شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الرأسمالية الفلسطينية التابعة وسلطتها

الرأسمالية الفلسطينية التابعة وسلطتها

لقد عانى الشعب الفلسطيني، على امتداد عقود، من مصادرة الأرض والموارد، وتدمير مقومات الإنتاج، وفرض التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي ليس السؤال عن دور الرأسمالية الفلسطينية مجرد سؤال عن الثروة، أو عن "رجال أعمال" حققوا أرباحًا كبيرة في مجتمع يرزح تحت الاحتلال. إنه، قبل ذلك، سؤال عن طبيعة السلطة التي نشأت في ظل الاستعمار، وعن القوى الاجتماعية التي استفادت من استمرار التبعية الاقتصادية والسياسية، وعن الكيفية التي تحولت بها مصالح فئة محدودة إلى منظومة متكاملة من المؤسسات والامتيازات والعلاقات، يصعب تغييرها بالوسائل السياسية التقليدية. إن صعوبة تغيير ما يسمى "النظام السياسي الفلسطيني" وإصلاحه تكمن في وجود شريحة عميلة للعدوّ لا يمكن أن تتنازل عن امتيازاتها إلا إذا قامت سلطة شعبية مكانها تملك مشروعها الثوري البديل. وهذه مهمة لن تجري عبر انتخابات مزيفة تحت الاحتلال بل لها شروط من طراز آخر. لقد عانى الشعب الفلسطيني، على امتداد عقود، من مصادرة الأرض والموارد، وتدمير مقومات الإنتاج، وفرض التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي. غير أن هذه العملية لم تنتج الفقر والبطالة والتشريد وحدها، بل ساهمت أيضًا في نشوء شرائح اقتصادية فلسطينية استطاعت تحقيق الأرباح من داخل علاقات التبعية نفسها. إنها شريحة ستدافع عن موقعها بكل ما تملك من قوة من خلال منظومة القمع والفساد التي تسمى بـ "السلطة الفلسطينية". وهنا تظهر المفارقة الأساسية، فما يشكل أزمة وجودية واقتصادية للأغلبية الفلسطينية يتحول إلى مصدر للربح والنفوذ لدى أقلية تحتكر الوساطة التجارية والامتيازات والموارد، وبالتالي: تحتكر القرار السياسي. وأي محاولة لنزع هذا الدور تستقوي هذه الطبقة بالعدو الصهيوني وتركض إليه، وتعطل عملية التغيير الداخلي من خلال "مراسيم الرئيس". إن محمود عباس مجرد خادم لأوروبا والنظام السعودي ويمثل هذه الطبقة من الطفيليات. إنّ ّهذه الأقلية ليست مجرد مجموعة من الأثرياء، بل يمكن النظر إلى بعض مكوناتها باعتبارها شريحة كومبرادورية؛ أي فئة رأسمالية تستمد جانبًا أساسيًا من قوتها من ارتباطها بالاقتصاد الخارجي المهيمن، ومن دورها وكيلاً (وسيطًا) بين هذا الاقتصاد والسوق المحلية، بدلًا من تطوير قاعدة إنتاجية وطنية مستقلة. ومن الخطأ مساواة جميع أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين بهذه الشريحة. فأصحاب المصانع والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يتعرضون بدورهم لخسائر جسيمة نتيجة الاحتلال، وقد تتعارض مصالحهم المباشرة مع اقتصاد الاحتكار والتبعية. ولم تنشأ الرأسمالية الطفيلية الفلسطينية مع اتفاق أوسلو، لكن المرحلة التي أعقبته وفرت شروطًا جديدة لتوسع نفوذها. فقد تشكلت السلطة الفلسطينية في ظل غياب السيادة على الحدود والموارد الطبيعية والتجارة الخارجية، وبقيت العلاقات الاقتصادية محكومة ببروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي جعل قطاعات أساسية من الاقتصاد الفلسطيني مرتبطة بالمنظومة الإسرائيلية. وفي هذه البيئة، أصبح الوصول إلى الامتيازات التجارية والتراخيص والعقود العامة والتمويل الخارجي مصدرًا مهمًا للقوة الاقتصادية. ومع مرور الوقت، نشأت علاقات متداخلة بين كبار الرأسماليين والمسؤولين السياسيين والمؤسسات العامة. أتفقوا جميعاً على أن ضباط الاحتلال يشكلون مرجعيتهم. ولم تعد المشكلة مقتصرة على حالات الفساد الفردي، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة بين السلطة ورأس المال. مع العدو بمعنى أدق: ثمة حلف طبقي في "مناطق السلطة" يتحالف مع كيان العدو اقتصاديا بالدرجة الاساسية، وما "التنسيق الأمني" إلا أحد مظاهر هذه العلاقة بينهما. فحين تصبح الفرص الاقتصادية الكبرى مرتبطة بالقرب من مراكز القرار، وحين تتداخل المصالح التجارية مع الوظائف السياسية، تتشكل بنية تستطيع إعادة إنتاج نفسها، بصرف النظر عن مستوى الرضا الشعبي عنها. وهذه البنية يحميها الاحتلال أولاَ. وعليه، يمكن للعدو الصهيوني أن يعيد إنتاج السلطة الفلسطينية ولكنه يبقي على وظيفتها الجوهرية التي لازمتها منذ إتفاق أوسلو. تكمن خطورة هذه الشريحة في أن مصالحها لا تقتصر على تحقيق الأرباح من التجارة أو الخدمات أو الوساطة المالية. فاستمرار أرباحها يرتبط أيضًا باستمرار البيئة السياسية والقانونية التي تسمح لها بالاحتفاظ بموقعها. وهكذا تتحول العلاقة بين الثروة والسلطة إلى دائرة مغلقة: تمنح السلطة الامتيازات والفرص، وتوفر شبكات رأس المال موارد اقتصادية ونفوذًا اجتماعيًا يسهمان في تثبيت النظام القائم. هذا يفسر لنا كيف أن الفقر يضرب أطنابه في الضفة فيما تتكدس مليارات من الدولات في جيوب 1 % من جماعة "السلام الإقتصادي"! ومع اتساع هذه العلاقة، يصبح التغيير السياسي تهديدًا مباشرًا لمصالح اقتصادية متراكمة. فلا تعود المنافسة السياسية مجرد خلاف على البرامج والقيادات، بل تتحول إلى صراع على توزيع الموارد، وعلى المؤسسات التي تتحكم بها، وعلى شبكة واسعة من المستفيدين منها. ومن هنا يمكن فهم إجهاض التغيير بوصفها ظاهرة طبقية، لا مجرد تمسك أشخاص بمناصبهم. تستطيع النخب الاقتصادية والسياسية المتحالفة إضعاف فرص التغيير من خلال مجموعة من الآليات المتداخلة. أولها التحكم بالموارد الاقتصادية، بما يجعل فرص العمل والاستثمار والتعاقدات مرتبطة بدرجات متفاوتة بمراكز النفوذ، ويحد من قدرة الفئات الاجتماعية المستقلة على بناء مؤسساتها الخاصة. وثانيها إضعاف الرقابة والمساءلة، حين تصبح المصالح المتبادلة بين بعض المسؤولين وأصحاب رؤوس الأموال عائقًا أمام الشفافية والمنافسة العادلة. وثالثها إعادة تشكيل المجال العام، عبر تراجع استقلال المؤسسات التمثيلية والنقابية والمهنية، أو تضاؤل قدرتها على التعبير عن مصالح العاملين والفئات الشعبية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والاقتصادي. أما الآلية الرابعة فهي تحويل التبعية الاقتصادية إلى تبعية اجتماعية. فالمجتمع الذي يعتمد قسم كبير من أفراده على الرواتب والتحويلات والمساعدات، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة، يصبح أكثر عرضة للأزمات الناجمة عن احتجاز الإيرادات أو انقطاع التمويل. هذه التبعية لا تضرب قدرة المجتمع على الاحتجاج أو التنظيم وحسب، لكنها ترفع الكلفة الاجتماعية للتغيير أيضاً، وتمنح المؤسسات القائمة قدرة إضافية على الاستمرار. إن مجرّد كتابة بوست على مواقع التواصل أو حضور عزاء لشهيد قد يكلف المناضل أو المناضلة 6 أشهر في الاعتقال الإداري. لا يمكن فهم هذه البنية من دون النظر إلى موقع الاحتلال الإسرائيلي بوصفه القوة الأساسية المهيمنة التي تتحكم بالأرض والحدود والموارد والحركة الاقتصادية. فالاحتلال ليس مجرد عامل خارجي يؤثر في الاقتصاد الفلسطيني، بل هو الذي يفرض قسمًا كبيرًا من شروط عمله، ويقيد إمكانات التنمية والإنتاج المستقل. وفي الوقت نفسه، ساهمت منظومة التمويل والمساعدات الدولية في تشكيل أولويات مؤسسات السلطة، من خلال دعم برامج ومشروعات تتفاوت أهدافها وشروطها وآثارها الاجتماعية. ولا يعني ذلك أن جميع المساعدات الخارجية ضارة، أو أن جميع المانحين يعملون وفق غاية سياسية واحدة. لكن الاعتماد المزمن على التمويل الخارجي، في غياب السيادة الاقتصادية، يمنح الجهات الممولة نفوذًا على السياسات العامة ويحد من استقلال القرار. لماذا يصعب اقتلاع هذه المنظومة بكذبة الانتخابات؟ يصعب اقتلاعها لأنها لم تعد مجرد طبقة اقتصادية تمتلك المال، بل أصبحت جزءًا من شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية. ولأن التغيير، في هذه الحالة، لا يتعلق باستبدال مسؤول بآخر، وإنما بإعادة النظر في قواعد توزيع القوة - الثروة، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وطبيعة الاقتصاد الذي يراد بناؤه. إن استبدال الوجوه مع الإبقاء على الاحتكارات والامتيازات والتبعية الاقتصادية لن يغير جوهر المنظومة. وقد يؤدي إلى إعادة إنتاجها تحت أسماء وشعارات جديدة. لهذا، فإن أي مشروع جدي للإصلاح والتحرر يحتاج إلى بناء حالة ثورية سرية تهدد مصالح هذه الطبقة، وقوة مسلحة تحت الأرض تهدد الاحتلال، وترافقها عملية بناء مؤسسات شعبية حقيقية، واعادة الاعتبار للعمل النقابي والأطر والحوامل الاجتماعية، ومكافحة الاحتكار، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتوسيع المشاركة الشعبية في مواجهة الاحتلال والسياسات الاقتصادية في آن واحد. هذا ما يوضح لنا لماذا أصبح النضال التحرري أصعب أكثر في ظل وجود "السلطة"! تكشف التجربة الفلسطينية أن الفصل الكامل بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية يقود إلى فهم ناقص لطبيعة الصراع. فمن غير الممكن بناء اقتصاد وطني في ظل السيطرة الاستعمارية على الأرض والموارد، كما يصعب بناء حركة تحرر وطنية واسعة وفاعلة إذا كانت قطاعات كبيرة من المجتمع تعاني التهميش الاقتصادي وغياب المشاركة في القرار. لكن الربط بين المسألتين لا يعني أن كل تناقض اجتماعي يساوي التناقض مع الاحتلال، أو أن جميع القوى الاقتصادية الفلسطينية تؤدي الدور نفسه. بل يعني ضرورة فهم كيف تتقاطع المصالح الطبقية داخل مجتمع مع البنية الاستعمارية، وكيف يمكن لبعض النخب أن تستفيد من استمرار الوضع القائم، بينما تدفع الأغلبية الشعبية كلفته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لقد ساهم الاحتلال في تدمير القاعدة الإنتاجية الفلسطينية وفرض تبعية اقتصادية طويلة الأمد. وداخل هذه البنية، استطاعت شرائح رأسمالية محددة أن توسع مصالحها وتؤسس علاقات وثيقة مع مراكز السلطة. لقد جرت هندسة للفقر (الافقار) وتدمير الحركة العمالية والنسوية والطلابية، ومصادرة دور هذه القوى التي تستطيع تنظيم المجتمع وقيادته كما راينا ذلك أبان الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987 إن اختزال أزمة "النظام السياسي الفلسطيني" في الفساد الإداري أو في أخطاء القيادات أو تقاعس الفصائل أو مزاج محمود عباس يحجب جانبًا أساسيًا من المشكلة. فالسؤال الأعمق يتعلق بمن يملك الموارد، ومن يقرر توزيعها، ومن يستفيد من استمرار التبعية، وكيف تتحول المصالح الاقتصادية إلى نفوذ سياسي قادر على تعطيل المساءلة والتغيير.

المصدر: وكالة القدس