شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الربيع الأوروبي

الربيع الأوروبي

د. صالح سليم الحموري هل تهتزّ القارة العجوز على وقع الغضب الشعبي؟ من كان يتخيل أن أوروبا، التي تابعت قبل خمسة عشر عاماً أحداث الربيع العربي، وحلّلت أسبابه وتداعياته، ستجد نفسها اليوم أمام موجات من الاحتجاجات الشعبية والإضرابات التي تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الحكم، والعدالة الاجتماعية، والثقة بين المواطن والدولة؟من باريس إلى لندن، ومن روما وميلانو إلى بروكسل، مروراً بمدريد وأثينا ولشبونة، تتكرر مشاهد المظاهرات والاحتجاجات. تختلف الأسباب بين ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن، والهجرة، والسياسات الاقتصادية، وتراجع بعض الخدمات العامة، لكن السؤال المشترك يبقى: هل ما زالت الحكومات الأوروبية قادرة على مواكبة تطلعات شعوبها؟وهنا يبرز سؤال قد يبدو مستفزاً: هل نحن أمام بدايات ما يمكن تسميته «الربيع الأوروبي»؟عندما اندلعت احتجاجات الربيع العربي عام 2011، تصدرت المشهد مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. واليوم، تتردد بعض هذه المطالب في الشوارع الأوروبية، وإن اختلفت السياقات السياسية وطبيعة الأنظمة والمؤسسات. فالمقارنة لا تعني تطابق التجربتين، وإنما تكشف حقيقة مهمة: الغضب الشعبي ليس حكراً على جغرافيا أو ثقافة معينة.في فرنسا، تتكرر الاحتجاجات المرتبطة بالسياسات الاقتصادية وتكاليف المعيشة. وفي بريطانيا، تتداخل قضايا الهجرة والهوية والخدمات العامة. أما إيطاليا، فقد شهدت العاصمة روما ومدينة ميلانو، التي تمثل القلب الاقتصادي للبلاد، مظاهرات وتحركات احتجاجية، بعضها مرتبط بالأجور وارتفاع تكاليف الحياة والسياسات الحكومية. كما شهدت بروكسل احتجاجات نقابية وشعبية على إصلاحات اقتصادية واجتماعية. وتمتد التحركات بأشكال مختلفة إلى دول أوروبية أخرى.واللافت أن الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على العواصم السياسية، بل وصلت إلى مراكز اقتصادية كبرى مثل ميلانو؛ وهو ما يعكس اتساع نطاق القضايا الاجتماعية التي تشغل المواطنين.لكن القضية الأعمق ليست في أعداد المتظاهرين، وإنما في "مستقبل العقد الاجتماعي الأوروبي"؛ ذلك العقد الذي تأسس على معادلة العمل والإنتاج ودفع الضرائب مقابل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة ومستوى معيشي مناسب.هذه المعادلة تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع الأسعار، وشيخوخة السكان، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحديات تمويل دولة الرفاه. والأخطر أن بعض الأجيال الشابة باتت تشعر بأن فرصها في السكن والعمل والاستقرار أقل مما تمتعت به الأجيال السابقة.فعندما يفقد الشباب "الثقة" بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر، تتحول الأزمة من أزمة اقتصادية إلى أزمة أمل.وأعتقد أن ما تشهده أوروبا يطرح سؤالاً يتجاوز الاحتجاجات: هل أصبحت "النماذج الحكومية التقليدية" أبطأ من سرعة التحولات المجتمعية؟فالعالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما لا تزال مؤسسات حكومية كثيرة تعمل بإجراءات وآليات بطيئة. ولم يعد المواطن يقيس نجاح حكومته بعدد "الاستراتيجيات والقرارات"، وإنما بما يشعر به من "جودة حياة" و"عدالة" و"فرص" و"مستقبل آمن".وهنا تبرز أهمية الانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "استباقها"، ومن الاستجابة للغضب إلى فهم أسبابه، ومن "قياس الأداء الحكومي" إلى "قياس الأثر الحقيقي في حياة الناس".ولا يعني الاحتجاج بالضرورة فشل الحكومات؛ فهو جزء مشروع من الممارسة الديمقراطية. لكن تجاهل أسبابه قد يؤدي إلى اتساع "فجوة الثقة" بين الدولة والمجتمع.فالانتخابات تمنح الحكومات شرعية الوصول إلى السلطة، لكن الأداء والعدالة وجودة الحياة هي التي تجدد ثقة المواطنين بها.أخيراً، قد لا يكون ما تشهده أوروبا ربيعاً بالمعنى السياسي الذي عرفناه في العالم العربي، لكنه بالتأكيد اختبار لقدرة الحكومات على تجديد العقد الاجتماعي والاستجابة لتطلعات شعوبها.فالربيع ليس حكراً على جغرافيا، والغضب الشعبي لا يبدأ دائماً في الشوارع؛ فقد يبدأ في منزل يعجز أصحابه عن دفع الإيجار، أو لدى شاب لا يجد فرصة عمل، أو مواطن يشعر بأن صوته لم يعد مسموعاً.ويبقى السؤال: هل تعيش أوروبا خريفاً عابراً من الاحتجاجات، أم أن "ربيعاً" أوروبياً جديداً بدأ يتشكل؟

المصدر: عمون