الطاقة الأوكرانية وبنى تحتية أخرى من جسور وخطوط للسكك الحديد وموانيء ومصانع. وإذا ما أضيف عامل النقص الحاد الذي تعانيه أوكرانيا في مخزونها من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية الأميركية بسبب استنفاد البنتاغون نصف مخزونه أو أكثر من هذه الذخائر في حرب إيران، فإن القدرات التدميرية لروسيا أضحت أكبر بكثير.
هذا الاستطراد في تفاصيل الضربات المتبادلة، ضروري لمعرفة الثغرة التي يبحث عنها ترامب للنفاد إلى كسر الجمود في المفاوضات الروسية-الأوكرانية. بيد أن المحاولات الأميركية لم تحصد سوى الخيبة، مرة تلو المرة، والحرب مستمرة.
وعندما لم يستجب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مناشدات ترامب المتكررة التوقف عن استهداف مصافي النفط الروسية، ساءت العلاقة مجدداً بين الرجلين، إلى حد مطالبة الرئيس الأميركي الزعيم الأوكراني بإجراء انتخابات رئاسية، معتبراً إياه عقبة أمام إيجاد حل للنزاع الأوكراني-الروسي.
وزاد من الاحتقان طلب ترامب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تزويد أميركا ملايين البراميل من الديزل الروسي في محاولة لخفض أسعار الديزل في السوق العالمية، وتالياً في الولايات المتحدة.
الشيء الثابت في هذا النزاع، هو استمراريته وغياب أي ملامح يمكن أن توقف حرباً كانت تحسب بالأيام فإذا بها تحسب بالسنوات.
المصدر: النهار