شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مستقبل بورصة عمّان: من تشخيص التحديات إلى خارطة طريق الثروة الجديدة

مستقبل بورصة عمّان: من تشخيص التحديات إلى خارطة طريق الثروة الجديدة

تكشف تجربة بورصة عمّان خلال العقدين الماضيين عن مفارقة اقتصادية تستحق التوقف عندها؛ ففي الوقت الذي تحسنت فيه مؤشراتها وقيمتها السوقية، تراجع عدد الشركات المدرجة بصورة ملحوظة، دون أن يقترن التحسن السعري بالضرورة بتوسع مماثل في تمويل الاستثمارات الجديدة. فهل نريد سوقاً ترتفع فيها قيمة الثروة القائمة، أم سوقاً تسهم أيضاً في تكوين ثروة جديدة؟على امتداد اثني عشر مقالاً، تناولت هذه السلسلة تطور الشركات المدرجة وهيكل القطاعات والسيولة والقيمة السوقية والإدراجات والشطب والاستثمار المؤسسي والعلاقة بين التداول والتمويل الجديد. واليوم، في ختام السلسلة، ينتقل السؤال من تشخيص ما حدث إلى تحديد ما ينبغي فعله خلال السنوات الخمس المقبلة.لقد بلغت القيمة السوقية للبورصة نحو 26.5 مليار دينار عام 2025، وقيمة تداولاتها نحو 2.2 مليار دينار، واستمر الأداء الإيجابي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2026. وهذه تطورات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم الوظيفة الاقتصادية للسوق؛ فارتفاع أسعار الأسهم يختلف عن توفير رؤوس أموال جديدة للشركات. والتحدي هو تحقيق التكامل بين كفاءة التداول وقدرة السوق على تمويل الاستثمار المنتج.أولاً: تجديد قاعدة الشركات المدرجةتراجع عدد الشركات المدرجة من نحو 277 شركة عام 2010 إلى نحو 155 شركة عام 2026. ورغم أن الشطب قد ينتج عن اندماجات أو تصفيات أو إعادة هيكلة، فإن استمرار خروج الشركات دون إدراجات جديدة كافية يقلص الخيارات الاستثمارية ويضعف تمثيل القطاعات الناشئة. والسؤال الأهم: لماذا لا تدخل شركات أردنية ناجحة ونامية إلى البورصة؟ هل بسبب تكاليف الإدراج ومتطلبات الإفصاح والحوكمة، أم الاعتبارات الضريبية، أم رغبة المالكين في الاحتفاظ بالسيطرة، أم ضعف السيولة والتقييمات المتوقعة؟تتطلب الإجابة دراسة ميدانية للشركات المؤهلة وغير المدرجة، تتبعها برامج لرفع جاهزيتها ومعالجة معوقات الإدراج دون إضعاف حماية المستثمرين. فالهدف ليس زيادة العدد لمجرد تحسين الإحصاءات، بل استقطاب شركات منتجة ذات آفاق نمو، خاصة في قطاعات الابتكار والتصدير والتشغيل.ثانياً: تنويع الأدوات المالية وتعميق السوقلا يمكن تطوير سوق رأس المال بالاعتماد على الأسهم وحدها. فالأولوية لتنشيط سندات الشركات والصكوك الإسلامية، وتطوير صناديق الاستثمار وإدارة الأصول، ودراسة صناديق المؤشرات المتداولة وأدوات الاستثمار العقاري والتمويل الأخضر والمستدام، إلى جانب تعميق استخدام حقوق الاكتتاب والأسواق الثانوية للأدوات القائمة.لكن استحداث المنتجات لا ينبغي أن يكون لمجرد محاكاة الأسواق العالمية؛ فنجاحها يتطلب طلباً كافياً وسيولة وتسعيراً شفافاً وإدارة فعالة للمخاطر. كما ينبغي أن تتكامل السوق المالية مع القطاع المصرفي لتوفير مصادر متنوعة لرأس المال والتمويل طويل الأجل، بدلاً من التعامل معهما كبديلين متنافسين.ثالثاً: من الملكية المؤسسية إلى التمويل المؤسسييمتلك المستثمرون المؤسسيون موارد وخبرات وقدرة على الاستثمار طويل الأجل، لكن ارتفاع ملكياتهم لا يعني بالضرورة مساهمة مماثلة في تمويل الشركات الجديدة. فشراء الأسهم القائمة يعزز السيولة وإمكانات التخارج، لكنه لا يوفر أموالاً مباشرة للشركة، بخلاف الاكتتاب في الإصدارات النقدية الجديدة. ومن هنا تبرز أهمية تطوير إدارة الأصول والصناديق وتحسين الفرص الاستثمارية والحوكمة، مع احترام استقلال القرارات الاستثمارية. ولا يجوز مطالبة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أو غيره بتمويل إصدارات لمجرد دعم السوق، بمعزل عن الجدوى والعائد والمخاطر والمسؤولية الائتمانية. ولقياس الدور التمويلي للمؤسسات، اقترحت السلسلة "مؤشر المشاركة المؤسسية في التمويل الأولي"، الذي يرصد مساهمتها في الإصدارات النقدية الجديدة، بدلاً من الاكتفاء بحصص الملكية أو التداول في السوق الثانوية.رابعاً: استعادة الثقة وحماية المستثمرينالثقة شرط أساسي لتعميق السوق، ولا تُبنى بارتفاع الأسعار وحده، بل بعدالة التعامل وشفافية الإفصاح وفاعلية الرقابة وحماية مساهمي الأقلية والحد من تعارض المصالح وغيرها الكثير. كما يتطلب توسيع قاعدة المستثمرين تعزيز الثقافة المالية والاستثمارية وتوفير معلومات موثوقة تساعد على فهم العوائد والمخاطر، بعيداً عن الشائعات والمضاربات غير المدروسة. فالمدخرات تتنافس عليها الودائع والسندات والعقارات والأسواق الخارجية، ولا يمكن جذبها بالدعوات العامة، بل بفرص استثمارية مجدية وبيئة تنظيمية موثوقة. فالسوق الجاذبة ليست التي ترتفع أسعارها باستمرار، وإنما التي يثق المستثمر بقواعدها حتى عندما تتراجع الأسعار.خامساً: قياس الوظيفة الاقتصادية للبورصةمن أبرز نتائج السلسلة ضرورة التمييز بين القيمة السوقية التي تعكس تقييم الشركات، والتداول الذي ينقل ملكية الأوراق المالية، والتمويل الأولي الذي يوفر رؤوس أموال جديدة. فالخلط بينها يبالغ في تقدير مساهمة السوق المباشرة في الاستثمار. ولهذا طرحت السلسلة ثلاثة مقترحات مترابطة:الأول: تقرير سنوي بعنوان "تعبئة رأس المال عبر السوق"، يرصد الإصدارات النقدية الجديدة، والجهات المكتتبة، والقطاعات المستفيدة، واستخدامات التمويل وآثاره الاقتصادية القابلة للقياس.الثاني: "مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق" (MEII)، لقياس مدى تمثيل الشركات المدرجة للبنية الاقتصادية الأردنية وتحولاتها، من حيث التنوع القطاعي وتجدد الشركات والارتباط بالأنشطة الناشئة.الثالث: "مؤشر المشاركة المؤسسية في التمويل الأولي"، لقياس مساهمة المؤسسات في توفير التمويل الجديد، والتمييز بينها وبين تعاملاتها في السوق الثانوية.وتمثل هذه المقترحات إضافة نوعية إلى أدوات تقييم أداء بورصة عمّان، إذ تؤسس لإطار تحليلي وقياسي أكثر شمولاً، يتجاوز المؤشرات التقليدية للأسعار والتداول والسيولة، ليشمل قدرة السوق على تعبئة رؤوس الأموال الجديدة، وتعزيز المشاركة المؤسسية في التمويل، ومدى ارتباطها بالبنية الإنتاجية للاقتصاد الأردني وتحولاته. ومن شأن تطوير هذه الأدوات واعتماد منهجيات علمية واضحة لقياسها أن يوفر أساساً أكثر دقة لتقييم الدور الاقتصادي والتنموي للبورصة، وتوجيه السياسات والإصلاحات المستقبلية.سادساً: خارطة طريق وطنية للفترة 2027–2031تستدعي نتائج السلسلة إعداد برنامج وطني لتطوير سوق رأس المال الأردنية خلال السنوات الخمس المقبلة، يقوم على أربعة مسارات: الأول: تجديد قاعدة الشركات المدرجة، بتحديد الشركات المؤهلة، ومعالجة معوقات الإدراج، ورفع جاهزيتها، ومتابعة الإدراجات الجديدة وصافي التغير في أعداد الشركات. الثاني: توسيع القدرة التمويلية، بتنشيط الإصدارات النقدية وسندات الشركات والصكوك، وتوفير خيارات للشركات المتوسطة والكبيرة، وقياس التمويل الفعلي الذي تحصل عليه الجهات المصدرة. الثالث: تعميق السوق وتنويع المستثمرين والأدوات، بتطوير الصناديق وإدارة الأصول، وتحسين السيولة، وتوسيع المشاركة المؤسسية والمحلية والأجنبية طويلة الأجل. الرابع: تعزيز الحوكمة والشفافية وقياس الأثر، بتحسين الإفصاح وحماية المستثمرين وتطوير بيانات الإصدارات والملكية واستخدامات التمويل.ولا تكفي صياغة هذه المسارات دون برنامج تنفيذي يحدد المسؤوليات والجداول الزمنية ومؤشرات الأداء. وينبغي البدء بتقييم خط الأساس، ثم إعلان مستهدفات قابلة للقياس، وإصدار تقرير سنوي يوضح الإنجازات والتعثرات والإجراءات التصحيحية. ويتطلب ذلك تنسيقاً بين بورصة عمّان وهيئة الأوراق المالية ومركز إيداع الأوراق المالية والجهات الاقتصادية والمالية والقطاع الخاص، مع احترام صلاحيات كل جهة واستقلالها التنظيمي، ودون إنشاء جهاز بيروقراطي جديد. فالمطلوب آلية تحول المقترحات إلى قرارات، والقرارات إلى إجراءات، والإجراءات إلى نتائج قابلة للقياس والمساءلة.سابعاً: من الحوار الاقتصادي إلى الإصلاح المؤسسيلا يتوقف تطوير سوق رأس المال على التشريعات والأدوات، بل يتطلب مؤسسات منفتحة على الحوار والنقد الموضوعي والخبرات الوطنية. فالمؤسسات القوية لا تكتفي بعرض إنجازاتها، وإنما تناقش تحدياتها وتراجع سياساتها. ولم تستهدف هذه السلسلة إصدار أحكام نهائية بشأن البورصة أو الجهات المشرفة عليها، بل تقديم قراءة اقتصادية مستقلة تطرح أفكاراً قابلة للنقاش والاختبار والتطوير، ولا تغني عن الدراسات الفنية المتخصصة. وأتطلع إلى أن تكون مدخلاً لحوار مؤسسي يجمع الجهات المعنية والخبراء والقطاع الخاص، وصولاً إلى إصلاحات عملية. فنجاح الحوار لا يُقاس بعدد الاجتماعات والتوصيات، بل بما يحدثه من تغيير في السياسات والنتائج.أخيراً: أي بورصة نريد للأردن؟بعد ثلاثة عشر مقالاً، تتلخص الرسالة الأساسية في أن مستقبل بورصة عمّان لا يُقاس بارتفاع مؤشراتها وقيمتها السوقية فحسب، بل بقدرتها على استقطاب شركات جديدة، وتعبئة المدخرات، وتمويل الاستثمار المنتج، وتعزيز ثقة المستثمرين. فالسيولة وارتفاع الأسعار مهمان، لكن قيمتهما التنموية تتعزز عندما يسهمان في تخفيض تكلفة رأس المال وتوسيع فرص النمو. والهدف الاستراتيجي للسنوات الخمس المقبلة هو تحويل بورصة عمّان إلى منصة أكثر فاعلية لتمويل شركات المستقبل، وتعزيز الإنتاجية وخلق فرص العمل، بما يخدم رؤية التحديث الاقتصادي. وهذه هي الرسالة الختامية للسلسلة: أن ننتقل من سوق تعيد تسعير الثروة القائمة إلى سوق تسهم في صناعة الثروة الجديدة وتمويلها.

المصدر: عمون