العقيدة الأمنية الجديدة للكيان : الحرب بديل عن السلام
ليست أهمية النص الذي نشره المعهد الدولي لدراسات الأمن القومي في تل أبيب في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، في أنه يقدم وصفة عسكرية جديدة فحسب، بل في هوية كاتبه، ومكان نشره، والأسئلة التي يفتحها بشأن مستقبل الكيان الصهيوني وعلاقته بالعالم العربي. فالكاتب هو اللواء احتياط تامير هايمان، المدير التنفيذي للمعهد، والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال بين عامي 2018 و2021، وصاحب خبرة عسكرية واستخبارية امتدت 34 عاماً. أما المعهد، فليس منبراً صحفياً هامشياً، بل مؤسسة بحثية متخصصة في الأمن القومي، تأسست في سياق مراجعة إخفاقات حرب عام 1973، وارتبطت بجامعة تل أبيب، وتعمل على التأثير في النقاش الاستراتيجي وصياغة الخيارات أمام صانعي القرار في الحكومة والمؤسسة العسكرية. وهذه الخلفية تمنح الدراسة أهمية استثنائية بوصفها نافذة على النقاش الأمني داخل النخبة الإسرائيلية، لا بوصفها إعلاناً حكومياً ملزماً.يحمل النص عنوان «المفهوم الجديد للأمن القومي: صياغة المفهوم وأسئلة للنقاش»، وقد نشره المعهد على موقعه الرسمي بالإنجليزية. وفي مقدمته يطرح هايمان فكرة مركزية: إن السياسة الأمنية التي أخذت تتشكل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 قد لا تكون مجرد تعديل في الوسائل العسكرية، بل قد تعكس تحولاً أعمق في هوية الدولة نفسها. وهو يميز بين الهوية القومية للدولة، والعقيدة الأمنية التي تستند إليها، والسياسات التي تنفذها الحكومات عملياً. وبحسب منطقه، فإن التغير في العقيدة الأمنية ليس تفصيلاً فنياً؛ لأنه قد يعيد تشكيل طبيعة الدولة وعلاقاتها الخارجية وطريقة تعاملها مع المجتمعات المحيطة بها.لكن الإنصاف يقتضي التوقف عند تحذير وضعه الكاتب بنفسه: المبادئ التي يعرضها هي، وفق عبارته، تفسير ذاتي ونظري ومبالغ فيه عمداً للاتجاهات التي يستخلصها من السياسة الأمنية الجارية. كما يؤكد أن هذه العقيدة لم تصدر في وثيقة رسمية معتمدة، ولم تُقر بإجراء ملزم داخل المؤسسة الدفاعية. لذلك لا يصح تقديم الدراسة باعتبارها قراراً إسرائيلياً معلناً بتفكيك الدول العربية أو قطع العلاقات مع الولايات المتحدة؛ وإنما باعتبارها قراءة نقدية يصوغها مسؤول أمني سابق لتحفيز النقاش حول نتائج التحولات التي يراها قائمة. وهذه الدقة لا تقلل من أهمية النص، بل تحمي الاستنتاجات المستخلصة منه من المبالغة التي قد تُفقدها مصداقيتها.ومع ذلك، فإن المبادئ التي يختار هايمان وضعها تحت المجهر تستحق قراءة عربية جادة. فهو يعرض تصوراً تتقدم فيه الهوية اليهودية على الاعتبارات الديمقراطية، ويتراجع فيه النظر إلى السلام باعتباره هدفاً استراتيجياً لمصلحة التعامل معه بوصفه ترتيباً مؤقتاً، وتصبح فيه الحرب والضربات الوقائية والمبادرة الهجومية عناصر دائمة في مفهوم الأمن. ويصل التصور إلى التشكيك في رسوخ الكيانات العربية نفسها، على أساس أنها تجمعات قبلية وإثنية لا دول قومية حقيقية، وأن زعزعة استقرارها قد تكون عملية تستطيع إسرائيل إدارتها على نحو أفضل من تعاملها مع دول قوية ومتماسكة.هنا ينبغي أن يتوقف العرب طويلاً. فحين يُطرح ضعف الدول المحيطة باعتباره وضعاً يمكن توظيفه لمصلحة الأمن الإسرائيلي، فإن السؤال يتجاوز حدود مواجهة عسكرية مع دولة بعينها. إنه يتعلق بالتصور الذي يحكم علاقة القوة بالمحيط: هل يتحقق الأمن بالتفاهم مع دول مستقرة، أم بإبقاء البيئة الإقليمية في حالة اضطراب تجعل جيران الكيان منشغلين بأزماتهم الداخلية؟ لا تكفي هذه الدراسة وحدها لإثبات وجود سياسة رسمية تستهدف تفكيك الدول العربية، لكنها تكشف أن فرضية زعزعة استقرارها حاضرة في النقاش الذي اختار مدير معهد أمني إسرائيلي أن يعرضه ويناقش تداعياته.ويزداد الأمر خطورة عندما يقترن هذا التصور بالدعوة إلى توسيع الاستيطان وإنشاء تجمعات ونقاط استيطانية في مناطق الاحتكاك، لا في الضفة الغربية وحدها، بل أيضاً في مناطق أمنية داخل غزة وسوريا ولبنان، وفق ما يعرضه النص. فالاستيطان هنا لا يظهر باعتباره قضية عقارية أو نزاعاً على حدود فحسب، بل بوصفه عنصراً من عناصر مفهوم الأمن، مرتبطاً بالوجود المدني والعسكري في الأرض وبنقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود القائمة. وإذا تحولت هذه الفكرة إلى سياسة عملية مستدامة، فإنها تثير أسئلة مباشرة حول السيادة وحقوق السكان واحتمالات الاحتلال طويل الأمد، فضلاً عن فرص التسوية السياسية.أما في ما يتعلق بالولايات المتحدة، فيعرض هايمان تصوراً يقوم على أن الاعتماد المفرط عليها قد يصبح خطراً، وأن تراجع قوتها المحتمل وتغيراتها السياسية والاجتماعية قد يجعلان استمرار دعمها أمراً غير مضمون إلى الأبد. وفي هذا التصور تبرز الدعوة إلى استقلال أكبر في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، وإلى عدم الارتهان للقيود التي قد تفرضها الإدارات الأمريكية. لكن النص يذهب، في صيغته النظرية المبالغ فيها، إلى أبعد من الاستقلال الصناعي، إذ يطرح فكرة قطع الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها ضرورة لاستقلال القرار الإسرائيلي. ولا ينبغي الخلط بين هذا الطرح وبين قرار رسمي بإنهاء التحالف؛ فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية ما تزال موضوعاً تتداخل فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولا يمكن استنتاج مصيرها من مقال واحد.غير أن المسألة الأعمق هي ما إذا كانت هذه العناصر مجتمعة تقود إلى تصور للأمن لا يتحقق إلا باستمرار الحرب. ففي النص، تتقدم الضربات الاستباقية والوقائية على منطق الردع والدفاع، وتصبح المناطق الأمنية المتقدمة وسيلة لنقل المواجهة إلى أرض الخصم، فيما يتراجع السلام من غاية استراتيجية إلى مجرد ترتيب مؤقت قابل للنقض. ويثير هذا المنطق مفارقة تستحق الدراسة: إذا كان كل اتفاق سلام موضع شك، وكل هدوء فرصة يستغلها الخصم، وكل دولة مجاورة قوية خطراً، وكل دولة ضعيفة ساحة محتملة للاضطراب، فأين تنتهي الحرب، وما الحد الذي يمكن عنده إعلان تحقق الأمن؟إن الأمن الذي لا يستطيع تصور نهاية للصراع قد يتحول إلى دورة مفتوحة من الحروب والعمليات العسكرية والاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي. وهذه ليست نتيجة حتمية يثبتها المقال، بل سؤال استراتيجي يطرحه منطق العقيدة التي يناقشها. فالاعتماد الدائم على القوة يفرض كلفة مستمرة على الاقتصاد والمجتمع والاحتياط العسكري والعلاقات الدولية، وقد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع الغاية التي يفترض أن يخدمها الأمن نفسه.بالنسبة إلى الأردن، لا يجوز التعامل مع هذه النقاشات بوصفها سجالاً داخلياً إسرائيلياً بعيداً عن مصالحنا. فالأردن يتأثر مباشرة بما يجري في الضفة الغربية، وبأي محاولة لترسيخ الاستيطان أو فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة، وبأي توسع للمناطق العسكرية والأمنية على حساب الأراضي والسكان. وإذا كان الاستيطان يُطرح في بعض التصورات الأمنية بوصفه وسيلة لتعزيز السيطرة، فإن أثره لا يتوقف عند حدود المنطقة التي يُقام فيها؛ بل يمتد إلى فرص قيام دولة فلسطينية، وإلى استقرار المنطقة، وإلى الضغوط التي قد تنتج عن استمرار التهجير والنزوح. ولهذا فإن قراءة هذه النصوص يجب أن تقترن برصد الوقائع والسياسات الفعلية، لا بالاكتفاء بالتخوف من السيناريوهات النظرية.والخلاصة أن قيمة دراسة هايمان تكمن في أنها تفتح نافذة على سؤال جوهري داخل التفكير الأمني الإسرائيلي: هل نحن أمام إعادة ضبط لعقيدة قديمة لمواجهة أخطار جديدة، أم أمام تحول أعمق يجعل الحرب والاستيطان والاعتماد على القوة أدوات دائمة لإدارة الإقليم؟ لا تجيب الدراسة عن هذا السؤال بوصفه حقيقة نهائية، ولا تثبت أن جميع المؤسسات الإسرائيلية تتبنى المبادئ التي تعرضها. لكنها تقدم مادة موثقة تستحق المتابعة والمقارنة مع القرارات الحكومية، والتحركات العسكرية، وسياسات الاستيطان، ومواقف المؤسسة الأمنية من الولايات المتحدة والدول العربية.ومن هنا، فإن واجب البحث العربي ليس تحويل كل نص إسرائيلي إلى اعتراف رسمي، ولا تجاهل ما يصدر عن مراكز الأبحاث الأمنية المؤثرة؛ بل قراءة النصوص كاملة، وتحديد أصحابها ومواقعهم، وفصل ما يصفونه من وقائع عما يستنتجونه أو يبالغون فيه، ثم اختبار أفكارهم على ضوء ما يحدث فعلاً. فالمعركة على فهم ما يجري لا تقل أهمية عن متابعة ما يجري، ولا سيما حين تتصل النتائج بأمن الأردن ومستقبل فلسطين واستقرار المنطقة بأسرها.المصدر الأصلي: تامير هايمان، «المفهوم الجديد للأمن القومي: صياغة المفهوم وأسئلة للنقاش»، المعهد الدولي لدراسات الأمن القومي، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
المصدر: عمون