شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بصرية الحرب: مستقبل على فوهة بندقية.. كيف يفخخ الحوثي المجتمع؟

بصرية الحرب: مستقبل على فوهة بندقية.. كيف يفخخ الحوثي المجتمع؟

قبل سنوات، تداول اليمنيون على نطاق واسع صورة ذات دلالة عميقة لطفلين في صنعاء، التقطها المصورعلي السنيدار. تظهر اللقطة طفلين؛ أحدهما يسير باتجاه الكاميرا بزيه المدرسي وعلى ظهره حقيبته المدرسية، يضع يديه في جيبيه ويمشي بخطوات واثقة، بينما يسير في الاتجاه المعاكس وعلى الرصيف ذاته طفل بزي شعبي يحمل على كتفه الصغير سلاحا آليا، ويلتفت إلى الخلف موجها نظراته نحو الطفل العائد من المدرسة، وكأن تلك النظرة تعكس رغبته كطفل: ماذا لو كنت أحمل حقيبة بدلا من هذه البندقية! طفلان من جيل واحد، على رصيف واحد، وفي لقطة واحدة؛ لكنهما يمثلان مشروعين ومسارين متناقضين: طفل مسلح يمسك بيده أيضا رجل مسلح، في اختصار لحكاية توريث حمل السلاح والمستقبل المظلم الذي يقتاد إليه، وآخر يمضي إلى الأمام بثبات، غير آبه بالبندقيتين اللتين مرتا بجواره. في ظل الصراع الممتد في اليمن لأكثر من اثني عشر عاما، كشف الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن حجم الجريمة التي ترتكبها مليشيا الحوثي بحق الأطفال. ففي الحرب الأخيرة، نشر مقطع فيديو لطفل من محافظة الجوف، ظهر فيه وهو يمزق بعفوية وبغضب صورة منصوبة في إحدى النقاط لزعيم المليشيا عبد الملك الحوثي. لاتكمن دلالة المشهد في تمزيق صورة فحسب، وإنما في الانفعال. فالطفل لا يبدو وكأنه يؤدي حركة عابرة أمام الكاميرا؛ بل يظهر غاضبًا وهو ينتزع الصورة ويمزقها. لم يكن المشهد حدثًا عابرًا، بل لحظة كشفت كيف أن سنوات القهر شحنت حتى نفوس الأطفال. لحظة انفجار لغضب وكره ظلا مكبوتين في وجدانه وبدا وكأنه يفرغ قهر سنوات عمره الصغير؛ فهو لا يتخلص هنا من مجرد صورة، بل تبدو تلك اللحظة وكأنها تعبير عن رفض طفل لرمز "الجريمة" المتمثل في زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي الذي انتزع منه أمنه وسلامه وأقاربه، وحرمه من حقه في العيش كأي طفل طبيعي. عايش هذا الصغير الجرائم اليومية التي ترتكبها المليشيا في منطقته؛ فجاءت ردة فعله الغاضبة تجسيدًا للحظة الحرية والانعتاق وكسر حاجز الخوف. لاحقًا ظهر الطفل في فيديو آخر معرفًا باسمه وعلى كتفه بندقية. وفي هذا السياق، أوضح أحد أبناء محافظة الجوف بأن الصغير لا يتجاوز عمره الثانية عشرة (أي بعمر الحرب)، ويقع منزله في منطقة تخضع لسلطة المليشيا، مؤكدًا أن الطفل غير مقاتل ولايحمل السلاح، وحمله للبندقية كان فقط بهدف تصوير الفيديو. قال:"عندنا البندق لمن تجاوز سن السادسة عشر قبلها ماحد يشل بندق"، ويضيف أحد أبناء القبائل في مأرب: "يسمح للأبناء بحمل السلاح من سن الثامنة عشر، مع وجود حالات للأصغر سنًا، وغالبًا ما تكون من أبناء المشائخ والتجار للتفاخر فقط. ولفت إلى مسألة التجنيد بالقول "وفق الأعراف القبلية لا يسمح بتجنيد صغار السن، لكن هذا لا يعني عدم وجود مجندين، بل يعود ذلك إلى عوامل عديدة من بينها الفقر والنكف القبلي". ومن المشاهد المأساوية التي تكررت خلال الحرب خوف الأسرى الصغار. ففي فيديو بثته "قناة الجمهورية (قبل أن تقوم بحذفه لاحقاً) ظهر طفل صغير وقع أسيرًا بيد قوات الجيش الوطني في الحرب الدائرة حاليا وهو يبكي ويرتجف خوفًا، بينما كان الجنود يمسحون على رأسه ويسقونه الماء ويحاولون طمأنته بقولهم: "لا تخف.. لا تبكِ، لن يحدث لك شيء". ورغم محاولات التهدئة، استمر الطفل في البكاء محاولا شرح أسباب انخراطه في القتال، ومؤكدا أنه ليس حوثيًا. وهذا المشهد المؤلم أعادني إلى مشهد طفل آخر في العمر نفسه وقع في الأسر قبل سنوات، حين تحدث خائفاً باكياً عن كيف أجبر على الصعود فوق طقم عسكري، قائلاً "قالوا لنا: اصعدوا أو قتلناكم. تحدث عن قسوة المليشيا في التعامل معهم "كانوا يقومون بصفعي". ظل الطفل يتعرض للضرب والإهانة حتى جاءت اللحظة التي ترك فيها بندقيته وفرّ هاربًا. هؤلاء الأطفال الباكون، في اللحظة التي شعروا فيها بالخطر، عادوا فورًا إلى فطرتهم الطفولية؛ فهم ليسوا جنودًا بل ضحايا صغار، تكشف دموعهم وارتعاشة أجسادهم الخائفة أنهم مجرد أطفال بحاجة ماسة إلى الحماية والأمان. ومن هنا، حملت عبارة "لا تخف" التي وجهها الجنود بعداً إنسانياً يعكس إدراكهم بأنهم لا يتعاملون مع مقاتل راشد دخل المعركة بكامل وعيه، بل مع ضحية لا تدرك ما تفعل. وهنا نموذج آخر يكشف حجم الأوهام التي زرعت في عقول الأطفال؛ إذ ظهر فتى مراهق وقع أسيرا بيد قوات الجيش وبدت عليه علامات القلق والارتباك، قبل أن يوجه سؤالاً إلى الجنود: هل أنتم يمنيون؟" وحين أجابوه بــ"نعم نحن يمنيون" "، قام بتقبيل رأس أحدهم. كان الفتي يعتقد انه جاء ليقاتل "المحتل الأمريكي والإسرائيلي"، ليفاجأ بأن هؤلاء الجنود يشبهونه، ويتحدثون باللهجة ذاتها، وليسوا أمريكيين ولا إسرائيليين كما صورت له آلة التزييف الحوثية. الأمر ذاته حدث مع طفل صغير حين سئل عن سبب مجيئه للقتال، فأجاب ببراءة "جئت لأقاتل اليهود وأمريكا". ولم تكتف جماعة الحوثي بزراعة وهم قتال أمريكا واسرائيل، بل، زرعت في عقولهم أنهم يقاتلون المقاومة الكافرة "جئنا نقاتل المقاومة الكفار" هكذا أجاب وبعكس حالة الخوف الفطرية في الحالات السابقة، وثق مقطع مرئي آخر مشهدًا مختلفُا؛ حيث أظهر مقطع فيديو لطفل أسير، معصوب العينين، وهو في مواجهة كلامية مع آسريه، واصفا زعيم المليشيا بـ"أبي وسيدي وأخي". عندما سألوه: "من أرسلك إلى هنا؟"، أجاب: "أرسلني أبي للجهاد". وحين قالوا له: "أنت لا تزال صغيرا على الجهاد ومكانك المدرسة"، رد عليهم بحدة لاتخلو من كراهية: "أنتم الصغار وأنا أسوى ألف واحد منكم". خاطبه أحد الجنود بنبرة حانية، قائلا له "لقد أضعت نفسك يا ولدي"، أجابه بعدوانية: "أنتم الضائعون يا أبناء سلمان"، في إشارة لارتباطهم بالسعودية. ومن خلال قراءة هذا المشهد، يمكن ملاحظة كيف أدى التلقين والتعبئة الأيديولوجية الطويلة إلى إعادة تشكيل لغة وسلوك الطفل وموقفه من الآخر، وكيف سلخ من فطرته السليمة وهو بهذا العمر. في اليمن تتجاوز الحرب أبعادها العسكرية والسياسية إلى حرب على الهوية. فمنذ بدايتها، وفي وطن واحد وعلى أرض واحدة، ينشأ جيل واحد لكن بهويتين مختلفتين، حيث تختلف البيئة والثقافة التي يتشكل ويكبر في أحضانها جيل الحرب. اليوم تعيد ثقافتان مختلفتان صياغة وعي الأطفال وهويتهم؛ ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، ينشأ الصغار في مساحة من الحرية وعلى هوية يمنية جامعة، يرفع فيها علم البلاد ويردد نشيدها الوطني، وتُكرس من خلالها رمزية الدولة وقيم ثورة 26 سبتمبر. هناك، وفي الأعياد الوطنية، يظهر الأطفال مبتهجين بأعياد ثورتهم، يرفعون العلم أو يُرسم بأناقة على وجناتهم وجباههم في مشهد وطني جميل، يعكس بيئة تمنحهم المساحة للتعبير عن أنفسهم وكينونتهم، وتعزز ارتباطهم بقيم الجمهورية. برغم أن هذا الواقع لا يخلو من القصور والتحديات والكثير من المشاكل، فإنه لايقارن بالكارثة التي يعيشها الأطفال في مناطق سيطرة المليشيا؛ إذ تتشكل قسراً هوية أخرى غريبة وغير وطنية ؛ حيث يجبر الأطفال في الطوابير المدرسية واحتفالات المليشيا الطائفية على ترديد شعار "الصرخة"، بينما يتراجع العلم والنشيد الوطنيان إلى الدرجة الثانية. وفي استباحة للطفولة وانتهاك لكرامة الصغار وإنسانيتهم، تطلى أجسادهم ووجوههم باللون الأخضر وتكتب على أجسادهم الصغيرة شعارات طائفية. وبينما يتابع هؤلاء الأطفال عبر شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي العلم الوطني يرفرف ويزين الشوارع والمحلات داخل مناطق الحكومة، يصطدمون بواقعهم المأساوي فجدران الشوارع تكسوها شعارات طائفية، وصور زعيم الجماعة وقتلاها، إلى جانب رموز إرهابية مستوردة من خارج البلاد أمثال نصر الله، وسليماني، وخامنئي. هكذا يستشعر الأطفال الفارق بينهم وبين أقرأنهم في مناطق سيطرة الحكومة الذين يرتدون العلم ويوقدون الشعلة، بينما هم يحرمون من اأبسط حقوقهم؛ ما يولد لديهم إحساس بالحسرة والشعور بالاغتراب. غير أن المليشيا، وحين توهمت أنها استطاعت إخضاع وتطويع المجتمع بممارساتها الطائفية وإجبار الناس على عقيدتها وثقافتها. خلقت دون أن تدرك رد فعل معاكسًا؛ إذ تحول العلم والنشيد الوطنيان في وجدان المجتمع إلى أداة مقاومة صريحة ورمزين للحرية والتحدي. فمنذ اللحظة التي أقدمت فيها عناصر المليشيا الحوثية على تمزيق العلم الوطني في شوارع صنعاء قبل سنوات، أدرك اليمنيون بما لايدع مجالاً للشك أن الصراع هو صراع هوية ووجود وانتماء، وأن الحوثي يحاول تجريف هويتهم وهدم مكتسباتهم؛ فتفجر الغضب الشعبي، وانطلق الناس في رد فعل عفوي الى الشوارع، نساءً ورجالاً وأطفالاً حاملين علم اليمن في تحدٍ شجاع لإرهاب المليشيا. ورغم كل وسائل التجريف وآلة التطييف التي تستخدمها الجماعة عبر التعليم، والمناهج الدراسية، والمساجد، والإعلام، والمعسكرات الصيفية، انقسم الواقع الاجتماعي هناك إلى فئتين: جيل تمكنت المليشيا من تغذية عقله بمعتقداتها، وجيل آخر تقاوم العائلات بكل الوسائل لحمايته. فالأسرة تمثل هناك خط الدفاع الأخيرعن وعي الطفل، وحائط الصد الذي يقاوم محاولات تزييف وعيه، ومحو السموم الفكرية التي تزرعها في عقله، والحفاظ على القيم الجمهورية من التجريف. كما صارت منصات التواصل الاجتماعي منبراً مفتوحا للأطفال يعبرون فيها وبتشجيع من ذويهم عن حبهم للوطن؛ ففي عيد ثورة 26 سبتمبر، يوقد الصغار شعلة الثورة على أسطح منازلهم في تحدٍ علني شجاع، وينشرون مقاطعهم عبر هذه المواقع وكأنهم في سباق وطني مع الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. أيضًا وبتشجيع لافت من عائلاتهم، يتبارون في إلقاء القصائد الوطنية التي يحفظونها لكبار الشعراء اليمنيين أمثال الشاعر الكبير "عبدالله البردوني". إن كل هذا الابتهاج بقدوم 26 سبتمبر لايفسر بكونه مجرد احتفالية، بل تعبير عن فعل مقاومة، ورغبة في الخلاص من جماعة ارتكبت أفظع الجرائم بحق الطفولة والوطن. وهنا يبرز سؤال: ما الذي يجعل طفلا لم ينضج بعد يذرف الدموع عندما يرى علم بلاده او يسمع نشيدا وطنيا؟ قبل أيام، انتشر على فيسبوك مقطع لطفلة يمنية أجهشت بالبكاء أثناء مباراة كرة القدم التي جمعت بين المنتخبين اليمني والبحريني. وعندما سألها مذيع في اليوم التالي: لماذا بكيت؟ أجابت: "بكيت عندما سمعت النشيد لأنني تأثرت، وبكيت فرحا لفوز اليمن". يتكامل هذا المشهد المعبر عن الانتماء مع صورة طفل آخر، لم يجد في احتفالات ذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر علمًا يرفعه، فما كان منه إلا أن جمع أكياسا بلاستيكية بألوان العلم الثلاثة، ليصنع منها راية ويرفعها متباهيًا بين أصدقائه. في زمن الحرب وفي قلب معركة الوجود التي يخوضها اليمنيون اليوم لاستعادة دولتهم ومؤسساتهم، يجد الطفل نفسه منغمسا في عاطفة وطنية عائلية؛ فهو يشاهد عائلته تتفاعل مع المجريات اليومية، تبكي فرحا وتتألم حزنا، وهذا ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بـ "العدوى العاطفية"؛ إذ تنتقل انفعالات الوالدين ومشاعرهم تلقائيا إلى وجدان صغارهم. يضاف إلى ذلك اتساع إدراك الأطفال ووعيهم المبكر بانتمائهم لأرضهم، وبالمكانة الرمزية لـ "الثنائي المقدس" في الوعي الجمعي اليمني كبارا وصغارا، والمتمثل في "العلم والنشيد الوطنيين". وربما تكون العائلة قد فقدت فرداً أو أكثر دفاعًا عن البلاد، فيجد الطفل نفسه في مركز هذه الأحداث الوطنية، بل ويرى نفسه بطلاً يخوض معركته الخاصة مدافعاً عن بلده برفع علمها وترديد نشيدها. في إجابة تهكمية على سؤال مذيعة حول تجنيد الأطفال، اختصر أحد الوجوه الإعلامية التابعة لجماعة الحوثي ثقافة المليشيا القائمة على تجريد الأطفال من طفولتهم والاستهتار بأرواحهم حين أجاب: "لا يوجد في اليمن أطفال.. لا يوجد لدينا شيلدرن" في تصريح عبثي وغير إنساني. فمنذ أكثر من اثني عشر عاما ما فتئت الجماعة تسلب جيلاً كاملاً طفولتهم وبراءتهم، وتقتادهم من مقاعد الدراسة إلى محارق الموت. الأخطر هو أن هؤلاء الأطفال الذين نشأوا على التعبئة وغسل الأدمغة بسموم الطائفية وثقاقة الموت يشكلون قنبلة موقوتة تتشكل داخل المجتمع؛ فمن ولد مع اندلاع الحرب صار عمره اليوم اثني عشر عاما، ومن كان في مطلع الحرب بعمر اثني عشرعامًا صار اليوم شابًا. وتكمن الخطورة في استهداف فئة بعينها (مرحلتي الطفولة والمراهقة)، وهي المرحلة التي يبدأ وعي الإنسان فيها بالتشكل؛ إذ لا يستطيع الطفل في هذا العمر التفكير المنطقي أو نقد المفاهيم وتفكيكها. والهدف هنا ليس مجرد تجنيد وتحشيد آني، بل عملية ممنهجة طويلة المدى تهدف إلى تغيير عقيدة المجتمع وثقافته. إن إنقاذ هذا الجيل من تسميم العقول وتلويث الفكر يستوجب معركة طويلة، إعادة تأهيل واعية تقودها كوادر تربوية ونفسية متخصصة. وتقتضي المسؤولية الوطنية والأخلاقية ترسيخ قاعدة أساسية تتمثل في التعامل مع هؤلاء الأطفال والشباب بوصفهم ضحايا لآلة الإجرام الحوثية وليسوا متهمين، عبر برامج دمج مكثفة تعيدهم إلى أحضان المجتمع كأفراد أسوياء قادرين على البناء والتنمية. في النهاية، الصورة التي بدأت بها هذه القراءة ما تزال تختصر الحكاية كلها: طفل يحمل حقيبة مدرسية، وآخر يحمل بندقية. وكلاهما كان يمكن أن يكونا على الطريق نفسه .لكن الحرب وضعت في يد أحدهما كتابًا، وفي يد الآخر سلاحًا.

المصدر: المصدر أونلاين