من إدارة الرواية إلى إدارة الواقع: الاختبار الاهم أمام المؤسسات
أ.د. عبدالله سرور الزعبي ليست كل مؤسسة تبدو قوية ومستقرة كذلك بالفعل. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بحجم النفوذ ولا بعدد المؤيدين، بل بقدرة المؤسسة على سماع ما لا ترغب في سماعه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التاريخ: فمعظم الدول والمؤسسات التي أخفقت لم تكن تفتقر إلى الموارد أو الكفاءات، وإنما فقدت ما هو أهم منهما: علاقتها بالحقيقة.كان المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس يرى أن بداية الانحدار لا تكون في الميدان، بل في اللحظة التي يختلط فيها ما تتمناه القيادة بما يجري على الأرض. وقد أثبتت القرون اللاحقة أن هذه القاعدة لم تتغير؛ فالقرارات لا تهزمها قلة المعلومات وحدها، بل أيضاً المعلومات التي لا يُسمح لها بالوصول. وفن القيادة في جوهره هو التعامل مع الوقائع كما هي لا كما نودّ أن تكون، لأن الفجوة بين الواقع والرواية هي المسافة التي تنمو فيها الأزمات بصمت.لكن ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة عبئاً؟ تتغير عندها وظيفة المؤسسة؛ فبدلاً من إدارة الأداء تنشغل بإدارة الصورة، وبدلاً من معالجة الخلل تنشغل بإدارة الانطباع عنه. وبعض المؤسسات لا تكتفي باستخدام المعرفة، بل تحاول تنظيمها، وتحديد ما يُعدّ حقيقة ومن يملك حق قولها. ولهذا فإن الصراع داخل المؤسسات لا يكون دائماً بين الصواب والخطأ، بل بين الحقيقة المقبولة والحقيقة غير المرغوب فيها.ومن هنا تبدأ آلية مألوفة: حين تعجز الوقائع عن الدفاع عن القرار، يبدأ القرار في مهاجمة الوقائع. وحين يصعب دحض الأرقام، يصبح الأسهل التشكيك في من قدّمها، فيتحول السؤال من "هل ما يُقال صحيح؟" إلى "من هذا الذي يقوله؟". إنها لحظة ينتقل فيها النقاش من ساحة العقل إلى ساحة السمعة، ومن فحص الوثائق إلى تفكيك الأشخاص، ومن تقييم الأفكار إلى تصنيف أصحابها؛ لحظة تُستبدل فيها الحجة بالوصمة، والبرهان بالاتهام.وفي العصر الرقمي تطورت أدوات إسكات الحقيقة بصورة غير مسبوقة. فلم يعد الهدف منع المعلومة، وذلك يكاد يكون مستحيلاً، بل إغراقها بالضجيج: روايات لا سند لها، وعبارات تُقتطع من سياقها، وأخطاء هامشية تُضخَّم، وحسابات منسقة تعيد إنتاج الانطباعات حتى تبدو حقائق مستقرة. فالغاية ليست دائماً إقناع الجمهور برواية بديلة، بل جعل الوصول إلى الحقيقة عملية مرهقة، وعندها تصبح "إدارة الإدراك" أهم من "إدارة المعلومات".وأشدّ ما يثير القلق ما يصيب المؤسسة حين تتجذر فيها ثقافة الصمت. فقد بيّن ألبرت هيرشمان في كتابه "الخروج والصوت والولاء" أن الأفراد، حين يكتشفون خللاً داخل مؤسساتهم، يملكون خيارات محدودة: أن يغادروا، أو يرفعوا أصواتهم مطالبين بالإصلاح، أو يبقوا صامتين رغم معرفتهم بالخلل. والمؤسسات الذكية تستثمر في الصوت لأنها تعدّ النقد المبكر نظام إنذار يحميها، أما المؤسسات الخائفة فتدفع أصحاب الكفاءة إلى الصمت أو المغادرة، فتخسر أحد أهم أصولها: العقول المستقلة.وتؤكد ذلك إيمي إدموندسون، إذ بيّنت أن المؤسسات ذات السلامة النفسية المرتفعة لا تخلو من الأخطاء، لكنها تكتشفها مبكراً لأنها لا تعاقب من يكشفها؛ أما المؤسسات التي يسودها الخوف فتبدو أكثر هدوءاً، لكنها تخفي تحت هذا الهدوء تراكماً بطيئاً للأزمات. ووصف إيرفينغ جانيس هذه الحالة بـ"التفكير الجمعي"، حين يصبح الحفاظ على الانسجام أهم من اختبار القرار، ويتحول الإجماع المصطنع إلى دليل على الإخلاص بدلاً من أن يكون دليلاً على الصواب. ولهذا فإن أخطر مؤشر على ضعف أي مؤسسة ليس كثرة منتقديها، بل اختفاء الأصوات المخالفة من داخلها؛ فحين يخلو الاجتماع من الرأي الآخر، لا يعني ذلك أن الجميع مقتنع، بل قد يعني أن الجميع تعلّم الصمت.وهنا نصل إلى بيتر دركر، الذي خلص إلى أن أخطر ما قد تفعله المؤسسة أن تُنفّذ بكفاءة عالية ما لم يعد ينبغي فعله أصلاً. فالأنظمة الأكثر متانة ليست التي تمنع الخطأ، بل التي تكتشفه مبكراً وتتعلم منه.أما على المستوى الجيوستراتيجي، فلم تعد الحقيقة قضية أخلاقية فحسب، بل أصبحت أصلاً من أصول القوة الوطنية. فالدول التي لا تسمح للحقيقة بالصعود داخل مؤسساتها تضطر في النهاية إلى استقبالها من الخارج، عبر أزمة مالية أو إخفاق أمني أو صدمة لا تترك لها خياراً سوى الاعتراف المتأخر. وقد بنى لي كوان يو نموذج سنغافورة على مواجهة الحقائق كما هي، منطلقاً من مبدأ مفاده أن "من لا يواجه الواقع سيواجهه الواقع بطريقة أكثر قسوة". وانطلقت الصين في إصلاحاتها منذ عام 1978 حين أقرّت بأن نموذجها الاقتصادي القديم لم يعد صالحاً. وفي المقابل، لم يسقط الاتحاد السوفيتي بسبب نقص العلماء أو السلاح، بل لأن الفجوة بين ما تقوله التقارير وما يعيشه المجتمع اتسعت حتى تجاوزت قدرة النظام على معالجتها.وإذا كانت المكاشفة واجباً في كل زمن، فهي اليوم أشد إلحاحاً. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها، وفي قدرة المؤسسات على التمييز بين الإشارة والضجيج. وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ وتتنافس فيها القوى الكبرى، تصبح الحقيقة جزءاً من الردع الوطني؛ فالدولة التي تعرف نقاط ضعفها بدقة وتناقشها بشجاعة أقدر على حمايتها من الدولة التي تكتفي بترديد الشعارات.وفي الأردن، يتجلى نهج المكاشفة بوضوح فيما دأب عليه جلالة الملك عبدالله الثاني من توجيهات للمؤسسات الرسمية بمصارحة المواطن بالحقائق كما هي، دون تجميل أو التفاف على الصعاب. فلم تكن دعوته إلى الشفافية شعاراً عابراً، بل نهجاً تجسّد في سلسلة الأوراق النقاشية التي دعا فيها الأردنيين، مسؤولين ومواطنين، إلى نقاش مفتوح وصريح حول قضايا الإصلاح، مؤكداً أن حرية التعبير مكفولة، وأن الإعلام ينبغي أن يكون عين المواطن على الحقيقة. وشدّد جلالته على أن مواجهة الإشاعة تكون بالشفافية وسرعة كشف الحقائق للناس قبل أن تسبقها الروايات المضلِّلة؛ فالمواطن شريك في تحمّل الحقيقة، لا طرف يُحمى منها.ولم يقتصر ذلك على الداخل، فقد خاطب جلالته العالم بالنهج نفسه من أعلى منبر دولي، إذ أكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أيلول 2026) مسؤولية المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الصراع في المنطقة، ودعا إلى تطبيق القانون الدولي بمعايير واحدة، محذّراً من أن تجاهل الحقائق لا يلغيها، بل يضاعف كلفتها على الجميع. وهكذا اتسق الخطاب الموجَّه إلى الأردنيين مع الخطاب الموجَّه إلى العالم: الحقيقة تُقال بشجاعة في الداخل والخارج.وقد انتقل هذا التوجيه إلى الممارسة التنفيذية حين دعا جلالته الحكومة إلى الاستماع للناس في مواقعهم لا الاكتفاء بما تنقله التقارير، فجاءت الجولات الميدانية لرئيس الوزراء إلى المحافظات والألوية. وهي خطوة مهمة تكتمل بأدوات متابعة دائمة وأجهزة رقابية وتشريعية وإعلامية فاعلة، حتى تصبح المكاشفة ثقافة راسخة تستمر حتى حين لا تكون الكاميرا حاضرة.واليوم، والأردن يواجه تحديات تمسّ أمنه ومائه واقتصاده، تصبح المكاشفة واجباً وطنياً، انسجاماً مع توجيهات الملك. فالمطلوب المصارحة بالأرقام الدقيقة للدين العام والتضخم والنمو والبطالة والفاقد المائي، دون تغيير سنة الأساس أو منهجية الاحتساب، وبواقع التعليم وتحدياته، وبكلفة مشروع الناقل الوطني، وبحصيلة الاستكشافات النفطية والغازية والتعدينية وحجم إيراداتها، وبالأوضاع الاجتماعية، وبالتهديدات الأمنية والمائية القادمة من الجوار. فمثل هذه المكاشفة تقطع الطريق على الإشاعات العابرة للحدود التي تصل إلى المواطن من مصادر شتى، فتتركه نهباً للشك في ظل غياب المعلومة الكافية أو تضارب الأرقام والتصريحات، وهو ما يربك المشهد. والأردنيون، الذين يحبون وطنهم وملكهم، يتفهمون الصعاب إذا صُورحوا بالواقع لا بالتجميل والوعود.ومن تجربتي الشخصية، حين شرّفني جلالة الملك بقيادة جامعة البلقاء التطبيقية (حزيران 2016)، أدركت منذ اللحظة الأولى أن المسؤولية تبدأ بتشخيص الواقع كما هو. فبعد الاطلاع على أوضاع الجامعة، طلبت من رئيس مجلس الأمناء آنذاك، الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، عقد جلسة طارئة لتوثيق واقعها المالي والأكاديمي والإداري، وحال البنية التحتية وملف التأمين الصحي وجودة التعليم، بوضوح وشفافية. وبعد إعداد خطة الإنقاذ وإقرارها من مجلس الأمناء، دعونا نحو مئة شخصية من قيادات محافظة البلقاء، برعاية المرحوم معالي مروان الحمود، ووضعنا أمامهم الحقائق كما هي وشرحنا لهم خطة الإنقاذ، وهو لقاء موثّق بالفيديو، تبعته لقاءات مع العاملين في الجامعة وكلياتها لمكاشفتهم بكل التفاصيل. ولم يكن ذلك خطاباً لامتصاص الأزمة، بل التزاماً علنياً بخطة قابلة للقياس والمساءلة، وقد تحققت أهدافها بفضل عدد من أعضاء الفريق ممن تميّزوا بالأداء والدقة والكفاءة. فقد أدرنا الأزمة وأخذنا المخاطر بعين الاعتبار، وحققنا الأهداف، ووضعنا الجامعة على الطريق الصحيح أكاديمياً ومالياً وإدارياً، ولم نجامل اصحاب المصالح. ورغم ذلك، تم اطلاق حملات تشويه للحقائق، وهي حملات تمثّل نموذجاً حياً لإدارة الرواية لا الواقع. وقد كنا نتمنى أن يُحسم الحديث بين من أدار الواقع ومن أداروا الرواية بمناظرة علنية ومباشرة، وهو ما لم يحصل. ومع ذلك، رسّخت التجربة قناعة بأن إصلاح المؤسسات لا يبدأ بتجميل الواقع، بل بتشخيصه بشجاعة، وإعلان الأهداف، وتحويل الوعود إلى نتائج يراها الناس بشواهد دامغة ويحاسبون عليها.وقد تعوّدنا في الأردن أن هناك من ينجز، وهناك بعض من يبحث عن الإنجاز فلا يجده، فيبدأ بإدارة رواية ما؛ وتعوّدنا أيضاً أن صوت من يدير الرواية أعلى من صوت من يدير الواقع، فالناس تنجذب إلى الرواية أكثر من الحقيقة. إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مسؤول اليوم ليس "كم شخصاً يؤيدني؟"، بل "كم شخصاً يستطيع أن يخبرني بأنني مخطئ دون أن يخاف؟". فالمسؤول الذي يسمع التصفيق وحده يفقد تدريجياً القدرة على سماع الإنذار. ولا تنهار المؤسسات يوم تُقال الحقيقة، بل يوم يُعاقَب من يقولها ويُكافأ من يُجمّلها. فالتاريخ لا يكافئ من يرفع صوته فوق الحقيقة، بل من يمتلك الشجاعة ليصغي إليها قبل الجميع. ومن هنا يبدأ الإصلاح وصناعة المستقبل.
المصدر: عمون