شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

العقوبات الأمريكية على الجنائية الدولية بأي حق و في أي سياق؟

العقوبات الأمريكية على الجنائية الدولية بأي حق و في أي سياق؟

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية بهدف شل نشاطها و تفكيكها على نحو ما صرح به وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، و تشمل العقوبات فرض حظر شامل على مصادر تمويلها و تعاملاتها بما يعيقها عن أداء دورها كهيئة قضائية دولية تسير بمقتضى نظام روما الأساسي الذي اعتمد في 17 جويلية 1998، و دخل حيز التنفيذ في الفاتح من نفس الشهر سنة 2002 . و تتخذ الجنائية الدولية من لاهاي مقرا لها ، و لها اختصاصات قضائية تتعلق بالجرائم الكبرى ذات الطابع الدولي و هي : جرائم الإبادة الجماعية و الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب و جرائم العدوان. و رغم صبغتها الدولية فإنها تعد جهة مكملة للجهود القضائية الوطنية من غير أن تكون بديلا عنها. و المحكمة الجنائية محكمة دائمة و مستقلة ، تتمتع بالاستقلالية و السيادية في اتخاذ قراراتها و تضم ثمانية عشر قاضيا ينتخبون لمدة تسع سنوات و هيئة رئاسية و شعبا قضائية و مكتبا للمدعي العام و قلم المحكمة. و قد أثارت العقوبات الأمريكية الجديدة على الجنائية الدولية ردود أفعال كثيرة أولها من الجنائية نفسها التي أصدرت بيانا تصف فيه هذه العقوبات بأنها هجوم صارخ على استقلالية مؤسسة قضائية دولية تمارس نشاطها بحيادية تامة ، و بأنها تهدف إلى إعاقة العدالة و حرمان الضحايا من انتزاع حقوقهم. أما أنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة فوصف العقوبات بأنها ضربة خطيرة للعدالة الجنائية الدولية ، تشجع على استمرار الانتهاكات و الممارسات غير الإنسانية المهددة للأمن الدولي. و أصدر وزراء خارجية ألمانيا و فرنسا و بريطانيا و إيطاليا و هولندا و الدنمارك و كندا و اليابان بيانا مشتركا رافضا للعقوبات و اعتبارها مؤشرا خطيرا سيؤثر بشكل كبير على عمل المحكمة. أما إسرائيل فرحبت بالعقوبات الأمريكية على الجنائية الدولية باعتبارها الجهة الأولى المستفيدة من هذه العقوبات و خاصة بعد مذكرة الاعتقال الدولية التي أصدرتها المحكمة بحق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو و وزير دفاعه السابق لارتكابه جرائم الإبادة الجماعية و جرائم ضد الإنسانية ، و كذلك الإنابات و الطلبات القضائية لملاحقة اليميني الصهيوني إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال و بتسلئيل سموتريتش وزير المالية في انتظار صدور مذكرات اعتقال بشأنهما بعد اكتمال التحقيقات و الإجراءات القضائية. العقوبات على الجنائية الدولية بين مواقف الرفض و مبررات واشنطن: رفضت كثير من الدول العقوبات الأمريكية المفروضة على الجنائية الدولية و اعتبرتها شكلا من أشكال المساس باستقلاليتها و بمركزها القانوني المستمد من نظام روما الأساسي لا سيما في المادة الرابعة منه بما يسهم في عرقلة عملها و إعاقتها عن أداء دورها في متابعة المجرمين و إنصاف الضحايا و تحقيق العدالة. و قد اتسعت دائرة الرفض بما يمثل ضغطا أو إحراجا على الأقل للولايات المتحدة الأمريكية و خاصة حينما يتعلق الأمر ببعض حلفائها الذين رأوا في القرار الأمريكي سعيا لممارسة السلطة و تكريس لغة الإملاءات خارج القواعد القانونية الدولية المتعارف عليها. و قد سارعت هولندا باعتبارها دولة المقر إلى رفض العقوبات الأمريكية المفروضة على الجنائية الدولية و لم تقف عند هذا الحد بل حثت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية و الدول الأوروبية التي ترتبط معها بميثاق الاتحاد الأوروبي إلى رفض هذه العقوبات التي تعد مساسا باستقلالية أكبر مؤسسة جنائية دولية وضعت لتكريس الديمقراطية و محاربة الاستبداد و الإجرام. و دافعت الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو عن قرارها بفرض عقوبات على الجنائية الدولية ، و قد لخص ماركو روبيو ذلك في البيان الصحفي الذي أصدره بتاريخ 9 أكتوبر 2026 و الذي جاء فيه: ” على مدى عقود، رفض الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء فكرة امتلاك المحكمة الجنائية الدولية سلطة مقاضاة المواطنين الأمريكيين أو أفراد القوات المسلحة أو القادة السياسيين. فالولايات المتحدة لم تنضم يوما إلى المحكمة. نحن لا نحتاجها. ولا نريدها. لكن “الخبراء” العالميين البعيدين عنا لا يكترثون برأي المواطنين الأميركيين. فهم يريدون من المحكمة الجنائية الدولية أن توسّع نطاق عملها، بما في ذلك مقاضاة مواطنين أميركيين: أفراد القوات المسلحة الذين يدافعون عن وطنهم، وعناصر حرس الحدود الذين يحمون بلادنا، والقادة المنتخبون الذين يضمنون أمننا القومي. إنهم يسعون إلى مزيد من السلطة، ويريدون تحقيق ذلك على حسابنا. لن يسمح الرئيس ترامب للمحكمة الجنائية الدولية بمقاضاة الأمريكيين. ولهذا السبب، تعلن الولايات المتحدة اليوم فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. سنحظر التعاملات المالية معها، ونقطع عنها الموارد، و نشل قدرتها على العمل. لقد كنا واضحين طوال أكثر من عام بشأن الحد الأدنى من بوادر حسن النية التي توقعناها من المحكمة. وقد مارسنا قدرا من المرونة وأرجأنا هذا التصنيف احتراما لعلاقاتنا، و أملا في أن تغير المحكمة مسارها أو أن تتدخل الدول الأطراف لكبحها. إلا أن المحكمة والدول الأطراف لم تتخذ بعد خطوات ملموسة لمعالجة شواغلنا. ورغم هذا التقاعس، ما زلنا نأمل في حل دبلوماسي. لقد صغنا هذا الإجراء بطريقة تتيح للدول الأطراف فرصة التفاوض وتقديم حل يعالج مخاوفنا. وإذا لم تُسفر هذه الجهود عن نتائج، فسنتخذ الخطوات المناسبة تباعا. رسالتنا واضحة: الولايات المتحدة وشعبها غير خاضعين لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. والحزبان يتفقان على هذا المبدأ، لكن الرئيس ترامب وحده يمتلك العزم لاتخاذ الخطوات اللازمة لإنهاء هذا التهديد نهائيًا. إما أن توقف المحكمة تهديداتها، أو سنعمل نحن على إنهاء المحكمة. ونتوقع من حلفائنا، وكثير منهم أعضاء في المحكمة ويعتمدون على أفراد القوات الأمريكية في دفاعهم، أن يكبحوا جماحها وإن لم يفعلوا، ستواصل الولايات المتحدة حملتها لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، حجرا بعد حجر، إلى أن تزول التهديدات التي تطال الأمريكيين”. تضمن البيان الصحفي لماركو روبيو نبرة قوية اعتبرتها بعض الجهات نبرة منافية للغة الدبلوماسية و خاصة دعوته إلى إنهاء المحكمة و تفكيكها ووصفها في موضع آخر بالمؤسسة المارقة. و يمكننا تحليل النقاط التي اشتمل عليها هذا البيان الصحفي و النظر ما إذا كانت الولايات المتحدة محقة كليا أو جزئيا أو مخطئة جزئيا أو كليا فيما بررت به قرارها بفرض عقوبات على الجنائية الدولية. فقول ماركو روبيو بأنه على مدى عقود، رفض الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء فكرة امتلاك المحكمة الجنائية الدولية سلطة مقاضاة المواطنين الأميركيين أو أفراد القوات المسلحة أو القادة السياسيين ، فإن الثابت تاريخيا أن الولايات المتحدة الأمريكية وقعت على نظام روما الأساسي عام 2000 في عهد الرئيس بيل كلينتون، دون تمريره إلى مجلس الشيوخ للتصديق عليه. وفي عام 2002، قامت إدارة جورج بوش الابن بسحب التوقيع رسميا. و أنه في إطار قانون حماية السيادة و المواطنين الأمريكيين ، رفضت واشنطن خضوع مواطنيها، وخاصة العسكريين والمسؤولين، لاختصاص محكمة أجنبية بما فيها طبعا المحكمة الجنائية الدولية. و حظر قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكيين الصادر عام 2002 التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية و جواز استخدام كل الوسائل المناسبة لحماية أي أمريكي يتم توقيفه من قبلها.أما قول ماركو روبيو بأن قضاة المحكمة الجنائية الدولية يسعون إلى مزيد من السلطة على حساب الولايات المتحدة الأمريكية فكلام يحتاج إلى دليل ، إذ المنتظر من المحكمة الجنائية وقف استخدام السلطة على غير وجهها المشروع و ليس السعي إليها و هذه المفارقة تحتاج إلى رد من الجنائية الدولية و ليس لنا فيه ناقة و لا جمل و لا نملك تفويضا لا من قريب و لا من بعيد للبت فيه. إن لغة ماركو روبيو تجاه الجنائية الدولية لغة حادة يميزها رفض المحكمة و التضييق عليها في حال استمرت-كما قال – في هذا المسار الذي لا يرضي الولايات المتحدة الأمريكية و يمس بكرامة مواطنيها و جنودها ، فهل تستجيب المحكمة الجنائية لمطالب واشنطن و تعدل عن سلوكها و تصحح مسارها أو تتمسك بمواقفها و نظامها و عندها سيكون الصدام المحتوم بينها و بين الولايات المتحدة الأمريكية التي يصر بيان الخارجية الأمريكية على إضعاف الجنائية الدولية و تفكيكها و ما سيكون لذلك من آثار وخيمة على العالم بأسره ويعرض العدالة القضائية الدولية لهزات لا تحمد عقباها. هل الأمريكيون حالة استثنائية أمام الجنائية الأمريكية ؟: للولايات المتحدة الأمريكية كما جاء في البيان الصحفي لوزير خارجيتها ماركو روبيو مطلب واضح ، و هو رفض مثول الأفراد و العسكريين الأمريكيين أمام الجنائية الدولية ، فهل تنصاع الجنائية الدولية تحت طائلة العقوبات الأمريكية لمطالب واشنطن و تجعل من الأمريكيين حالة استثنائية ، أم أنها ستستمر في سياستها الجنائية الحالية و معاملة الأفراد من جميع الدول على قدم المساواة و التمسك بخيار العدالة القضائية ؟. إن تاريخ المحاكمات الجنائية يثبت أن المحكمة الجنائية قد أصدرت قرارات في حق بعض الأفراد و الشخصيات الدولية ، و من أبرز هذه القرارات ، إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين في 18 مارس 2023 بتهمة ارتكاب جريمة حرب تتعلق بالترحيل القسري لأطفال قصر من مناطق في أوكرانيا إلى روسيا. و إدانة رئيس ساحل العاج الأسبق لوران غباغبو في 23 نوفمبر 2011 قبل أن تتم تبرئته و الإفراج عنه في 2019 ، و إصدار مذكرة اعتقال بحق نجل معمر القذافي سيف الإسلام القذافي عام 2011 بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية في ليبيا و هي المذكرة التي تم إلغاؤها مؤخرا بعد وفاة سيف الإسلام القذافي في عملية الاغتيال المعروفة. و إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير في 4 مارس 2009 ، بتهمة ارتكاب جرائم حرب و الإبادة الجماعية في إقليم دارفور. و إعلان المحكمة الجنائية الدولية رفع السرية عن أربع مذكرات اعتقال بحق شخصيات بارزة في حركة طالبان في أكتوبر 2026 بتهمة اضطهاد النساء و الفتيات في أفغانستان. قد يقول قائل لماذا هذا التمييز في تعامل الجنائية الدولية ؟ و الجواب أن هذه القرارات تمت بناء على طلب الدول التي ينتمي إليها الحكام و الأفراد المدانون سواء في الحالة السودانية أو الليبية أو غيرها و هو ما لم يحصل من قبل أمريكا ، فلم يعرف عن هذه الأخيرة أنها قدمت التماسا و طلبا إلى المحكمة الجنائية لمعاقبة من تتهمهم بسوء استغلال السلطة أو ارتكاب تجاوزات معينة . الكيان الصهيوني أكبر المرحبين بالعقوبات على الجنائية الدولية: الكيان الصهيوني هو رأس كل الأنظمة الفاسدة ، و قد ارتكب قادته السابقون و اللاحقون جرائم يندى لها الجبين في حق الفلسطينيين و مع ذلك لم تواجه هذه الجرائم التي فاقت كل التوقعات و خرقت كل القوانين الدولية و الإنسانية الحزم اللازم من الجنائية الدولية. لقد سارع نتنياهو إلى الترحيب بالقرار الأمريكي و عبر عن دعمه الكامل للعقوبات الأمريكية واصفا المحكمة الجنائية بأنها تمثل تهديدا وجوديا للديمقراطيات. وقال نتنياهو، في بيان صادر عن مكتبه: “أشيد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو لاتخاذهما هذا القرار الحاسم بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية”. . لا أدري عن أي ديمقراطية يتحدث نتنياهو فإذا كان يقصد الديمقراطية الإسرائيلية فالكيان الصهيوني أبعد ما يكون عن الدكتاتورية ناهيك عن الديمقراطية ، فأنى له أن ينسب نفسه و كيانه المصطنع إلى الديمقراطية ، فلا يصدق هذا إلا بمفهوم المخالفة أن يكون نتنياهو قد قصد ديمقراطية التقتيل و التمثيل و التدمير و التهجير و هي ديمقراطية بغيضة لا توجد إلا في القاموس الصهيوني و في أذهان المستبدين و المجرمين الكبار من أمثاله. أي مستقبل للجنائية الدولية في ظل الضغط الأمريكي؟ رسم ماركو روبيو معالم عامة لإصلاح الجنائية الدولية ، حيث اقترح تكوين تحالف دولي مهمته إصلاح الجنائية الدولية و حملها على تغيير مسارها و اتخاذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه ، و فسح المجال أمام الحل الدبلوماسي الذي يتيح للدول الأطراف تقديم الحلول لتجاوز هذه المعضلة ووضع القطار على السكة . و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما هو شكل الجنائية الدولية التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تشكيلها لتكون خلفا للجنائية الحالية غير اللائقة و غير الديمقراطية في نظرها ؟ و ما هي معالم هذه الجنائية و هل سنشهد ميلاد نظام بديل للجنائية الدولية يكون بديلا لنظام روما الأساسي؟. و ما هي مظاهر الاعوجاج في المحكمة الجنائية الدولية التي تسعى الولايات المتحدة لتقويمها؟. و هل تخضع الدول للإرادة الأمريكية أم ستتمسك بموقفها الداعم للجنائية الحالية و ترفض العقوبات الأمريكية حيالها و حيال المؤسسات الدولية الأخرى؟ .إن المستقبل القريب سيجيب عن كل هذه التساؤلات و سيبين أيهما أشد بأسا الولايات المتحدة الأمريكية أم الدول الأخرى المخالفة لها و المتحالفة ضدها؟.

المصدر: الشروق